في يوم لغة الضاد

أ. عمرالأنصاري

 في التنزيل: أنزلناه بلسان عربي مبين". في الأثر: إن من البيان لسحرا.

وفي بيت منسوب للإمام علي، لا تتحرك بقراءته الشفتان:

قطعنا على قطع القطا قطع ليلة

سراعا على الخيل العتاق اللاحقي

وللمتنبي يرثي أخت سيف الدولة:

فليت طالعة الشمسين غائبة

وليت غائبة الشمسين لم تغب

وليت عين التي آب النهار بها

فداء عين التي غابت ولم تؤب

ما سبق بلا ريب، درر من اللسان العربي المبين الذي أوتي من الطلاوة والحلاوة ما عجزت عنه الألسن، هذا اللسان الذي كان أول إعجاز له، أنه لم يولد في ويترعرع أو يتطور وسط حضارة ما، مثل غيره من الألسن التي احتاجت إلى قرون لتولد وسط حضارات اشغلت الدنيا حينا.

يقول المستشرق الفرنسي رينان :

"من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها، ولم يُعرف لها في كلّ أطوار حياتها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ، ولا نكاد نعلم من شأنها إلاّ فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى ولا نعرف شبيهاً بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملةً من غير تدرّج وبقيت حافظةً لكيانها من كلّ شائبة".

و قالت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة: "كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمالَ هذه اللغة ومنطقَها السليم وسحرَها الفريد ؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة ، فلقد اندفع الناس الذين بقوا على دينهم في هذا التيار يتكلمون اللغة العربية بشغفٍ، حتى إن اللغة القبطية مثلاً ماتت تماماً ، بل إن اللغة الآرامية لغة المسيح قد تخلّت إلى الأبد عن مركزها لتحتلّ مكانها لغة محمد".

هل نعرف لغتنا حقا؟ هل نحتفي أو نحفل بها؟ أم أننا بدعوى التقدم خلفناها وراءنا لنستبدلها بعجمة، لدرجة أضحى فيها البعض يدعو منذ زمن لاستبدالها باللهجات المحلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. هربا من لسان يغبطنا عليه أهل الدراية.

ويقينا نعرف أن البعض مصاب بالإحباط جراء ما اقتنع به الكثيرون من دعوى صعوبة هذا اللسان، في نحوه وصرفه، إذ لا يرون أنه يمكن أن يكون في مقدورهم استيعاب ذلك، أو حتى الجدوى من فعل ذلك، ليكرس جهال الأدب مصطلح وأكذوبة "اللغة السهلة" بزعم عدم حمل الناس والكتابة لهم بلغة لا يفهمونها، وهو ما كرس سوء الإنتاج في الأدب، حتى أصبح إنتاجنا اليوم الأكثر اضمحلالا، لسوء الكتابة التي نصدر بها للناس.

ويقيني أن لغتنا لم تمت، لكنها لغة حية لشعوب تحتضر فكريا وثقافيا، وتفقد وجدانها شيئا فشيئا إن لم تتدارك نفسها عبر إعادة تأسيس مناهجها الدراسية التي باضمحلالها اضمحلت اللغة، هذه المناهج التي لا تؤسس لألسنة مستقيمة، ولا لقلوب مملوءة بالبيان.

فهل نستيقظ من قيلولتنا الطويلة، ونحتفي بلغة الضاد في يومها العالمي هذا، بتناول نصوصها الجميلة نثرا وشعرا، وإعادة قراءتها لإعادة تأسيس ذائقتنا قبل فوات الأوان.

سكاي نيوز