مشكلتنا مع العربية

أ. ماجد محمد الأنصاري


أخبرتني زوجتي أن ابنتي تعاني مع مادة الرياضيات فطلبت من والدتي وهي التي أمضت عقدين من الزمن في تدريس المادة أن تقيم مستوى ابنتي فما كان منها إلا أن قالت: إن المشكلة ليست في البنت إنما هي في نظام التدريس، ابنتي في الصف الأول الابتدائي ونظراً للتخبط في النظام التعليمي خلال السنوات الأخيرة وجدت نفسها تدرس مادة الرياضيات باللغتين العربية والإنجليزية في آن واحد وأدى ذلك إلى تشويشها وبالتالي أثر على تحصيلها العلمي والمعرفي، نفس المشكلة تواجهها أختي طالبة الجامعة التي درست طوال حياتها باللغة العربية ووجدت نفسها فجأة مضطرة لتعلم الرياضيات بلغة أخرى نظرا لعدم توفر كراسٍ لدى المدرس الذي يدرس باللغة العربية.
يمر مجتمعنا بأزمة لغوية فنحن اليوم مجتمع ثنائي وربما ثلاثي اللغة بامتياز، مؤسساتنا التعليمية تتراوح بين الإنجليزية والعربية والمؤسسات الرسمية انقسمت إلى مؤسسات تقليدية تستخدم العربية فقط وأخرى حديثة فضلت الإنجليزية، والقطاع الخاص يستخدم أي لغة يتكلم بها الموظفون والمطاعم بعضها لا تتوافر لديه قوائم طعام عربية وهكذا دواليك.
مشكلة اللغة هذه بدأت بمفهوم خاطئ تحول إلى حقيقة مقدسة لدى مسؤولين كثر وأدى ذلك إلى فوضى اللغة التي نعاني منها اليوم، المفهوم الخاطئ هو أن أي تطوير لا يمكن أن يكون إلا باللغة الإنجليزية واستجلاب كل أدوات التطوير من الخارج، فحسب من يؤمن بذلك لا يمكن للمحلي توفير حلول لمشاكلنا لذلك لا بد من استيراد تجربة خارجية وإذا كان ذلك يعني فقدان اللغة العربية فلا بأس، تجد ذلك في التعليم والإدارة الحكومية والإعلام وغير ذلك من مؤسسات المجتمع.
ولكن هل هذا الكلام صحيح؟ هل فعلا الإنجليزية شرط من شروط التطور وهل صحيح أن الإنجليزية هي لغة العلم وأن العربية فقدت قدرتها التنافسية وليست مناسبة لهذا العصر ومتطلباته؟ للإجابة عن هذا السؤال نتجه إلى مثالين للنمو السريع حديثاً وهما تركيا وكوريا الجنوبية، هاتان الدولتان كانتا قبل عقود قليلة عنواناً للتخلف والفساد، تركيا استطاعت منذ تخلصت من قبضة العسكر أن تعكس الميزان التجاري بينها وبين أوروبا لصالحها وغدت تصدر التكنولوجيا والخبرات لمختلف دول العالم، وكوريا الجنوبية خرجت من رحم الحرب بينها وبين جارتها الشمالية محطمة وفقيرة والآن تتربع على عرش الصناعة والتعاقد مع شركاتها كبريات شركات التكنولوجيا على مستوى العالم لاستخدام تقنياتها ومنتجاتها، وفي المثالين أمر مشترك، كلتا الدولتين تستخدمان اللغات المحلية في كل شيء، التعليم والصناعة والترفيه كل ذلك يتم بلغة البلد وها هي المسلسلات التركية والكورية تدبلج إلى لغات العالم غازية بيوتنا ومحتلة مساحة في أيامنا.
لم تكن تركيا أو كوريا الجنوبية بحاجة إلى استيراد لغات أجنبية لأن القائمين على نهضة هذه الدول عرفوا أن اللغة ليست عائقاً بل هي عنصر من عناصر الهوية وحتى تتحقق نهضة مستدامة لا بد من الارتقاء بمكونات الهوية المختلفة بما فيها اللغة لتواكب التطور المطلوب لا دفعها جانباً واستبدالها بلغة قوم آخرين، إدراك هذه الحقيقة هو ما دفع بالكوريين والأتراك قدماً لينافسوا الدول الصناعية الكبرى فالتنمية لا تتم إلا بالانطلاق من البنية التحتية المعرفية والثقافية الأصيلة وتحديثها باستخدام آخر ما وصل إليه عقل الإنسان تماماً كما هو الحال حين يزرع إنسان قلباً صناعياً فهو بديل مناسب نظرياً للقلب البشري لكنه يبقى دخيلا على الجسم ويتسبب له بالمشاكل والمعوقات، واللغة في قلب المجتمع والمجتمع يصعب عليه انتزاع قلبه لصالح آخر.
مع ما قلناه نؤكد أننا بحاجة الآن إلى رفع القواعد لبنية تحتية جديدة للغة العربية في مجتمعنا تبدأ بمراكز ترجمة علمية لاحتياجات المجتمع الأكاديمي ونشر تعلم اللغة العربية لدى المقيمين وإلزام الجهات المختلفة باعتماد العربية رسمياً ليس في مراسلاتها فحسب بل في الاجتماعات اليومية واللوحات الخارجية والداخلية، إسرائيل عند تأسيسها قررت إعادة إحياء العبرية التي كادت تنقرض بل وعملت على تأسيس عبرية جديدة تتجاوب مع مقتضيات العصر وها هي العبرية اليوم لغة معتمدة في مختلف التجمعات الدولية تصدر بها آلاف الأبحاث العلمية سنويا ويترجم منها وإليها مختلف النصوص الأدبية والعلمية، العربية ما زالت حية وكل ما علينا هو العودة إليها مع إيمان راسخ بأن الارتقاء ينطلق من الجذور الراسخة لا الأوراق المتطايرة.

العرب