أهل الصومال وكتابة اللغة العربية – حديث ذو شقين - 3

د. محمد حسين معلم

على الرغم من أن اللغة العربية في الصومال قد حظيت مستوى رفيعاً وأحرزت شوطاً كبيراً – كما أسلفنا في الحلقات السابقة – إلا أنها كانت محصورة في أوساط المثقفين والعلماء والتجار دون العامة ، رغم تردد الجماعات العربية على الصومال من خلال التبادل الثقافي والتجاري بين الجانبين في العصور ما قبل ظهور الإسلام وبعده ، وما حصل بينهم من الاختلاط والتصاهر والارتباط منذ فجر التاريخ ، وذلك لسهول الاتصال البحري ، خلافاً لما حدث في أغلب الشعوب التي اعتنقت بعقيدة الإسلام في العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا وغيرها ، والتي استطاعت الامتزاج والانصهار في بوتقة العروبة والإسلام معاً نتيجة عدة عوامل منها الموجات البشرية والقبائل العربية من الجزيرة العربية والعراق والشام إلى أوطان تلك الشعوب مثل الآثار التي نتجت عنها هجرة قبائل بني هلال وبني سليم إلى شمال إفريقيا من المغرب العربي ومصر وغير ذلك من الهجرات .

أما بلاد الصومال فعلى الرغم من الهجرات العربية إليها والاستيطان العربي القديم فيها لاسيما في المناطق الساحلية ، ومن ثم ظهور جاليات عربية كبيرة في تعدادها في عدة مراكز إلا أن تلك الهجرات والنزوح لم تكن منتظمة ، كما لم تحصل هجرة قبائل معينة بكاملها ، بل كان هجرة جماعات صغيرة جداً[2]، لا تصل إلى مستوى الهجرات العربية في المناطق الأخرى من القارة ، وبعد استقرار هؤلاء في الساحل الشرقي الإفريقي بدأ عهد جديد في تأفرق العرب إثر انصهارهم مع الأفارقة وخاصة الصوماليين منهم[3]، وبالتالي جاءت النتيجة أن تصومل هؤلاء العرب وانصهروا في الشعب الصومالي، رغم أنهم في البداية أرادوا أن يحتفظوا بأساليب معيشتهم التقليدية إلى حد ما.[4]

ولعله قد ساعد على ذلك أن أغلب العرب المهاجرين لم يأخذوا معهم زوجاتهم وذراريهم ، والبعض الآخر كانوا عزاباً غير متزوجين ، فتصاهروا جميعاً مع السكان ، واستقروا بصورة دائمة ، حتى تعلموا اللغات المحلية[5]، ومن ضمن النساء اللواتي تزوجن المهاجرين نساء قبائل وزعامات كبيرة في المجتمع الصومالي ، مما كان له أثره الاجتماعي في عملية الانصهار والاختلاط ، وأصبح من الصعب عملية محافظة الدم العربي الخالص ، إذ سرعان ما ظهرت طبقة مولدة جديدة ذات حسب ونسب وجاه وسلطان لها وجاهتها واحترامها في المجتمع ، وإن كانت هذه الظاهرة لها نتيجة إيجابية لانتشار الإسلام وقبوله وسرعة رسوخه في المنطقة برمتها.[6]

والمجموعات العربية التي وصلت إلى الصومال وبالذات تلك التي نزلت في مقديشو وسكنت في حي حمروين تزوجوا من أهل السكان واختلطوا بهم ، بل وتبعوهم في لغتهم وبعض عاداتهم وتقاليدهم، أما الذين سكنوا في حي شنغاني من مقديشو فتكونت بينهم لغة ممزوجة بين لغة أهل حمروين واللغة العربية ، هكذا كان حال المهاجرين العرب الآخرين الذين استوطنوا في المدن الساحلية والأخرى مثل مركة وبرواه وملحقاتها.[7]

ولعلّ هناك عاملا آخر أعاق إمكانية التعريب الكامل والكلي في الصومال وهو أن الروّاد العرب الأوائل الذين حملوا شمعة الإسلام والعروبة في منطقة الشرق الإفريقي عموماً والصومال خصوصاً لم يستطيعوا تعريب شعوب تلك المناطق من حيث اللغة رغم دخولهم في الإسلام ، حيث لم ينجحوا في نشر لغة العروبة بين جميع أوساط المجتمع لتحل محل لغتهم، لأن أغلب الرواد الأوائل كانوا من العلماء وبالتالي كان هدفهم الأسمى ينصبُّ على نشر الإسلام بين الأمة وطرح مبادئه لهم ، والحق أنهم استطاعوا سرعة تحقيق هدفهم وهو نشر الدين الإسلامي ، وهو هدف نبيل بداية ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ، ولأجله قامت السماوات والأرض ، ومن هنا فلا عجب أن أظهر بعض الكتاب إعجابهم بسرعة تأثر الصوماليين بالدعوة الإسلامية[8]، في حين أهملوا الجانب الثقافي وأولها اللغة والتعريب بين أفراد الشعب،[9] ومن المحتمل أن عدم شمل حركة الفتوح الإسلامي إلى بلاد الصومال واستقرار الجيوش المسلمة وأغلبها من العرب ربما جاء كنتيجة سلبية في ما سبق ، لأنه من المعروف أن الفتوحات الإسلامية كان يحمل في طياتها جوهر الإسلام وثقافته ، وأن استقرار المجاهدين مع أسرهم يؤدي إلى تأثير السكان الأصليين فكراً وثقافةً ، إضافة إلى أن الصومال لم تكن تقع بين طرق الحج الذي كان له أثره الديني والاقتصادي والثقافي ، مما جعل الصومال منعزلة عن جسم الخلافة الإسلامية المترامية الأطراف عبر عصورها المختلفة إذا ما قيس بالأمصار المفتوحة في المشرق والمغرب .

الشاهد