|

أهل الصومال وكتابة اللغة العربية – حديث ذو شقين - 1
د. محمد حسين معلم
لا أريد هنا أن أتناول تاريخ اللغة العربية وأدوارها في بلاد الصومال. وقد قُتل بحثا تقريبا في هذا المجال عند كثير من الباحثيين الصوماليين وغيرهم. ولكننا نريد أن نشير إلى أن اللغة العربية لم تكن غريبة ولادخيلة في بلاد الصومال في العصور الحديثة، بل كانت العربية متواجدة في محافل كثيرة قبل ذلك، فمثلا كانت العربية مرتبطة بحركة التعليم ارتباطا وثيقا منذ فجر الإسلام ووصوله إلى المنطقة بحيث صاحبت العربية انتشار الإسلام، بدءا بالكتاتيب – أو ما يسمى عند أهل الصومال “دكسي” – أولى مراحل هذا النوع من التعليم، حيث يتعلم الطفل أول الأمر حروف الهجاء العربية ثم يتدرج في حفظ القرآن الكريم إلى أن يصير مهيأ للالتحاق في حلقات دراسة العلوم العربية والشريعة الإسلامية في المساجد وأروقة العلم، وكان يتولى هذه الحلقات علماء كانوا حجة في هذه العلوم والتخصصات قد برعوا في اللغة العربية وآدابها وقوانينها المتعددة.
وهذا ليس معناه أنّه حصل تعريب في المجتمع الصومالي من حيث اللغة على غرار ما حصل في بعض المجتمعات كمصر وشمال إفريقيا، رغم انتشار العربية في بلاد الصومال.
وأمّا إذا حاولنا أن نضرب أدلة تبين ما ذكرنا سابقا في أقدمية العربية في البلاد، نستطيع أن نجد أمثلة عديدة، بحيث كان أهل الصومال يستعملون العربية في مجالات متعددة. ومن هذه المجالات:
مجال القضاء وفصل الخطاب، بحكم أن الذين يتولون القضاء كانوا علماء بعلوم الشريعة وأصول الدين الإسلامي. ومجال القضاء وما كان يتعلق به كانت العربية رائدة في الميدان، إذ لم تكن تستخدم لدى المحاكم الشرعية غير العربية في عملية فصل الخصومات ومجال القضاء وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى أن الوثائق كانت تحرر فقط باللغة العربية.
وعملية التجارة كانت أيضا مقصورى على اللغة العربية في مجالات البيع والشراء والعقود التجارية، بل كل ما له علاقة بالاقتصاد والتجارة ، وكذا كتابة الاتصالات والمعاملات التجارية. وفي مجال المراسلات بأنواعها المختلفة كانت العربية هي السائدة وكانت أيضا لغة تدوين العقود المبرمة وتحري بالسجل التجاري وتصنيف البضائع وأسعارها.
وحتى في النشاط البحري كانت العربية تلعب دورا مهما بحكم مجاورة الصومال بالجزيرة العربية التي كان أهلها بارعين في المجال البحري سيما جنوب الجزيرة من أهل اليمن وعمان.
وقد وضع هؤلاء مصنفات ودلائل في العلوم البحرية، وكان لهم السبق في كثير من الأحوال في بعض المجالات البحرية، وخاصة في البحر الأحمر والمتوسط والمحيط الهندي.
وأهل الصومال تأثروا في هذا الأمر بالعرب حتى برعوا في العلوم البحرية ، مما جعلهم يعطون النصح والإرشاد حول الملاحة للسفن الإفريقية والفارسية والعربية وغيرها في المجالات الجوية والعواصف البحرية والرياح الموسمية في المنطقة وتحديد الإتجاه.
ولكي نوضح أن اللغة العربية قديمة في الصومال غير حديثة، بل وكانت نشطة وحية في كثير من مجالات الحياة ، ينبيغي أن نشير إلى أن المجال الطبي كان له علاقة عميقة في ذلك، بحيث أن الطب وما يتعلق به من علوم ومعارف لاسيما الطب التقليدي أو البلدي وما يعرف بالطب الشعبي كان مرتبطا أيضا بالعربية، بحيث كان الأطباء يستعملون الأسماء العربية في الأمراض وفي الأدوية معتمدين في ذلك على كتب الطب الإسلامي.
وقد ذكرنا أكثر من مناسبة أن استخدام اللغة العربية في الصومال برز في أوساط العلماء والمثقفين، وهذا ليس معناه بأن العربية كانت غريبة في أوساط العامة. صحيح أن اللغة العربية وآدابها كانت منحصرة في أوساط المبدعين والمثقفين، ولم يكن مثل هؤلاء أعداد هائلة، فإنما كانوا يعتبرون أقلية إذا أعطينا الاعتبار الجماهير وعامة الناس. وقد كان قطاع لا يستهان به يستخدمون العربية في المجالات العادية مثل الخطابات المتبادلة سواء في داخل القطر الصومالي وخارجه، وكانت بالطبع تكتب باللغة العربية ،كما كان يفعل ذلك السلاطين والزعماء من أهل البلد من خلال الرسائل التي كانوا يبعثون بها إلى سلاطين الأقطار العربية.
وبمجرد اطلاعنا على تلك الوثائق والاتفاقيات المبرمة بين قادة الأمة الصومالية وبين الاستعمار الأروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا نجد وثيقة كتبت بغير اللغة العربية، بحيث أصر الطرفان على أن تكون اللغة العربية هي المستخدمة في هذا المجال.[1]
وأن النشاط العادي أحيانا كثيرة كان يتم باللغة العربية، سبب فقدان لغة أخري في الميدان، لأن اللغة الصومالية المحلية لم تكن قد كتبت بعدُ، بل كانت لغة شفهية لا لغة مستخدمة في الكتابة، كما هو معلوم.
ولما جاء الاستعمار ولاحظ مكانة اللغة العربية في المجتمع الصومالي رأى بأن ذلك خطر على مخططاته، ومن ثم شرع في سبيل إضعافها، بل وتشجيع غيرها لتحل مكانها. ومن هنا مرت العربية في الصومال فيما بعد بفترات فيها لمحاولات الإزاحة وتقليص دورها، وذلك خلال عهد الاستعمار الذي فرض سيطرته على جميع مجالات الحياة. واستطاع إدخال الصومال في نمط التعليم المنظم الذي كانت بالطبع الدراسة فيه بلغة المستعمر. مما نتج عنه أن تضعف العربية، وبل وبروز غيرها في الساحة الثقافية الصومالية، والتي كان يساندها المستعمر ماديا ومعنويا. وليس من المستغرب أن تفقد العربية بريقها ورونقها وبعض عوامل تطورها نتيجة تلك المزاحمة والصراع القوي دون قوة تساندها.[2]
ورغم ذلك كله استمرت العربية تحافظ على ريادتها وتفوقها في الميدان بسبب الأنشطة الثقافية التي لم تكن تهدأ لحظة من اللحظات من القاع إلى القمة ، أي من أربطة الكتاتيب إلى مراكز العلم وأروقتة الثقافية.
وحتى عند المحاولات الرامية لكتابة اللغة الصومالية كانت تتجه بعضها إلى كتابتها بالحروف العربية، فضلا عن تلك النداءات والمحاولات والنداءات القوية الأخرى التي كانت ترمى إلى اختيار اللغة العربية للصومال كلغة رسمية كتابة وتحدثا، مثلها مثل البلدان والشعوب العربية الأخرى.
الشاهد
|
|
|
|