|

ما حال اللغة العربية اليوم في يومها العالمي
د. محمود السيد
ليست اللغة العربية في يومها العالمي في الثامن عشر من كانون الأول في الوضع الذي يطمح إليه كل غيور على هذه اللغة، إذ إن كل مخلص للغته اليوم يروم أن تتبوأ لغته العربية الفصيحة المكانة الجديرة بها في جميع شؤون الحياة بدءاً من استخدامها من أبنائها في الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، إذ إن من المؤسف أن يتخلى ممثلو الدول العربية في الأمم المتحدة عن استخدام لغتهم واستخدام اللغة الأجنبية بديلاً منها، مع أن لغتهم معتمدة بين اللغات الست المستخدمة فيها.
تنكر للغة الأم!
ولم يكن تنكر نفر من أبناء الأمة للغتهم الأم في الأمم المتحدة ومنظماتها فحسب، وإنما نجد هذا الجحود على أرض الأمة العربية، فها هي ذي اللغة الفرنسية تهيمن على المؤسسات التعليمية في التعليم الجامعي في دول المغرب العربي، وها هي ذي اللغة الانكليزية تهيمن على التعليم في دول الخليج العربي، وتبقى العربية مستبعدة ومهمشة في التعليم الجامعي في معظم مواد المعرفة إن لم نقل في جميع مواد المعرفة، حتى في ميدان العلوم الانسانية ويا للأسف. ومن الملاحظ أن سوق العمل ومجالات التوظيف تعلن عن حاجتها إلى تعيين موظفين يتقنون اللغة الأجنبية ولا تشترط اتقان اللغة القومية شرطاً من شروط التعيين.
ومن الملاحظ أيضاً أن الضعف في اللغة مستشر على ألسنة المعلمين والمتعلمين في الوقت نفسه في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، إذ إن الدروس تشرح بالعامية أو بلغة هجينة، وتستخدم بعض الكلمات الأجنبية إلى جانب العامية في أحيان كثيرة.
واذا انتقلنا إلى الاعلام، والمواد التي تبث عبر قنواته ووسائله، فإننا نلاحظ استشراء العامية في الحوارات واللقاءات والمسلسلات وفي أغلب البرامج المقدمة.
وفي المؤسسات الخدمية والسياحية تنتشر الأجنبية كما تنتشر على واجهات المحال التجارية وفي الاعلانات.
وعلى مواقع الشابكة «الانترنت» تتسع دوائر اللهجات العامية والكتابة بالأحرف اللاتينية وبأرقام مكان الحروف العربية، فلا تجد إلا الفوضى والتخبط والتعدي على حرمة العربية وحدودها وكرامتها.
التجربة السورية في تعزيز اللغة ودورها
وفي هذه الأجواء من انعدام الأمن اللغوي العربي ثمة بقعة ضوء تتمثل في سورية قيادة وحكومة عبر مسيرتها إذ إن القرار السياسي الذي اتخذته سورية منذ عشرينيات القرن الماضي في أن تكون لغة التدريس في جميع مراحله بالعربية ما يزال مضرب المثل على الساحة القومية، ففي الجامعات السورية تدرس جميع مواد المعرفة باللغة العربية، إذ بدئ بتدرسيها منذ قرن كامل تقريباً في الوقت الذي تسمع فيه صيحات تتعالى في بعض المؤتمرات والندوات على الصعيد العربي لتنال من قدرة العربية على تدريس الطب والتقانة والعلوم بالعربية والدعوة إلى تدريسها باللغات الكونية على حد تعبيرهم ويعدون الانكليزية والفرنسية من اللغات الكونية ولا يعدون العربية منها ويا للأسف.!
وفي سورية صدر القانون الرامي إلى حماية اللغة العربية منذ خمسينيات القرن الماضي في أن تكون جميع التسميات على المحال التجارية والمؤسسات الخدمية والسياحية باللغة العربية. وفي سورية صدر المرسوم الرامي إلى تدريس اللغة العربية لغير المختصين في جميع الكليات الجامعية والمعاهد منذ ثمانينيات القرن الماضي.
