التعدد اللغوي في المغرب وأوروبا من زوايا مقارِنة

أ. إسماعيل العثماني

انعقدت بمقر رئاسة جامعة محمد الخامس أكدال بالرباط خلال يومي 24 و25 أكتوبر الجاري ندوة دولية (مصغَرة) تحت عنوان: "التعدد اللغوي في المغرب وأوروبا من زوايا مقارِنة"، وذلك بمناسبة تقديم الترجمة العربية من التقرير الهام حول "أوروبا الغنية بلغاتها". نظّمَ الندوةَ (مع توفير الترجمة الفورية) كلٌ من "المجلس الثقافي البريطاني" (British Council) و"المعهد الهولندي بالمغرب" (Nimar)، وغاب عنها الباحثون المغاربة في اللغة والمجتمع والثقافة والتعدد والهجرة، حتى أن استياء المُنظِمين والمحاضرين، الذين تجشموا عناء التنقل، كان بادياً للعَيان. بينما حضَر الجلساتِ بانتظامٍ جمهورٌ لا يتجاوز عشرة أشخاص، أغلبهم أستاذات الإنجليزية أو باحثات في حقلِها، إضافة إلى ممثلة عن وزارة التعليم العالي وممثلة عن الرئاسة. الغائب الكبير الآخَر هو الإعلام، بكل أصنافه ووسائله. لهذا أخذ عبدُ ربّهِ المبادرة لإحاطة المهتمين عِلماً، ولو بإيجاز، بهذه التظاهرة العِلمية.

افتُتِحت الأشغال، بعد ساعة وزيادة من التأخر عن الموعد، بكلمة وجيزة (بالفرنسية) لنائبة رئيس الجامعة (الغائب)، تلتْها كلمة (بالفرنسية) لوزير التعليم العالي، السيد لحسن الداودي. وقد انصبّ اهتمامُه على ضرورة النهوض باللغة الإنجليزية بالمغرب لأنها لغة العلوم والتواجد بين دول العالم، مع الثناء على "المجلس الثقافي البريطاني" في شخص رئيسه بالرباط، الجالسِ على يمينه في المنصة، باعتباره منظِم الندوة (بمعية "المعهد الهولندي بالمغرب"، الذي سقط سهواً من كلمة الوزير)، والتوقفِ عند رؤية وزارته في مجال تعلم اللغاتِ وتحديد الأولويات في الجامعة المغربية والانفتاح على شرَاكات مع جامعات مرموقة أجنبية تفتح فروعاً لها بالمغرب.

وبعد الوزير، أدلى مدير "المجلس الثقافي البريطاني" بالرباط بكلمة وجيزة (بالإنجليزية) ذكّر فيها بأهمية الندوة والموضوع والتعدد اللغوي أوروبياً ومغربياً ومشروع "أوروبا الغنية بلغاتها". وقبل أن تُرفع الجلسة الافتتاحية، سَلّم الأستاذ يانْ هُوخْلاندْ في مبادرة رمزية، للسيد الداودي النسخةَ العربية الورقية الوحيدة المتوفرة لديه من تقرير "أوروبا الغنية بلغاتها: توجهاتٌ في السياسات والممارسات من أجل التعددية اللغوية في أوروبا" الصادر أصلا في نونبر 2012 بمطابع جامعة كمبريدج الإنجليزية وتمويل من "المجلس الثقافي البريطاني". ولم يَفت مديرَ "المعهد الهولندي بالمغرب" أن يقول إن سبب انعدام النسخ بالعربية مرتبط بالتعريفات الجمركية التي تحُول دون دخولها إلى المغرب، رغم أن "التقرير" ليس سلعة تجارية، بل وُضع في الأصل للتوزيع المجاني تعميماً للفائدة وإثراء للنقاش حول ظاهرة التعدد اللغوي.

وعَقِب الاستراحة، بدأتِ أشغال الندوة بمحاضرة بالإنجليزية للأستاذ والباحث اللغوي خُوسْ إيكسترا (جامعة تيلبورخ، هولندا) عنوانها: التعامل مع التنوع اللغوي المتنامي في أوروبا المتعددة اللغات". دام العرض ما يقارب الساعة ونصف الساعة، وتطرق خلاله المُحاضر بالتفاصيل والصور والأرقام (على الشاشة) لعدة أسئلة وإشكالات جوهرية، من قَبيل اللغة في علاقتها بالهوية والجنسية من منظور الهجرة والقانون والدستور والتعدد والاختلاف والإدماج/ الاندماج، بتأثير من العولمة، وفي سياق الواقع المَعيش والسياسات الموضوعة والتعليم الابتدائي والثانوي ووسائل الإعلام، إلخ.

