|
إشكالية اللغة العربية في المواقع الإلكترونية.. على طاولة البحث.. تراجع كبير في نسبة المحتوى العربي على الإنترنت
أريج بوادقجي
ماذا لو قدّمت لك وجبة غنية ضمن وعاءٍ من البلاستيك؟! وهل استعمال البلاستيك بديلاً عن الخزف يعني أن الطينة الأولية قد فُقدت؟ أم إنّ الصانع لم يعد يمتلك أدنى ملكات صناعة الخزف، فاتجه إلى القوالب الجاهزة؟!
الأمر لا يقف عند العلاقة بين الوعاء والوجبة، بل يندرج ليصل إلى العلاقة بين اللغة والفكر، فاللغة كما عُرفت- هي وعاء الفكر، والعلاقة بين الطرفين هي علاقة تناسبية، فبانحدار الفكر تنحدر اللغة، والعكس صحيح، فماذا لو بات انحدار اللغة ظاهرةً شائعة؟!
استطاعت المواقع الإلكترونية أن تفرد لنفسها مكاناً واسعاً على ساحة التواصل الاجتماعي لجرأتها وسرعتها وقربها من حياة الناس، لتتصدر الإعلامية ُمنها الساحة لما فيها من ميزات لم توجد في وسائل الإعلام التقليدية..إلا أنّ بعض القائمين على المواقع الإلكترونية قد بالغ في رغبته بالوصول إلى العامة، ولو كانت النتيجة على حساب المحتوى، لتتجلى أولى مظاهر هذا الانحدار بتواضع السوية اللغوية التي قد تصل إلى حدَّ اللهجة العامية..
وزارة الإعلام تنبهت إلى مسألة ضعف اللغة العربية في الإعلام الإلكتروني على وجه الخصوص، وأقامت بالتعاون مع الأمانة الفنية لمجلس وزراء الإعلام العرب في جامعة الدول العربية ورشة عمل تحت عنوان »إشكاليات اللغة العربية في المواقع الإلكترونية« التي استمرت على مدى يومين بمشاركة إعلاميين وأدباء وكتاب وتقنيين في مجال المعلوماتية ومديري مواقع إلكترونية، وبعض المهتمين من اتحاد الكتاب العرب ووزارات الثقافة والإعلام والاتصالات والتقانة والتعليم العالي، ولجنتي النهوض باللغة العربية وتمكين اللغة العربية والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية والمواقع الإلكترونية في الإعلام الخاص.
ضعف مستوى الأداء
وقد حذّر الدكتور »محسن بلال« وزير الإعلام أثناء افتتاح الورشة من ضعف مستوى الأداء اللغوي وخطورته على قوة اللغة وحيويتها، ومن تدني نسبة وجود المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت حيث لا تتجاوز مساهمة العرب 1 % مما ينتجه العالم.
من جهته أكد الدكتور نبيل الدبس معاون وزير الإعلام لـ »تشرين«: أن تناول موضوع إشكالية اللغة العربية في المواقع الإعلامية هو أمر ملح وذلك تزامناً مع تبني فكرة النهوض باللغة العربية، وسعي وزارة الإعلام إلى إنشاء صحف إلكترونية، فقريباً سيوجد على الشابكة موقع الثورة الإلكتروني وتشرين الإلكتروني، وقد شكلت لجنة وضعت نقاطاً لما ينبغي أن تكون عليه الصحف الإلكترونية.
وأضاف الدبس: »هناك خصوصية لشيء اسمه صحيفة إلكترونية، فليس نقل الصحيفة الورقية إلى موقع إلكتروني هو »إعلام إلكتروني«، فالإعلام الإلكتروني له طريقة صناعة خاصة، والإنسان يتوجه إليه بذهنية مختلفة وهيئة مختلفة ووقت مختلف، كما أن له لغته الخاصة المتسمة بالسهولة والاقتضاب، وهذا كله يقتضي أن يكون هناك هيكل تحريري خاص يختلف تماماً عن الهيكل التحريري الموجود في الصحيفة الورقية«.