نحو تمكين اللغة العربية
وفي سورية أيضاً صدر القرار الجمهوري بتشكيل لجنة التمكين للغة العربية منذ عام 2007 لتضع خطة عمل وطنية للتمكين للغة العربية وتتابع تنفيذها.
وسورية أيضاً هي التي تقدمت إلى مؤتمر القمة العربي الذي عقد بدمشق عام 2008 بمشروع «النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة» وقد أقره المؤتمر واعتمده وقدم الشكر للجمهورية العربية السورية على مبادرتها لاطلاق هذا المشروع.
وهكذا نجد حرص سورية على التمسك بلغتها القومية، والذود عنها والسعي إلى سيرورتها وانتشارها في منأى عن التلوث، إلا أن جميع الجهود الطيبة التي بذلت لم تحقق الأهداف المرسومة والآمال المرجوة إذ ما تزال ثمة فجوة بين الواقع والمأمول، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب وعوامل.
ما الذي حققته لجنة التمكين للغة العربية في هذا المجال؟
وضعت لجنة التمكين خطة عمل وطنية للتمكين للغة العربية، اشتملت هذه الخطة على المسوغات أولاً، وعلى تشخيص الواقع في ايجابياته وسلبياته ثانياً، وعلى وضع خطة تنفيذية للارتقاء بهذا الواقع، وانطلقت في وضع الخطة من النظرة إلى اللغة على أنها مسؤولية مجتمعية، ولذلك وزعت الأدوار على جميع الجهات المعنية انطلاقاً من رؤيتها أن التنسيق بين هذه الجهات هو الذي يؤدي إلى النجاح، ذلك لأن البناء لا يمكن أن ينهض إذا كان ثمة من يبني من طرف وثمة من يهدم البناء من طرف آخر.
وهذا الذي يحدث في واقعنا، وعلى كل حال فقد قطعت اللجنة خطوات في مجالات عملها، وما تزال هناك خطوات.
لجان على مستويات وزارية
ومن إنجازات الخطة تشكيل لجان فرعية في بعض الوزارات المعنية للتمكين للغة العربية «وزارة التربية، وزارة التعليم العالي، وزارة الثقافة، وزارة الاعلام، وزارة الأوقاف» وفي جميع المحافظات هناك لجان فرعية للتمكين.
وقامت رئاسة مجلس الوزراء مشكورة بإصدار تعميم على الوزارات والمؤسسات والإدارات وعلى الشركات في القطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة يتضمن تكليف مدققين لغويين تصحيح الكتب الصادرة، كما أصدرت تعميماً آخر على الجهات المعنية كافة يدعوها إلى وضع قوائم بالمصطلحات الأجنبية في مجالات عملها ورفعها إلى مجمع اللغة العربية بدمشق لوضع التسميات العربية المقابلة لها، وتعميماً آخر على المحافظات لإزالة اللبس من فهم بعض مواد قانون حماية اللغة العربية بخصوص التسمية العربية لا الكتابة بالحروف العربية للكلمات الأجنبية إلا إذا كانت المنشأة الخدمية والسياحية والصناعية فرعاً لشركة أو مؤسسة دولية.
وكان ثمة إضافة شرط النجاح في اللغة العربية إلى جانب المعلوماتية واللغة الأجنبية في الإعلان عن المسابقات.
دراسة التسميات
وعملت الإدارة المحلية على تشكيل لجان في المدن لمسح الشوارع والوقوف على التسميات الأجنبية لوضع البديل العربي المقابل لها بالتنسيق مع مجمع اللغة العربية، كما قامت الوزارة بعقد اجتماعات دورية لرؤساء لجان التمكين في المحافظات لتدارس الواقع وتجاوز المعوقات والصعوبات، وقد توقفت هذه الاجتماعات بسبب الظروف الحالية التي يمر بها الوطن، واستعيض عنها بإرسال تقارير محاضر اجتماعات اللجان في المحافظات على أن تتضمن هذه المحاضر الصعوبات التي تواجهها ومقترحاتها لتجاوزها.
