هل اللغة العربية في خطر

د. يعقوب أحمد الشراح

انعقد المؤتمر الدولي الثاني للغة العربية في دبي تحت رعاية نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس الوزراء وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد في الفترة من 7-10/ مايو 2013، شاركنا كما شارك العشرات من الباحثين والمهتمين في الشأن اللغوي من أجل تدارس واقع اللغة العربية في العالم العربي وما تواجه هذه اللغة من تحديات وصعوبات تشكل مخاطر على أهلها في الإقليم. وفي هذا الصدد لا بد من تسجيل الإعجاب باهتمام رجل الدولة الشيخ/ محمد بن راشد وغيرته على هذه اللغة من خلال إدراكه لحجم التحديات التي تواجهها في عالم يتسابق على الريادة في شتى الميادين ومنها ميدان اللغة التي هي أداة لنشر الثقافة والمعرفة وتقدم الدولة...
إن عقد هذا المؤتمر في دبي والبحث في مختلف جوانب اللغة العربية دليل على مكانة الدور التي تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة في المجالات الثقافية المختلفة وخاصة العناية باللغة العربية، حيث تمت مناقشة أكثر من (60) بحثاً تناولت مختلف مشكلات اللغة العربية.
والسؤال: هل فعلاً اللغة العربية في خطر؟ لقد كتبت مثل غيري أكثر من مرة أن واقعنا في تعليم أبنائنا اللغة العربية لا يتساوى مع طموحاتنا وتطلعاتنا في أن تكون اللغة الأم هي الأساس في علاقاتنا وتواصلنا، وفي أبحاثنا وإبداعاتنا. هناك الكثير من المشكلات التي تواجه لغتنا تشكل تحديات لا يمكن تفاديها أو تجاهلها في دول تريد سيطرة لغاتها على لغات أخرى.. فمن هذه التحديات وربما أهمها سيادة اللغات الأجنبية، واللهجات العامية، والتأثيرات الإعلامية، وغياب مؤسسات حماية اللغة الوطنية، وضعف دور مؤسسات التعليم تجاه تحمل مسؤولية تعزيز قدرات الطلبة من اللغة الوطنية، وخلق البيئة السليمة لتمكين الطلبة من لغتهم بالشكل الصحيح وغيرها...
أعود إلى السؤال عن اللغة العربية إذا كانت حقيقة في خطر فأقول إن اللغة ذاتها ليست في خطر، وإنما الإنسان العربي هو الذي يواجه الخطر انطلاقاً من أن اللغة العربية كانت لغة العلم والثقافة والسياسة والاقتصاد والطب والصناعة نحو ألف عام من التاريخ، ولأسباب عديدة ليس هنا المجال للخوض فيها تراجعت عن قدرتها أمام اللغات الأجنبية واللهجات العامية في أجواء مملوءة بالخلافات السياسية والتفكك الاجتماعي والصراع على المال والقوة لدرجة أن هذه المآسي ساهمت في انطفاء جذوة الإبداع والإنتاج، وفقدان الدافعية تجاه البناء ومواجهة الصعوبات والاعتماد على أطراف تقدم لنا المعرفة والإنتاج جاهزة مجهزة..
إننا لا ننكر أن اللغات الأجنبية ازدهرت مع بداية القرن العشرين بظهور الثورات الصناعية وتطور الاكتشافات العلمية والتكنولوجية والتي غزت العالم، وخصوصا الدول النامية التي وجدت نفسها أمام غزو ثقافي وفكري يستلزم التكيف حتى لو اضطرت التخلي عن لغاتها وأحلامها. فهذه الثورات الصناعية والعلمية والمعلوماتية جعلت اللغة هي الأداة الحقيقية لهذه الثورات، وخاصة الإنكليزية التي تعتبر ذات قيمة كبرى في التواصل ونقل التكنولوجيا وحركة التأليف والترجمة والبحث. ولقد ترتب على ذلك تهميش اللغات الوطنية للشعوب النامية، والتأثير في اتجاهاتها نحو لغة الأقوياء لأنها السبيل في نظرهم إلى التحضر والحصول على الشغل والتقدم ورغد العيش...
لا شك أن تقليد القوي والانبهار بمعطياته ينطبق عليه كلام ابن خلدون «إن المغلوب مولع ابدأ بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وتحليه وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه». لهذا فنحن لا نقول أن حال اللغة العربية ليس سيئاً بالمعنى الدلالي أو المفهومي، ولكن حالنا أكثر سوءاً لأننا ما زلنا نهمل لغتنا ولاندير لها بالاً واهتماماً يجعلها كما كانت لغة الأقوياء، فكيف تكون اللغة العربية شأنها شأن اللغات الأجنبية القوية بينما أهل هذه اللغة لايريدون تحمل مسؤوليات حماية لغتهم وتنميتها؟ ثم هل شاهدنا الإنكليز أو الفرنسيين أو الألمان أو اليابانيين والصينيين وغيرهم يتحدثون عن طريق خلط أو تهجين لغتين في آن واحد كما يتقنه بعضنا من أجل إظهار حجم انبهارنا وتقليدنا واقتدائنا بالآخرين؟ المحصلة يا سادة أن أبناءنا لايعرفون لغتهم مثلما لا يعرفون لغات أقوام أخرى لأننا، مع الأسف، ننظر للغات الأخرى على أنها التحضر وأن لغتنا العربية هي التخلف!!!

الراي