للاطلاع على محتويات الإعلان أنقر هنا  
صحيفة دولية تهتم باللغة العربية في جميع القارّات
تصدر برعاية المجلس الدولي للغة العربية

  دعوة لجميع طلاب وطالبات الدراسات العليا            الإعلان عن بداية التسجيل في المؤتمر الدولي الثامن للّغة االعربية ( 10 –13 إبريل (نيسان) 2019م الموافق 5 – 8 شعبان 1440هـ)           عاجل جدا... لقد تغير بريد المجلس الدولي للغة العربية الإلكتروني           الموقع الخاص بالمجلس الدولي للغة العربية           الموقع الخاص بالمؤتمر الدولي للغة العربية           الباحث العربي: قاموس عربي عربي         
الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة

عقاب من أخطأ في الإعراب

د. أحمد المغربي


عقاب من أخطأ في الإعراب

د. أحمد عبدالله المغربي

كبير باحثين بدائرة الشؤون الإسلامية



الإعرابُ علمٌ ذو قواعدَ وضوابطَ لايحسنه كل أحد، ولا يَمْهَر فيه إلا القلّة من الناس، وهو في الأصل ملكة لسانيّة مكتسبة من البيئة، ولذلك كانت العرب تتحدّث العربيّة سليمة خالية من الخطـأ واللحن بحكم الفطرة والسليقة والبيئة، يشهد لذلك قول شاعرهم:

ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقي أقول فأعرب

وكانت العرب تتفاخر بفصاحة اللسان وبلاغة البيان، ولا يتفاخرون بالإعراب لأنه كلامهم الذي نشؤوا عليه، وما تفاخر به الشاعر أعلاه إلا بعد ظهور اللحن وتقعيد القواعد الضابطة للسان عن الخطأ واللحن.

وقد ارتفعت مكانة العربية في الجاهلية بعامل التّنافس الأدبي بين الشعراء، ثم لما بُعث سيّدُنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - نزل الوحي بلغة عربية عالية فصيحة بليغة، كما قال تعالى: (قرآنا عربياً)[الزمر: 28]، فصار القرآن الكريم داعماً للعربيّة وحصناً لها ودليلاً على رفعة شأنها وعظم مكانتها، بل قد أضفى عليها الوحي صفة القداسة، حيث انتقلتْ من كونها لغة قومية إلى كونها لغة دينية، فزادها ذلك حصانة على حصانة.

ولما صارتْ العربيّة بهذه المكانة من التعظيم والتقديس كان من الطبيعي أن يَعظُم أمر اللحن فيها والخطأ في إعرابها، فوقف المجتمع كله وقفة جادّة ضدّ كل من لحن فيها حسبما ترويه بعض كتب السنة والتأريخ والأدب، فقد رصدتْ لنا هذه المصادر وقفات جادّة لايسمح المقام بالبسط والإطناب فيها، فالمقام مقام إيجاز، ولذا سوف أقتصر على ذكر بعض العقوبات التي أوقعها المجتمع على من أخطأ في الإعراب.

من المسلّماتِ التربويّة في علم النّفس التربوي أن كلّ إيذاء جسدي كالضرب ونحوه، وأن كلّ إيذاء نفسيٍ كالنقد اللاذع، أو الاعتراض العلني، أو الإعراض، أو النظرة بشزر، أو رفع الصوت، أو نحو ذلك من المؤلمات النفسية فإنها تندرج في قائمة العقوبات، وكان أول ما وقفنا عليه أن رجلاً لحن في عصر النبوة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر صلى الله عليه وسلم بإصلاح خطئه، ففي المستدرك [2/ 477]، من حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنه قال : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَرَأَ فَلَحَنَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْشِدُوا أَخَاكُمْ»، وفي بعض كتب الأدب زيادة : " فقد ضلّ " ، ولم أقف لهذه الزيادة على أصل في كتب السنة، ولعل من أدرجها في الحديث أدرجها للتوضيح والشرح، يريد أن الإرشاد يكون بعد الخطأ، وكون الحديث يوحي بذلك فإنه نوع من أنواع التوجيه والتأديب.

- وقد تكون العقوبة بالضرب، ففي عصر الخلافة حدثتْ مواقف كثيرة، منها: ما أثر عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنّ أحد ولاته كتب إليه كتابا فلحن فيه فكتب إليه عُمَر : أن قنّع كاتبك سوطا". وفي موقف آخر وجد عمر أبناءه يلحنون فضربهم على اللحن، وفي موقف ثالث لعمر أيضاً، أنّه وجد في كتاب عامل له لحناً، فأحضره وضربه درة واحدة. ومثل أبيه كان عبدالله بن عمر يضرب أبناءه على اللحن. "ومن يشابه أبه فما ظلم".

- وقد تكون العقوبة بالتعجب، والتعجب لا يكون إلا من شيء غريب شاذ غير مألوف ولا معهود، كتعجب أبي الأسود الدُّؤلي عندما رأى أعدالاً للتجار مكتوباً عليها: لأبو فلان!! فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.