ومن الإنجازات ايضاً عقد دورات تدريبية في بعض الدوائر للتدريب على أصول التراسل والكتابة السليمة بالعربية، والتركيز في الدورات التدريبية على الجانب العملي.
وألقيت محاضرات في مجال التوعية اللغوية في المنتديات والمراكز الثقافية وفي الاتحادات والنقابات والمنظمات، ونشر مقالات في الصحف والمجلات وطبعت كتب تناولت خصائص العربية وميزاتها.
على صعيد وزارة التربية
وهناك جهود كثيرة بذلتها بعض الجهات المعنية، فوزارة التربية عممت على جميع المعلمين لاستخدام العربية في أداء عملهم التعليمي، وعدّلت استمارة تقويم الأداء ليتضمن بنداً ينص على مدى سلامة لغة المعلم في شرح دروسه، ومدى اهتمامه بالمناشط اللغوية اللاصفية، ووضعت الوزارة معايير للضبط اللغوي، كما عملت على تفعيل المكتبات المدرسية والمسرح المدرسي، والتركيز على أن تكون الحوارات في القناة التربوية الفضائية بالعربية السهلة الميسرة، وأجرت مسابقات في مجال استخدام المهارات اللغوية في المدرسة الواحدة وبين المدارس في المحافظة، ومن ثم على مستوى القطر بالتنسيق مع اتحاد شبيبة الثورة، وعقدت دورات لمربيات رياض الأطفال ومعلمي الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي بغية استخدام العربية السهلة، ووضعت تعيينات للألعاب اللغوية، وأكثرت من الأناشيد والأغاني المؤداة بالفصيحة، واستثمرت مجالس أولياء الأمور في جانب منها للتوعية اللغوية.
وفي وزارة التعليم العالي
وقامت وزارة التعليم العالي بالتعميم على أعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات لاستعمال العربية الفصيحة في مناقشاتهم ومحاضراتهم وتقويم رسائل الماجستير والدكتوراه، والتدقيق اللغوي للكتب المؤلفة والمترجمة وتعريب رسائل الدكتوراه والماجستير للمعيدين الموفدين، وجعل ذلك شرطاً للتعيين والتأهيل، واستعمال العربية الفصيحة في العملية التدريسية في الجامعات الرسمية والخاصة ما عدا مقررين اثنين يدرسان بالأجنبية.
ووضع ثبت في نهاية الكتب المؤلفة للمصطلحات الأجنبية ووضع المقابل العربي لها، وموافاة مجمع اللغة العربية بقوائم تتضمن المصطلحات الأجنبية والمقابلات العربية لها لدراستها، وبيان الرأي فيها تمهيداً لاعتمادها.
وعملت الوزارة أيضاً على تطوير مناهج معلمي الصف ورياض الأطفال في كليات التربية بالتنسيق مع وزارة التربية، وشكلت لجنة لوضع اختبار بالعربية على غرار التوفل بالإنكليزية.
وقامت وزارة الثقافة بطباعة كتب تناولت التحديات المعاصرة التي تواجهها لغتنا العربية ضمن سلسلة «التمكين للغة العربية» وثمة محاضرات توعية لغوية في المراكز الثقافية، ومعارض للكتب بغية إيصال الكتاب إلى القارئ بأسعار زهيدة، وثمة كتب توزعها الوزارة مجاناً بالتعاون مع جريدة البعث، وعملت على زيادة نسبة ما يترجم إلى العربية وزيادة نسبة كتب الأطفال المنشورة، وأحدثت جائزة الدولة التقديرية للآداب والعلوم الإنسانية وعملت على تفعيل مسرح الأطفال لعرض المسرحيات بالعربية السهلة الميسرة.