ولم ينكر د. الدبس وجود إشكالية في وجود اللغة العربية إعلامياً وفي الإعلام الإلكتروني على وجه الخصوص، مؤكداً أن هذه الإشكالية لا تنبع من خصوصية اللغة العربية، بل ترجع إلى عدم فاعليتنا في الإنتاج الرقمي العالمي من جهة ما يجعل اللغة العربية دائماً في حالة المتأقلم مع ما ينتج، إضافة إلى تقصير الإعلاميين والمحررين في تطوير مهاراتهم اللغوية، وأشار إلى أن وزارة الإعلام تحاول تخطي هذه الإشكاليات من خلال إخضاعهم لدورات متعددة في معهد الإعداد الإعلامي.
اللغة العربية في المواقع الإلكترونية
وبالنظر إلى نسبة وجود المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت مقارنة باللغات الأخرى، فقد أكد الكاتب »حسن م يوسف« على مجموعة من الحقائق التي تثبت ضعف الإنتاج العربي على شبكة الإنترنت، فحصة اللغة العربية من المحتوى الرقمي العالمي لا تتعدى 16ر0 بالمئة، أما عدد المتحدثين بالعربية حول العالم فقد وصل إلى قرابة 320 مليوناً.
وفي جهة مقابلة نجد أن أكثر من 50 بالمئة من سكان الوطن العربي لا يتقنون اللغة العربية بشكل جيد، ربما بسبب فشل لغويينا في وضع مناهج تربوية للغة عربية حديثة تتجاوز كل الإشكالات التي تحول دون الاندماج التام للغة العربية بالعصر الرقمي، ليتخذ الشباب العربي »لغة موازية« تكون أقرب لمحادثاتهم اليومية.
وفيما يخص الضعف الموجود في لغة الإعلام الإلكتروني السوري يقول الكاتب »حسن م. يوسف« لـ »تشرين«: »إن وجود اللغة العربية في المواقع الإلكترونية قد يكون أكثر تسيّبا مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، بسبب عدم وجود مدققين لغويين أو جهة علمية مشرفة على ما ينشر في تلك المواقع، وضعف المحررين والإعلاميين لغوياً من جهةٍ ثانية، فما يستخدمه الإعلاميون من اللغة العربية لا يشكل سوى 2 أو 3%، في حين أن عدد مفردات اللغة العربية يزيد عن 9 ملايين مفردة، وإذا ما قارناها باللغة الإنكليزية فإن الإنكليز قد احتفلوا مؤخرا بوصولهم إلى الكلمة المليون، وفي جهة مقابلة نلاحظ أن المحررين والإعلاميين يعتمدون على المفردات نفسها والكلمات نفسها في كل مقالاتهم، إذ تبدو وكأنها مصنوعة من قالب واحد وهذا شكل من أشكال الضعف«.
إشكالية اللغة غير معيارية في الكتابة الإلكترونية
د.»ممدوح خسارة« عضو مجمع اللغة العربية بين أن إشكالية وجود اللغة العربية في المواقع الإلكترونية تظهر في الكتابة باللهجات العامية والكتابة بأحرف لاتينية، واستبدال الأحرف بالأرقام، و استخدام الكلمات المرمزة والمختصرة بحرف أو حرفين، إضافة إلى ترميز الانفعالات وتكرار حرف معين في كلمة معينة لتحميلها شحنة عاطفية من العيار الثقيل.
كما نبه إلى خطورة تعميم الأخطاء الإملائية والنحوية وإشاعتها كاستبدال همزة الوصل بهمزة القطع، وتغيير الألف باء العربية بإدخال أحرف دخيلة عليها وترسيخ عجز العربية عن التواصل العربي المعاصر والإسهام في ضحالة المحتوى العربي على الشابكة.
