حزن اللغة العربية والتباهي باللغة الأجنبية

د. ناصر عبد الرحمن الفرا

اللغة العربية، زينة اللغات وبهجة لفظ لسان الأعراب، تعاني وبشدة، انها في في حالة حزن لا مثيل له. منذ سنوات وهي في حالة يرثى لها وتنتظر من يواسيها ويرفع عنها كربتها. منذ أن بدأ ينطق بها حرفياً وتكتب بدون همزة ولا فتحة، بدون نقطة أو كسرة، وحتى قمة مجدها، حين اختارها الله لغة اخر الكتب السماوية المقدسة واحتمال كونها، حسب ظاهر النص، لغة الخطاب بين الخالق والمخلوق، لم تواجه هذه اللغة المحنة التي تواجها حالياً. منذ حينها وهي تشعر كما وكأنها جالسة على مائدة أيتام، بدون رعاية او دعم أو حماية، رغم أن بين الحين والآخر هنالك من يشفق عليها ويبادر ويتضامن معها من خلال المؤتمرات والندوات ويحاول تقديمها بأبدع وأدق الطرق. وهنالك من يتمني أن يمسح عنها غبار العاهات التي ألمت بها وأن تستعيد عافيتها، مجدها وتألقها بأسرع وقت، لكي يعاد وينطق بها بفخر وعزة.
مختلف العاهات التي أصابت لغة العرب ليست ناتجة عن أمراض مزمنة مرتبطة بخلل أصاب بعضا أو جزءا من هياكلها الداخلية، ولا عن ارهاق ناتج من كثرة استخدام المعاني والمصطلحات التي تحتويها، من هذه الناحية هي والحمد لله مازالت مثل الكعبة، لها رب يحميها، وإن ما اصابها من عناء ناتج عن أوبئة خارجية فشت بجسدها من أقرب الناس، أبناءها وبناتها، خاصة أولئك الذين تعلموا لغات اخرى، وبالتحديد الإنكليزية والفرنسية. فعلاً لغة العرب بريئة من كل ما اصابها من ألم ووباء. وللعلم، معاناتها غير ناتجة ولا تكمن في اكتساب هؤلاء لغة مساوية أو منافسة لها. بالعكس، مثل ذلك في غاية الأهمية ويحفز القيام به في مختلف المجتمعات، الثقافات والديانات، بل وتفرضه يومياً زيادة وتيرة العلاقات المتبادلة والمفتوحة بين مختلف شعوب العالم.
في الواقع المشكلة تكمن في المواطن الناطق بها، الذي يتكبر ويتباهى أمام الغير من خلال استخدامه لغة أخرى أو بعض المصطلحات المقتبسة من لغات أخرى. يفعل ذلك من منطلق التباهي أمام الغير أو مقارنة بالغير. مثل هذا الاعتقاد أكثر من سطحي وزائف، فحقيقة الارتقاء تكمن قبل كل شيء في التمسك والحرص على استعمال اللغة الأم، وما يأتي بعد ذلك متاح ومباح. النقد هنا غير موجه لأولئك الذين يستخدمون اللغة الأجنبية أو كثيرا من كلماتها لكي يتحدثوا مع من لا يفقه لغتهم، أو اولئك الذي يعيشون خارج بلادهم منذ حقب أو من يستخدمون كلمات ليس لها ما يوازيها بقواميس اللغة الأصلية، وإنما لأولئك الذين يصرون عن قصد التحادث بلغة غير الأصلية بينهم أو أمام غيرهم. مثل هذا السلوك يلفت الانتباه وكثيرا من الدهشة والاستغراب، حتى بين الأجانب. في العادة هؤلاء لا يعتبرون ان من يتحدث مع ابن بلده بلغتهم شخصا ذا مرتبة أو مستوى عال أو أرقى من غيره، بل في عمق ذاتهم يعتبرون ذلك نوعا من التعالي الشكلي الناتج، على ما يبدو، عن الخجل والرغبة في التخلي عن كافة معايير الأصالة الثقافية، واللغة أسماها. الحفاظ على اللغة الأصلية يعني الحفاظ على أحد أهم وسائل التعبير الوجداني لمجتمع ما، وهي دليل واضح للتماسك العام والثقة الذاتية.
