|

فيض الخاطر.. مركز للعناية باللغة العربية
د. كلثم جبر
بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي صادف الثامن عشر من هذا الشهر الميلادي، احتفلت الأوساط الثقافية والتعليمية في العالم العربي بهذه المناسبة، ونشطت جامعاتها ومؤسساتها الثقافية في تقديم الكثير من المناشط المنبرية والتحريرية والإعلامية حول اللغة العربية، وما تعانيه من مشاكل، وما هو مقترح لتجاوز هذه المشاكل، والأمراض المستعصية التي أصبحت تعاني منها لغتنا الجميلة، وخاصة ما تتعرض له من عقوق من الناطقين بها الذين يتحمسون لغيرها من اللغات أكثر من حماستهم لها، إضافة لتلك الجهود غير المشكورة التي تبذل لإضعاف دور اللغة العربية في المحافل الدولية، بعد أن أصبحت من اللغات الرئيسة في تلك المحافل، ولا ننسى أيضا ما يسمى بالعولمة التي تهدف إلى فرض ثقافة ولغة بعينها وتهميش ثقافة ولغات الشعوب الأخرى، وهذا تيار جارف لابد من الوقوف في وجهه ومجابهته بالقوة نفسها لتجنب أخطار العولمة على الثقافة العربية، والعمل على أن تسهم الثقافة العربية في هذه العولمة وتشارك في تصحيح مسارها.
ومن باب الحرص على اللغة العربية إنشاء مركز متخصص للعناية باللغة العربية، وهي خطوة أقدمت عليها معظم الدول العربية بما فيها بعض دول الخليج العربية، حيث يتولى "مركز العناية باللغة العربية" طوال العام خدمة اللغة العربية من خلال المؤتمرات والندوات والمشاركات العربية والعالمية الخاصة باللغة العربية، وهو أمر في غاية الأهمية، على أن يكون هذا المركز مؤسسة مستقلة وليست تابعة لأي جهة تعليمية أو ثقافية أخرى، إذا أخذنا في الاعتبار أن اللغة العربية هي أهم ملامح الهوية الوطنية، لتصبح خدمتها وحمايتها من أوجب الواجبات، تأكيدا للمادة الأولى من الدستور التي تنص على أن "قطر دولة عربية مستقلة ذات سيادة. دينها الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي لتشريعاتها، ونظامها ديمقراطي، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية. وشعب قطر من الأمة العربية". وهذه المادة توجب العناية الفعلية باللغة العربية، والتي يمكن ترجمتها بإنشاء "مركز العناية باللغة العربية"، توكل إليه كل مهام خدمة وحماية وتأصيل قيم اللغة العربية، في وقت تتعرض فيه للكثير من مظاهر العقوق من قبل بعض الناطقين بها قبل غيرهم.
والهوية الحقيقية لا تتعمق بالشعارات، ولكنها تتعمق بالفعل الجاد الذي يخدم مقومات الانتماء الوطني وفي مقدمتها اللغة، وفي هذا الإطار تحرص كل الدول على خدمة لغاتها، وتعمل على تصديرها إلى الشعوب الأخرى لتضمن وصول ثقافتها إلى أكبر رقعة من جغرافية هذا العالم، واللغة العربية مؤهلة لتكون محل اهتمام كل شعوب العالم قاطبة لما تتمتع به من سهولة في التعلم، ولما تحمله من قدرة على التفاعل مع اللغات الأخرى، إلى جانب سهولة ترجمتها إلى تلك اللغات، ولا شك أن اللغة - أي لغة - إنما تستمد قوتها من قوة الأمة الناطقة بها، وما يعتري اللغة العربية من ضعف في هذا الزمن هو انعكاس لما تعانيه الأمة من ضعف نتيجة الخلافات والحروب التي تعصف بشعوبها، وخير وسيلة لمجابهة هذا الضعف هو العمل المؤسساتي العلمي الذي يجعل من اللغة كيانا غير قابل للتراجع أو الهزيمة أمام تيارات الغزو التي تتعرض لها من أصحاب اللغات الأخرى، وهي ليست لغة العرب فقط، ولكنها لغة كل الشعوب الإسلامية التي تحرص على إتقانها، حين تتعامل معها يوميا من خلال ممارسة واجباتها الدينية.
ثم أن هذه هي لغة القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، وفي قوله تعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ما يوجب على كل المسلمين الاقتداء بمنهج المحافظة على القرآن، من خلال المحافظة على لغته.. بما فيها من إشراقات بيانية، وتألقات لفظية، ومحسنات بلاغية، كانت ولا تزال تستحوذ على القلوب والألباب، وتنال اهتمام وإعجاب الدارسين والباحثين في علوم اللغة.
الراية
|
|
|
|