اللغة العربية مظلومة

أ. خليل برهومي

 اللغة العربية أشرف اللغات على وجه الأرض، فهي لغة القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه والذي أنزله الله على نبيّه محمد هدى ورحمة ودستوراً للعالمين كافة، ولغة القرآن وهي العربية هي لغة أهل الجنة كما ورد في الأحاديث الصحيحة.
واللغة العربية عدا كونها أشرف اللغات  كما ذكرنا فهي أوسعها مدلولاً وأكثرها اشتقاقاً، وهي تتميز عن سائر اللغات الأخرى في أنها لغة معربة، وأنها تضم في أبجديّتها حرفاً زائداً عن مثيلاتها من اللغات هو حرف «الضاد» ولذلك سميت لغتنا العربية بلغة الضاد لتفردها بهذا الحرف الجميل..
ومن المؤسف جداً أن ترى كثيراً من أبناء الضاد من تخلّى  عن دراسة لغته الأم أو تقاعس في اكتساب علومها، مفضلاً التحدث بلغة أجنبية متباهياً أمام الناس أنه يتقنها أكثر من اتقانه للغته الأم، وكأن لغة الآباء والأجداد أصبحت عبئاً عليه أو عاراً يخجل منه أمام زملائه ومعارفه، حتى إن معظم الشباب باتوا يتحدثون اللغة العربية ممزوجة بالإنجليزية أو الفرنسية بحجة التفرنج ومجاراة العصر، وكأن الألفاظ العربية مقصرة في أداء المدلول الذي يريدونه، أو كأنها عاجزة عن التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وهم في ذلك مخطئون أو بالأحرى جاهلون..
يقول أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه «فقه اللغة وسر العربية»: «أما بعد حمد  الله على آلائه، والصلاة والسلام على محمد وآله، فإن مَنْ أحبّ الله، أحبّ رسوله المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، ومَنْ أحبّ النبيّ العربيّ أحبّ العرب، ومَنْ أحبّ العرب، أحبّ اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب، على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ العربية عني بها وثابر عليها، وصرف همته إليها».
فما بال الشباب اليوم، من الجنسين، يتحدثون طيلة النهار على «الفايسبوك» بلغة عامية وبحروف أجنبية أو باستعمال لغة «الفرانكو أراب» فلا هي لغة انجليزية ولا هي لغة عربية، ضاربين باللغة العربية وأحكامها وقواعدها وأصولها عرض الحائط، سواء في كتاباتهم أو قراءاتهم أو أحاديثهم، حتى ضاعت اللغة العربية بشكل شبه كامل على شفاه العرب ايذاناً باختفاء العروبة من نفوسهم وبالتالي اختفاء الإسلام من حياتهم لأنه لغة القرآن الناطق باللغة العربية.
إنه لمن المخزي والمعيب أن نرى شريحة كبرى من شبابنا وفتياتنا يتخرجون من كليات الآداب والحقوق والتجارة والعلوم الإنسانية وغيرها، وهم لا يتقنون لغتهم العربية ولا يفقهون قواعدها، الأمر الذي يجعلهم يتعثرون أثناء مزاولتهم لأعمالهم المهنية من تدريس أو إلقاء محاضرات، أو القيام بالمرافعات أمام المحاكم، أو في كتابة  الرسائل المصرفية أو اذاعة نشرات الأخبار، أو غير ذلك من الأعمال الأخرى..
واللغة العربية، بمجمل قواعدها وأصولها النحوية، مأخوذة من القرآن الكريم، الكتاب الإلهي المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أراد دراسة اللغة على  نهجها الصحيح فعليه بالقرآن الكريم ودراسة آياته دراسة معمّقة، ففيه علوم اللغة برمّتها من بيانٍ ومعانٍ وبديع ومجمل البلاغة والفصاحة والصرف والنحو وغير ذلك.
والمؤسف أنك ترى جميع شعوب الأرض يحترمون لغاتهم ويقدسونها ولا يرضون عنها بديلاً، أما شباب أمتنا فانهم يتعيّرون بلغتهم ويستبدلونها بلغات أخرى.
يقول الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدته الشهيرة «اللغة العربية تتحدث عن نفسها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
وسعت كتاب الله لفظاً وآيةً
وما ضقت عن آي به وعظات
أنا البحر في أحشائه الدرُّ كامنٌ
فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي
فلا تكلوني للزمان فإنني
أخاف عليكم أن تحين وفاتي!

فإذا كان حافظ إبراهيم يتخوف على اللغة العربية من الوفاة منذ أكثر من مائة سنة إلا قليلاً، فما تراه يقول اليوم في لغتنا العربية التي تكاد تنقرض لو أنه ما زال حياً؟!


اللواء