العامية في المواقع الالكترونية
أما أ. »مروان ناصح« فقد أكد أن هناك مشكلة جديدة برزت مع تعاظم حضور الانترنت في حياتنا وهي انتشار العامية في المواقع الإلكترونية، ولعل أول مظاهر اللجوء إلى العامية هو اختيار بعض أصحاب المواقع الإلكترونية بمختلف أشكالها ووظائفها أسماء عامية أو أجنبية تأصلت في العامية وتفضيلهم إياها على الأسماء العربية، ويمكن إرجاع هذه العناوين حسب ما يدعي أصحابها إلى نزعة الاقتراب من ثقافة الناس الشعبية وموروثهم الذي لا يزال متداولا ومؤثرا في نفوسهم.
وأضاف: »نلاحظ تسلل بعض الكتابات لا سيما زوايا الرأي، وقد كتبت باللهجات العامية، سواء ماكتب خصيصا لهذه المواقع أم ما نقلته المواقع الإلكترونية عن الصحف الورقية الصادرة هنا وهناك، بحجة الاقتراب إلى وعي العامة، وسهولة التواصل معهم، غير أن أوسع مظاهر انتشار العامية وأغزرها، إنما هو ما نراه على مواقع المنتديات الحوارية، بمختلف أسمائها، تلك التي استقطبت كل الشرائح الاجتماعية، وبدأت تقوم بدور المقهى والشارع والسوق والنوادي في حياة الكثير من الناس من حيث التحاور وتبادل الآراء و»الفضفضة« كما يقال وكل ذلك يتم بمختلف اللهجات في البلاد العربية«.
وختم حديثه بالإشارة إلى أن الجهل باللغة العربية، وعدم إتقانها ومعرفة أساليبها، والمقدرة على الكتابة بها على نحو سليم وفصيح، هو القاسم المشترك، الذي يدفع بالكثيرين إلى الهرب نحو العامية في الكتابة، وهو الأمر الذي يضع الجهات التربوية والتعليمية أمام مسؤولياتها لتلافي وجوه التقصير في العملية التعليمية.
دعم المحتوى العربي على الانترنت... eSyria نموذجا
عرض المهندس »رشاد كامل« مدير مشروع eSyria تجربة المشروع في إنتاج المحتوى الرقمي العربي بالاعتماد على جودة الكم والنوع، وأكد أن مشروع »مدونة وطن« باعتباره تجربة عمرها 4 سنوات قد ورثت مشكلات كبيرة من ناحية إنتاج محتوى عربي صحيح لغوياً، وخصوصا فيما يتعلق بالمراسلين والإعلاميين، فهناك ضعف لغوي في القطاع الإعلامي بشكل عام، وقد استطعنا كمشروع تجاوز جزء من تلك الإشكاليات عن طريق إيجاد نظام عمل لتجاوز الأخطاء اللغوية الشائعة، فكلما ازدادت الأدوات وضوحا ازداد العمل إبداعا.
وأضاف: »إن معظم المواد التي تنشر في المدونة تم صنعها من قبل فريق العمل في المشروع والتي بلغ عددها إلى تاريخه 42 ألف مادة تدون الحدث واللقاء والظاهرة والمكان والشخصيات... إلخ بشكل يمنحها قيمة ممتدة زمنيا تجعلها جاهزة للتصفح مرارا وتكرارا لعشرات السنوات وصولا لأن تكون مرجعا عن سورية والسوريين، وصولا إلى احتلال أكبر قدر ممكن من الذاكرة العالمية على الشابكة، وهذا ليس بالأمر السهل«.
علاقة اللغة بالفكر
الإنترنت أصبحت ذاكرة عالمية تصب فيها المجتمعات نتاجاتها الفكرية والفنية والثقافية والعلمية، لتسهّل بالتالي عملية التواصل وتبادل المعارف، ولعل المواقع الإلكترونية سواء أكانت إعلامية أم ثقافية أم معرفية ستشكل واجهة للمجتمع، ومن خلالها يمكن أن يؤخذ عنه الانطباع الأول، فلماذا لا نعمل على أن يكون الانطباع الأول متميزا بالشكل والمحتوى؟! ..والوعاء الخارجي جاذبا ومعبراً عن قيمة الفكرة والمضمون؟!
تشرين
|
|
|
|