في مضمار اللغة العربية

د. إسحاق السعدي

لم تدخل اللغة العربية في جولة صراع مع غيرها إلا وانتهت الجولة بانتصارها وعلو شأنها على منافسيها، بفارق إنساني حضاري لصالحها، تسمو به وتعلو على خصومها من منظورٍ ذاتي وتاريخي.
ولا غرو، فاللغة العربية هي اللغة التي اجتباها الرحمن وشرفها، واختارها لغةً للقرآن الكريم، الذي هو خطاب الإسلام الدين الخاتم لجميع البشر، وكل موجودات العالم وتطوراتها، والمتمم للأديان والرسالات قاطبة...

وهاهي الأمم والشعوب في سلمها الحضاري تتوافر على اللغة العربية دراسةً وتوظيفاً؛ إدراكاً منهم بفاعليتها الحضارية، بعد أن اتجهت الدراسات والبحوث إلى النظام اللغوي في ضوء مكتشفات العلم، وبخاصة على صعيد الحقائق الفيزيائية، وتقدم الرؤية الثقافية وتماهيهما مع اللغة العربية في نظامها الكوني، ناهيك عما يسمى بالفجوة الرقمية وما تشي به اللغة العربية من تجاوز لهذه الأزمة في مدرجها الرياضي ومواكبتها الحاسوبية.
عمدت روسيا في الآونة الأخيرة لسك ألفاظ عربية لمسميات علمية، بالغة التقدم في المضمار العلمي..
وتخطو الصين خطوات واسعة نحو اللغة العربية، إذ تدرس اللغة العربية في ثلاثين جامعة من جامعاتها الأساس..
يحدث هذا، في وقتٍ ينتهج عقوق صارخ لهذه اللغة الماجدة الإنسانية الحضارية الرائدة، من ابنائها، في حين تعول عليهم كثيراً كثيراً في التشبث بمجدها، والاعتزاز بتاريخها ورفع راياتها في ساحات العلم والمعرفة والفكر والثقافة، ودعم تواجدها في حياتهم اليومية بما يرفع الرأس؛ اعتزازاً بها وتشرباً لآدابها وعشقاً لأرومتها وتاريخها ومستقبلها الواعد..
إنَّ ما يدعيه بعض الباحثين في اللغات والمجتمعات الإنسانية من أن قوة اللغة العربية في ذاتيتها الخاصة، لذلك فلا خوف عليها من التحديات والعداءات مهما كان حجمها؛ هذا صحيح وصحيح أيضاً أن ذلك كفيل بتحقيق انتصارها وحضورها، وريادتها وسيادتها في المحافل والمجامع والساحات، وأن لا خوف على مصيرها ومستقبلها، لكن الخوف على من يجافيها وينكص عنها ويرتمي في أبجديات اللغات الأخرى سفهاً أو صلفاً!!.
هو من يستحق -في الحقيقة- الشفقة والترحم؛ لأنه الخاسر الأول!
ليس أقل من كونه استبدل الأدنى بالذي هو خير!!
فكيف بمن ينطق باللهجات الدارجة بحروفٍ لاتينية!!
طبعاً قد يحدث ذلك بدون قصدٍ سيء، ويحدث استجابة لسهولة الاستعمال، أو تمشيةً للحال، أو بنوعٍ من البحث عن المختلف والغريب والمثير، ولكن لذلك سلبياته الفادحة التي تؤثر على الذائقة وتبلبل المنظومات اللغوية للفرد والمحيط الاجتماعي، في وقتٍ ربما كان قياسياً وربما أدركه الحانقون على اللغة الحاسدون لأمة الإسلام، وراهنوا عليه واهتبلوه كأسلوبٍ ووسيلة لما يتطلعون إليه، من هدم لمقوماتها الذاتية وخصائص الانتماء لأجيال العروبة والإسلام.

اليوم