الحرب على الضاد حربٌ على الأمة

د. ياسر محجوب الحسين

 

هل اللغة مجرد تنظيم معين من الإشارات، لتأمين الاتصال بين الأفراد والجماعات؟ أم أنها أكثر من ذلك؟ نعم هي أكثر من ذلك، إذ هي نظام من العلامات الصوتية؛ ينشأ ويتطور مرتبطا بتاريخ الناطقين بها ويستخدم وسيلة للتواصل، ووسطا للتفكير ومجالاً للتعبير عن الأفكار والعواطف والمشاعر.. لم تكن اللغة مجرد ألفاظ صوتية، فالببغاء يطلق ألفاظا في محاكاته للإنسان، لكن الله تعالى، إلى جانب هذه الألفاظ الصوتية، زوّد الإنسان بالقدرة على استخدام هذه الأصوات باعتبارها إشارات تمثل المفاهيم الداخلية، وجعلها تمثل الأفكار للآخرين، وقادرة على نقل الأفكار من شخص إلى آخر. هذا بشأن اللغة؛ أي لغة بيد أن للغة العربية قيمة عالية وألقا خاصا، وما أثار الشجون ذلك الاحتفال الذي صادف يوم (18) ديسمبر الجاري وسمي باليوم العالمي للغة الضاد ويحتفل به كل عام في نفس التاريخ، وهو التاريخ الذي أقرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغة العمل في الأمم المتحدة. منذ العام 1945 لم تجد اللغة العربية مكاناً بين خمس لغات عالمية اعتبرتها الأمم المتحدة لغات حية وهي الإسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والفرنسية. لكن في العام 1973 تم إدراجها لتكون لغة سادسة بجانب تلك اللغات، بعد اقتراح تقدمت به كل من المغرب والسعودية. تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد المتحدثين باللغة العربية سيصل في 2050 إلى (9.3) مليار نسمة. ويقال إن العربية حاليا تحتل المرتبة الرابعة بعد الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، من حيث ترتيب اللغات في العالم.

إن الحرب على الأمم تبدأ بمحاربة اللغات الوطنية وقد كان ذلك ديدن القوى الاستعمارية في مختلف أنحاء العالم لأجل الوصول إلى محو هوية الشعوب وفصلها عن حضارتها وثقافتها التي تعمق من انتمائهم وتربط بين أفراد الجماعة. وذلك من خلال فرض استخدام لغة المستعمر أو لغة هجينة لتعميق الفصل بين أبناء الأمة الواحدة وخلق ثقافات جديدة متصارعة. وكانت اللغة العربية هدفا استراتيجيا للأعداء، فالقضاء عليها يعني القضاء على أداة الاتصال الرئيسية في العالم العربي والإسلامي.

 لغة الضاد كانت ولا تزال من أهم عناصر القومية، وأبرز أركانها ومقوماتها، تاريخاً وحاضراً. وبوصفها الوعاء الفكري والمستودع الحضاري للأمة العربية تعتبر من العناصر المهمة في تقوية الروابط القومية بين البلاد العربية حاضرا وتاريخا. محمود عباس العقاد يقول في كتابه "أشتات مجتمعات اللغة والأدب": (إن الحملة على اللغة في الأقطار الأخرى إنما هي حملة على لسانها أو على أدبها وثمرات تفكيرها على أبعد الاحتمال، ولكن الحملة على لغتنا نحن حملة على كل شيء يعنينا، وعلى كل تقليد من تقاليدنا الاجتماعية والدينية، وعلى اللسان والفكر والضمير في ضربة واحدة. وزوال اللغة العربية – لا سمح الله – لا يبقي للعربي أو المسلم قواما يميزه على سائر الأقوام ولا يعصمه أن يذوب في غِمار الأمم فلا تبقى له باقية من بيان ولا عرف ولا معرفة ولا إيمان).

 إن دعوات تحديث اللغة العربية هي دعوات خبيثة ظلت متواترة تُشكك في قدرة اللغة العربية على الاستيعاب وتوحي بعجزها عن التعبير والأداء، لتتوصل إلى أنه ينبغي أن يتعلم أبناء العرب في مؤسساتهم التعليمية بغير لغتهم. في سنة 1902م ألف قاضي محكمة الاستئناف الانجليزي (ولمور) في مصر كتابا أسماه "لغة القاهرة" ووضع فيه قواعد لتلك اللغة التي اقترحها لغة للعلم والأدب، واقترح كتابتها بالأحرف اللاتينية. فأنشد شاعر النيل حافظ إبراهيم غاضبا يقول:

وسـعـت كتاب الله لفظا وغاية ** وما ضقت عن آي به وعـظات

فكيف أضيق اليوم وصف آلة ** وتنسـيق أسمـاء المخـترعـات

أنا البحر في أحشائه الدُّر كامنٌ ** فهل سألوا الغواص عن صـدفاتي

كم عجبت لتقرير في قناة البي بي سي يروج إلى أن التواصل عبر الإنترنت يكون سهلا باستبدال الحروف العربية بالأرقام الانجليزية كأن تستبدل (الحاء) مثلاً بالرقم (7). وهي محاولة خبيثة تندرج في ذلك السياق الذي حذّر منه العالم الفذ محمود عباس العقاد. فما هي خطط مواجهة الحرب على (الضاد)؟

بوابة الشرق