|

مجمع عربي للتربية
أ. عزيزة المانع
من حين لآخر نسمع حولنا من ينسب ما يعيشه عالمنا العربي من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مصدر واحد هو برامج التربية التي يقدمها العالم العربي لأبنائه، فالبعض يرى أن البلاد العربية جميعها بلا استثناء تعيش أزمة تربوية هي السبب الأكبر والأعظم لما هي غارقة فيه من شقاء ومآس لا تكاد تنقطع، وأصحاب هذا الرأي يؤكدون أن أوضاع العرب ستتغير من جدب إلى خصب، ومن شقاء إلى نعيم متى استطاعوا القضاء على تلك الأزمة وتمكنوا من السيطرة عليها.
وسواء كانت وجهة النظر هذه صادقة في مجملها أو لم تكن، لا أحد يختلف حول أهمية إصلاح التعليم في بناء المجتمعات ورقيها ورفاهيتها، لكن إصلاح التعليم مثله مثل أي خلل آخر ــ لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن هناك تشخيص جيد وواضح لما يعاني منه من أمراض وعلل.
وما يحدث الآن هو أنه تقريبا لا أحد راضيا عن التعليم، ولكن في الوقت نفسه كل يشخص الداء حسب ظنونه، فمنهم من ينتقد التعليم لكونه لا يزال يعتمد على مبان مدرسية مستأجرة، ومنهم من ينتقده لغياب التقنية عنه فهو خلو من أجهزة الآي باد والسبورات الذكية وغيرها من أدوات تقنية التعليم الحديثة. ومنهم من ينتقده لأنه يتمحور في طرق التدريس على حفظ ما بداخل الكتاب وعدم الاعتناء بالقدر الكافي باللغة الانجليزية أو تدريس العلوم العصرية بما يؤهل الطلاب للحياة المعاصرة.
انتقادات متنوعة وهي غالبا لا تمثل سوى انطباعات عامة من أولئك المنتقدين، يتحدثون عن الظاهر لكنهم لا يمسون الباطن، فباطن التعليم الذي هو سبب الأزمة التربوية يشكو من (التوهان) فالتعليم في العالم العربي كله يعيش حالة من التخبط والضياع حيث لا نظرية تربوية يتبعها ويسير في ضوئها مخططا لأهدافه وأساليبه. وغياب النظرية التربوية الأصيلة عن التعليم، يدل على غياب الفكر التأملي عن ثقافتنا التربوية بصورة عامة وهذا ما يجعل تعليمنا تعليما هشا يسير على عمى لا يدري ماذا يريد ولا إلى أين يتجه، فمرة ينصرف إلى اقتباس البرامج الغربية بكاملها ليدرسها لأبنائه بما فيها من اغتراب لغوي وبيئي وثقافي، ومرة ينصرف إلى ماض بعيد يسعى إلى إحياء ما كان فيه من اشكال التعليم وإيجاد مكان لها في الحياة العصرية.
ولعله من المفيد إنشاء مجمع عربي للتربية على غرار مجامع اللغة العربية والفقه الاسلامي، كي يتولى دراسة المعضلات الكبرى في التربية وفي مقدمتها العمل على تأسيس نظرية تربوية إسلامية موحدة تكون منارة يهتدي بها المعنيون بالتربية في كل البلاد العربية، توضح أهداف التربية ونوع المخرجات التي يطمح التعليم الى تقديمها إضافة إلى دراسة بعض القضايا التربوية الأخرى التي ترتبط بقضايا فلسفية تتعلق بجدليات فكرية مثل إشكالية الحرية في التعليم كإطلاق حرية الفكر والبحث والتعبير ونوع المخرجات التي نطمح أن يمدنا التعليم بها، وكذلك دراسة المشكلات التربوية المستجدة كمشكلة الاختلاف في ترجمة المصطلحات التربوية وعدم توحيدها وما شابه ذلك.
عكاظ
|
|
|
|