هنالك من هم على دراية بأن سمات الارتقاء لا تتجسد في اختيار لغة تخاطب معينة أو في استخدام لغة بحد ذاتها من أجل خلق مسافة أو رفع حاجز فاصل بينه وبين غيره، وإنما في مُجمل القيم وفحوى الخطاب، بمعنى أن القضية ليست مرتبطة اساساً بشكل التعبير بقدر ما هي مرتبطة بعمق ومنطق الفكر والضمير. هكذا يعتقد الأجنبي في علاقته مع لغته ومجتمعه، وبالتالي مع الغير. وعلى هذا الاساس يتصرف ويحكم على ما يشاهده من قول أو فعل. بالنسبة له، عكس ذلك يدخل ضمن نطاق اللامنطق والشكليات السطحية. ويعتقد بأن من يقع ضمن هذا الإطار يقع لأنه يغفل، أو يريد أن يغفل، بأن الارتقاء يكمن أساساً في التوازن العقلي والشخصي وفي أساليب التعامل البعيدة عن التأرجح بين اللغات المختلفة وعن استخدامها من أجل الاستعلاء والتكبر على الغير.
في ما يتعلق بالأجانب المقيمين بديار العرب، نادراً ما تراهم يتحادثون بينهم بلغة غير لغتهم الأصلية، بل أحياناً يصممون على فعل ذلك أمام الغير وفي ما بينهم حتى لو كانوا يجيدون لغة البلدان المقيمين فيها. يتصرفون بهذا الشكل بدون أن يعتقدوا بأن ذلك سوف يزيدهم أو يفقدهم قدرا من (البرستيج) الشخصي. ورغم أن كثيراً منهم يعشق تعلم لغة جديدة، لكن دوماً يتمسكون بنفس (الستايل) داخل وخارج وطنهم. في حين أن العربي (يتشنج) بين الحين والاخر في علاقته مع ابن وطنه. يغير الكلمات واللغات فلا يعرف في النهاية من يحادثه بأي لغة يتفاهم معه. طبعاً يفعل ذلك لكي يبدو أكثر (مودرن) مقارنة بالغير وفي تعامله مع الآخرين. فعلاً التغيير المستمر في اساليب التعبير أصبحت من الظواهر الاجتماعية السيئة شبه العامة، لدرجة أحياناً لا تعرف هل ان من تتعامل معه هو (أرابيك) أم مستعرب. مثل ذلك ليس رمز زيادة في الوعي أو التحضر، بل هو مشكلة مرتبطة بالتمايز السطحي وخلل في الانتماء الثقافي- العرقي، وباطنياً هو رفض للذات من خلال رفض لسان حالها.
التشبث باللغة الأصلية أمر في غاية الضرورة، لما لذلك من مردود اجتماعي، سياسي، اقتصادي، ثقافي وديني إيجابي، يوزاي في الأهمية مردود وفائدة تعلـــم لغة أخرى، خاصة في مجتمعات ذات كثافة سكانية أجنبية عالية، كما يحصل حالياً في دول الخليج العربي. عندما يلاحظ الوافد أن مستوى انتماء أبناء هذه البلدان للغتهم، وبالتالي لثقافتهم وقيمهم ثابتة، يصبح انتماؤه وتقديره لهذا البلد وأهله متوازنا. والعكس صحيح، إذا حدث تلاعب في هذا التقدير الخاص، أمام هذه الحال، من المجدي وضع آليات تحد من عملية التفلسف الزائد باللغة الأجنبية وزيادة قدر التوعية عند المنتمين للغة العربية، ليكون هؤلاء على معرفة تامة بأن لغتهم هي قبل وبعد كل شيء رمز فخرهم، ثراء فكرهم وحاضنة وحدتهم الوطنية والقومية.
في هذا المضمار، صديقي الصحافي والشاعر سعيد العلمي قام بمبادرة شخصية تستحق الذكر والثناء، وهو الطلب المباشر من كافة أصدقائه وأقاربه التحادث والتدوين في صفحته الكترونية فقط باللغة العربية والتوقف تماماً عن استخدام أي لغة أخرى. مثل هذه المبادرة وكل مبــادرة مماثلة ورافضة لأي عملية ‘تفصحن’ و’تفشخر’ بلغة ثانية يجب أن تعمم بين عشاق لغة الضاد. بهذا الشكل يمكن أن يساهم الجميع في وضع الأمور في نصابها الصحيح، وبالتالي، إعادة البسمة من جديد إلى لغتنا العربية.

القدس