وهكذا استمر نقد المجتمع لكل من لحن في الإعراب، ولم ينج منه أحد حتى أبناء الخلفاء، فهذا يزيد بن عبد الملك لحن ذات مرة وهو بين يدي مؤدبه، فقال مؤدبه: لم لحنت؟ فقال: الجواد يعثر، فقال المؤدب: إي والله ويضرب حتى يستقيم. فهكذا كان الأمر في العصور الماضية.

- وقد تكون العقوبة بالزجر بلفظ شديد، كزجر ابن بجير للناعي القائل: مات بجيراً، فقال ابن بجير: لحنت لا أم لك. زجره في هذا الموقف ! وهو موقف فجيعة وذهول.

- وقد تكون العقوبة بالصراخ عليه على الملأ ، كقصة (سيبويه) في سبب طلبه للنحو، فقد كان يقرأ الحديث الشريف في مجلس شيخه حماد بن سلمة، فلحن وهو يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء "، فقرأ سيبويه : ليس أبو الدرداء، فصاح به حماد : لحنت يا سيبويه، إنما هذا استثناء، فقال سيبويه : والله لأطلبن علما لا يلحنني معه أحد ، ثم مضى ولزم الخليل وغيره".

- وقد تكون العقوبة بالمفارقة ، كقصة الكسائي في سبب طلبه للنحو ، فقد تعب ذات يوم، ثم جاء إلى قوم من الهباريين وقد أعيا، فقال لهم: "قد عييت". فقالوا له: أتجالسنا وأنت تلحن؟ فقال: كيف لحنت؟ قالوا: إن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل : "عَيِيت" مخففاً، وإن كنت أردت من التعب ، فقل : "أعييت"، فأنف من هذه الكلمة، ثم قام من فوره ذلك فسأل من يعلم النحو؟ فأرشدوه إلى معاذٍ الهراء فلزمه حتى أنفد ما عنده، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل وجلس في حلقته، فقال له رجل من الأعراب: تركتَ أسد الكوفة وتميمها وعندها الفصاحة وجئت إلى البصرة، فقال للخليل: من أين أخذت علمك هذا؟ قال: من بوادي الحجاز ونجدٍ وتهامة، فخرج ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ، فلم يكن له هم غير البصرة والخليل.

- وقد تكون العقوبة باستدعاء رسمي، كما حدث مع المازني ، فقد أورد الراغب الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء) أن جارية غنّتْ بحضرة الخليفة (الواثق بالله ) ، بقول الشاعر:

أظلوم إن مصابكم رجلاً رد السلام تحية ظلم

فاختلف الحاضرون في نصب (رجلاً) ورفعه، وأصرت الجارية على النصب ، وزعمت أنها قرأته على أبي عثمان كذلك، فأمر الواثق بإشخاصه من البصرة، فلما حضر أوجب النصب وشرحه بأن (مصابكم) بمعنى (إصابتكم) و(رجلا ) مفعوله و(ظلم) الخبر ، ولهذا لا يتم المعنى بدونه. قال فأخذ اليزيدي في معارضتي فقلت له وهو كقولك : (إن ضربك زيدا ظلم)، فاستحسنه الواثق، ثم أمر له بألف دينار ورده مكرما.

- وقد تكون العقوبة بعدم التّرحيب به إن كان ضيفاً وعدم فتح الباب له، فقد أورد ياقوت في معجمه أنّ رجلاً قرع على الحسن البصري الباب وقال: يا أبو سعيد، فلم يجبه، فقال: يا أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل.

- وقد تكون العقوبة بالتهكم، كتهكم الحسن البصريّ أيضاً بمن ناده: يا أبو سعيد! فقال الحسن: كسب الدّوانيق شغلك أن تقول:يا أبا سعيد.

- وقد يلحن المتكلم ، فيدرك أنه لحن ويرى لحنه ذنباً، فيبادر بالاستغفار، كما حدث لأبي أيوب السجستاني، فقد حكى الخليل بن أحمد، أنه سمع أيوب السجستاني يحدث بحديث فلحن فيه، فقال: أستغفر الله. يعني أنه عدّ اللحن ذنباً. بمعنى أنه لو سمعه من غيره لعاقبه عليه.

فهذه مواقف كلها دالة على قدر مكانة العربية والغيرة عليها وعدم التساهل مع من لحن فيها. والله أعلم .

التعليقات
الأخوة والأخوات

نرحب بالتعليقات التي تناقش وتحلل وتضيف إلى المعلومات المطروحة عن الموضوعات التي يتم عرضها في الصحيفة، ولكن الصحيفة تحمل المشاركين كامل المسؤولية عن ما يقدمونه من أفكار وما يعرضون من معلومات أو نقد بناء عن أي موضوع. وكل ما ينشر لا يعبر عن الصحيفة ولا عن المؤسسات التي تتبع لها بأي شكل من الأشكال. ولا تقبل الألفاظ والكلمات التي تتعرض للأشخاص أو تمس بالقيم والأخلاق والآداب العامة.

الاسم
البلد
البريد الالكتروني
الرمز
اعادة كتابة الرمز
التعليق
 
   
جميع الحقوق محفوظة ٢٠١٣
By QualTech