أخذ الأستاذ إيكْسْترا النموذجَ الأوروبي وقارَنَه، في مقاربة متعددة التخصص (أنثروبولوجية، لغوية، إيديولوجية، إلخ)، بنموذج الدول التي وَضع الأوروبيون (المهاجرون) دساتيرَها ذات يوم من القرون القليلة الماضية: الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا وجنوب أفريقيا، مستنتجاً بأنّ الأوروبيين (المهاجرين) راعوا واستفادوا في هذه البلدان التي ساهموا في تأسيسها أموراً وقرارات لها علاقة بمعايير النسب والانتساب واللسان والتعددِ والاندماج لا يريدون أن يستفيد منها المهاجرون اليوم إلى أوروبا (مغاربة، أتراك، إلخ).

كما قدّم مُعطياتٍ مهمة حول التعدد اللغوي في بعض العواصم والحواضر الأوروبية وتعامُل المسئولين وصناع القرار مع الظاهرة في مجالات التواصل والتعليم والإعلام والخِدمات العمومية والأعمال، مع التوقف عند الخطاب السائد والمعايير المتبَعة من طرف مراكز المَسح الأوروبية في هذا الباب. وقد خلص الخبير الهولندي إلى أن التعدد اللغوي ليس فقط أمراً واقعاً في أوروبا اليوم، بل مصدر غنى كبير يجب على الهيئات الرسمية الأوروبية، السياسية منها والعِلمية، أن تنظر إليه بمعايير أكثر موضوعية تفضي إلى سياسات وممارسات جيدة بهذا الصدد. وتلا المحاضرةَ نقاشٌ غني رغم قلة الجمهور تخللته إشارات وتساؤلات حول التعدد اللغوي بالمغرب (ثلاث أمازيغيات، عربيتان، حسانية،)، ثم وجبة غداء على شرف المشاركين في الندوة.

برنامجُ بعد الزوال تضمَنَ محاضرتين بالإنجليزية، أوُلاهما للأستاذ عبد الرحمان العيساتي (الريفي المغربي الهولندي المسلم المتزوج بإنجليزية، الأستاذ الباحث في الدراسات الثقافية بجامعة تيلبورخ الهولندية والمنسق للترجمة العربية للتقرير المذكور أعلاه) والثانية للأستاذ يانْ هوخلاند (المستعرب والمستمزغ اللغوي والأستاذ بجامعة رادباود في نايْميخَن الهولندية والمقيم بالرباط مديراً ل "المعهد الهولندي بالمغرب"). كنتُ بصدد الحديث مع ذ. العيساتي قبيل البدء حين سألَ ذ. هوخلاند: مَن سيبدأ؟ وردّ هذا الأخير: أنت! فعقّب الأول: صحيح، أنا مُول الدار (أيْ مغربي). وعقّب هوخلاند على التعقيب ضاحكاً: كَلّا، أنا ابن الدار الحقيقي لأنني أقيم بالرباط وأنت بهولندا.

هذا الحوار القصير الطريف طرح إشكالات جدية ستكون، بالمصادفة، في صلب الجلسة التي بدأت على الفور. اللغة أداةً للتواصل ورمزاً وإيديولوجيا وثقافةً وانتساباً؛ اللغة الأم واللغة الأب، لغة البيت ولغة المدرسة ولغة ساحة المدرسة ولغة الشارع ولغة الأغلبية ولغة الأقلية واللغة الجهوية واللغة الوطنية واللغة الرسمية واللغة الأجنبية واللغة المشتركة؛ اللغة والهوية والأصل والدين والبرغماتية؛ اللغة والتعليم والتعلم والثقافة والجنسية والهيمنة؛ اللغة المتعددة أو التعدد اللغوي في الفرد وفي المجتمع. هل التعدد اللغوي كمي أمْ كيفي؟ رمزي أمْ ثقافي أم إيديولوجي أم سِيادي أم سِياقي؟

مِن حول هذه المفاهيم دارت محاضرةُ الأستاذ العيساتي (في حوالي 40 دقيقة)، وإن لم تلتزم بالضرورة بعنوانها "التعدد اللغوي في المغرب". وقد تطرق لها بأمثلة ملموسة بدل التنظير المجرد، بأمثلة عدة تتقاطع فيها اللغة الأم مع الجنسية والوطن والأصل والهوية والهجرة وما إلى ذلك. ومِمّا جاء في المحاضرة مثالُ الشاب المغربي/الهولندي المزداد بهولندا من أبوين يتحدثان بالريفية ويتواصل على الإنترنيت بهولندية لا تخلو من عبارات مغربية بحروف لاتينية وأخرى أمازيغية؛ أو مثال الشاب المغربي/الهولندي الذي يتعلم عشرين كلمة تركية للتواصل بها، بدل الهولندية، مع أقرانه الأتراك في حيه بهولندا للشعور بانتماء معين؛ أو حالة الألسن الأمازيغية الثلاثة في المغرب بعد ترسيم الأمازيغية الرابعة (الإركامية)؛ أو مدى برغماتية حرف تيفناغ مقارنة مع الحرفين العربي واللاتيني في التعليم والتواصل والأعمال؛ أو واقع الألسن الأمازيغية بين الرمزية والتعميم؛ إلخ.

