لغتنا... الغريبة في أوطانها

أ. زينب حفني


هل ما زالت اللغة العربية تحظى باهتمام واسع كسابق عهودها، أم غدت "دقة قديمة" كما تُردد الأجيال الصاعدة؟! هل اللغة العربية لم تزل شامخة الرأس وتتصدّر المشهد الثقافي داخل أوطانها، أم أصبحت من ذكرى الأيام الخوالي كما ينظر إليها الشباب الجديد؟! هل اللغة العربية التي هي مؤشر أساسي على أصالتنا وهويتنا الدينيّة، قد أضحت في خبر كان، وخفت بريقها، وانطفأ شعاعها، وباتت مهددة بالانقراض مثل الكثير من اللغات التي لم يعد لها وجود في عصرنا؟! لماذا صار هناك شغف محموم بين أوساط الشباب العربي لتعلّم اللغات الأجنبية وعلى الأخص الإنجليزيّة والفرنسية على حساب لغة الضاد؟!

أنا من المتيمين باللغة العربية، وكثيراً ما سألتُ نفسي.. ما العوامل التي أدّت إلى عزوف الشباب عن تعلّم لغتهم الأم؟! هل يعود ذلك إلى جمودها، وعدم اهتمام الباحثين وعلماء اللغة، بتطويرها وتبسيطها لتناسب روح هذا الزمن سريع الوقع؟! هل لأننا أصبحنا أمّة متخلّفة فكريّاً واجتماعيّاً، وتباعاً لذلك تخلّفت لغتنا هي الأخرى من منطلق كل إناء بما فيه ينضح؟! هل السبب يعود إلى أننا نصرُّ طوال الوقت على التمسك بقشورها، رافضين بتعنّت تحقيق الموازنة المطلوبة بين اللغات العامية العربية المختلفة، وبين اللغة العربية الفصحى، مما خلق فجوة بين المجتمعات العربية، وأدّى إلى حدوث دجل واسع بالأوساط الثقافيّة حول قواعدها الأساسية؟!

العديد من الدول العربية احتفلت مؤخراً باليوم العالمي للغة العربية، الذي أقرّته المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو منذ عام 1973م، وقد قامت "آرابيا" التابعة لها بإقامة ندوات حول اللغة العربية بمقر اليونسكو، يدور محورها الرئيسي حول (دور الإعلام في تقوية أو إضعاف اللغة العربية)، وشارك فيها خبراء في حقل الإعلام، وباحثون في حق اللغة العربية.

في رأيي أن الندوات التي أقيمت لن تنتشل اللغة العربية من الورطة الواقعة فيها، وأن ما أقيم هنا وهناك من ندوات حولها مجرد حبر على ورق، سيذوب بمجرد أن تنفضَّ المجالس ويذهب كل فرد في حال سبيله! فالعاصفة الرملية التي تمر بها اللغة العربية، تحتاج إلى معالجة جذرية!

لو نظرنا بداية للإعلام العربي، سنجد بأنه ساهم في إفساد أسس اللغة العربية، من خلال التخاطب باللغة العامية! لماذا لا يستخدم الإعلاميون لغة عربية فصحى مبسّطة في إدارة حواراتهم السياسيّة أو الثقافية أو الدينيّة؟! لماذا لم يقم المجمع اللغوي بخطوات إيجابيّة لحد اليوم، في تقليص المسافة بين اللغة العربية الفصحى، وبين اللغات العربية العامية، حتّى يتقابل العرب بمنتصف الطريق؟!

الفرصة سانحة اليوم أمام اللغة العربية لاستعادة مكانتها التي سُلبت منها، من خلال فرض نفسها في مواقع التواصل الاجتماعي، التي نجحت في خلق تقارب بين كافة شعوب الأرض. إضافة إلى أن البرامج الثقافية والدينيّة عليها أن تُحي لغتها، بعمل دورات تعليميّة للمذيعين، ومطالبتهم بمخاطبة ضيوفهم وإدارة حواراتهم باللغة العربية. والأهم من هذا وذاك، المؤسسة التعليمية التي عليها دور كبير، في تلقين النشء الجديد قواعد اللغة العربية عبر مناهج مبسطة، حتّى يُقدم على تعلّمها بحب!

عدد من الروائيين هجروا بالسنوات الأخيرة اللغة العربية الفصحى، واتجهوا لكتابة أدبهم باللغة العامية، وقد حرصتُ في روايتيَّ الأخيرتين أن تكون لغة الحوار الدائرة بين شخوص رواياتي باللهجة الجداويّة الحجازيّة، حتّى يتلاحم قرّائي مع أبطالي، لكنني أتمسّك في كافة نتاجي الأدبي، أن أكتب لغة السرد بلغة عربيّة فصحى، وأشرف على تنقيح أحرفها بنفسي، لإيماني بأن لغتي الأم تستحق مني كل هذا العناء. إنها عشقي الأول والأخير!

الإتحاد