بعدئذٍ، جاء دور الأستاذ هوخلاند، الذي ركّز مداخلتَه المقتضبة (حوالي 20 دقيقة) حول "اللغة العربية في أوروبا". جاء عرضُه في شكل نظرة عامة وسريعة إلى وضع اللغة العربية في أوروبا، خاصة في التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي والعالي والإعلام والخدمات العمومية ومجال الأعمال في البوسنة والهرسك وبلغاريا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولونيا ورومانيا وإسبانيا وسويسرا وإنجلترا واسكوتلندا وإرلندا الشمالية. وقد دعمَ عرضَه بجدول بياني يَعكس نسبة حضورها بين الناس، والصنف المستعمَل (فصحى أم دارجة)، ونوعية المهتمين بتعلمها (أهالي، ذوو أصول عربية أو انتماء إسلامي، إلخ). خلاصة القول، إن الاهتمام باللغة العربية في البلدان الممسوحة ليس متساوياً، والدوافعَ لتعلمها متنوعة والبحوثَ في هذا الباب لا زالت قليلة وغير دقيقة.

أثارت المحاضرتان نقاشاً هاماً بين الخبراء وأستاذات في القاعة امتد ليعالج مسائل لها علاقة بالتعدد اللغوي تعميماً، سواء في أوروبا أو في المغرب. ومن جملة ما سلّم به هؤلاء اللغويون والخبراء أنّ التعدد اللغوي شيء إيجابي ولكنه يطرح إشكالات كبرى لتدبيره، وأنّ الدارجة المغربية منبثقة مِن اللغة العربية، وأنّ الإركامية لغة رابعة وليست مَعيرة للألسن الأمازيغية الموجودة في مغرب اليوم، إلخ. إثر ذلك رُفعت الجلسة إلى اليوم الموالي.

في اليوم الثاني خُصِصت الجلسة بالكامل (إلى غاية منتصف النهار و أربعين دقيقة) للتعريف بتفاصيل مشروع "أوروبا الغنية بلغاتها". كان الموعد مع الأستاذ سايْمون إنْغْرام هيلْ، مدير المشروع، الذي تعذّر عليه الحضور في اليوم الأول. وقد أشار المُحاضر في البداية إلى أن التقرير تُرجم إلى العربية والتركية رغم أنهما ليستا من لغات أوروبا الرسمية، وذلك اعترافاً بدور وثقل الجاليتين الناطقتين بهاتين اللغتين في أوروبا. ثم فسّر كيف أنّ هذا التقرير هو عُصارة مجهود جبّار ومتنوع شاركتْ فيه أطراف عديدة: 24 بلد/ جهة، 1200 شخص، 484 شركة، 124 جامعة، في 8 مجالات و4 أنواع، لرسم خريطة تقريبية عن الوضع اللغوي في أوروبا (اللغة الأم/الأب/ الثانية/ الثالثة/ الوطنية/ الرسمية/ الأقلية/ الهجرة، إلخ).

بمعنى أنّ المسحَ لا يغطي كل دول الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين، فما بالك بكافة الدول الأوروبية، وذلك لأسباب مادية بالدرجة الأولى.

انطلق المشروع سنة 2009 بمبادرة من "المجلس الثقافي البريطاني"، وهو عبارة عن بحث عِلمي ميداني (بالعيّنات) يحكُمه 260 سؤالا تهمّ الوضع اللغوي في البلد المعني أو الجهة المعنية منه (جهة فريشلاند في هولندا نموذجاً)، في ميدان التعليم والإعلام والخِدمات العمومية والأعمال. وقد خرج هذا البحث المَسحي ب 70 توصية على الصعيد الوطني و10 توصيات على الصعيد الأوروبي، وأشرف على تجميع وتقديم مضامينه الأستاذان خوس إكسترا (الأنشط خلال هذه الندوة) وكوتلاي ياغمور. وبما أن مضامين المشروع/ التقرير ومنهجيته ومقاصده متوفرة على الإنترنيت، سأكتفي بهذا القدر وأحيل القارئ على الرابط الآتي:

هسبريس