الإعلام واللغة
وقامت وزارة الإعلام بإجراء دورات تدريبية للمذيعين والمذيعات، وعقدت ندوات وأجرت مقابلات بمناسبة الاحتفالات بيوم اللغة الأم ويوم اللغة العربية، ونشرت زوايا لغوية ومقالات في الصحف في مجال التوعية اللغوية، وقامت بتصحيح بعض الأخطاء الشائعة، وعملت على بث برامج شعرية ونشرات تلفزية إعلانية تدعو أصحاب المحال التجارية لمراجعة مديريات التجارة الداخلية بخصوص وضع التسميات العربية، وأسهمت بطريق مؤسسة الإعلان على استبعاد الكلمات العامية والكلمات الأجنبية في عدد من الإعلانات بعد وضع الكلمات العربية مكانها، وكان ثمة تفعيل للبرامج الموجهة للأطفال.
وعملت وزارة الأوقاف على اختيار الخطباء على أساس كفايتهم اللغوية، وعممت على الخطباء بعدم استخدام العامية في الخطب والمحاضرات والدروس، وتخصيص بعض خطب الجمعة للتوعية اللغوية وتبيان الدور القومي للغة في وحدة الأمة وفهم العقيدة، وعقدت دورات تدريبية، وطبعت كتباً تناولت خصائص اللغة العربية ورفدت المكتبات في المدارس الشرعية والمعاهد التابعة للوزارة بكتب تراثية ومعاصرة، وأجرت مسابقات في المدارس الشعرية على حفظ بعض روائع الشعر في تراثنا العربية.. الخ.
وثمة جهود في مجال التمكين للغة العربية قامت بها وزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة الداخلية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الإدارة المحلية، ومجمع اللغة العربية بدمشق والمنظمات والاتحادات والنقابات والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية واتحاد الكتاب العرب والجمعيات الأهلية وغرف الصناعة والتجارة.
وأسهمت لجنة التمكين للغة العربية في وضع مشرع «النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة»، وهو المشروع الذي تقدمت به سورية إلى مؤتمر القمة العربي الذي عقد في دمشق عام 2008 وأقره المؤتمر واعتمده وقدّم الشكر للجمهورية العربية السورية على مبادرتها لإطلاق هذا المشروع.
نحو سياسة قومية وحفاظ على الهوية
ويهدف المشروع إلى الحفاظ على الهوية العربية متمثلة في لغتنا الأم (العربية الفصيحة) والاهتمام بهذه اللغة على أنها وعاء للمعرفة وسبيل الأمة نحو التوجه إلى مجتمع المعرفة، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول العربية استناداً إلى دور اللغة الأم في هذه المجالات.
ويتضمن المشروع وضع سياسة لغوية قومية، وسياسات وطنية متناسقة معها، وخطط لتنفيذها من خلال برامج وطنية وقومية، وتحديث مناهج تعليم اللغة العربية واستخدام التقانة، والعناية بمدرسي العربية، وتعريب العلوم والتقانات وتوطينها لدى القوى العاملة العربية في جميع القطاعات تعليما وتأليفاً وترجمة، مع الاهتمام باللغات الأجنبية، ووضع برامج لتعزيز البحث والتطوير، وتعزيز استعمال العربية في الإعلام والإعلان وفي المواقع العربية على الشابكة (الإنترنت)، وزيادة المحتوى العربي ووضع برامج للتوعية اللغوية، وتأكيد استعمال العربية رسمياً في المحافل الإقليمية والدولية.
وقد أنجزت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عدداً من الفعاليات المتعلقة بالمشروع وتم انجاز بعضها بإشراف من رئيس لجنة التمكين للغة العربية في سورية «مناهج اللغة العربية في الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي- الخطة العامة لتعريب التعليم- المحتوى الرقمي للغة العربية على الشابكة (الإنترنت)- مسببات تدني مستوى الأداء في اللغة العربية».
ومن انجازات لجنة التمكين للغة العربية أيضاً أنها عقدت اجتماع مائدة مستديرة لرؤساء جمعيات حماية اللغة العربية في الوطن العربي وذلك في دمشق يومي 29 و30 من أيلول عام 2010 برعاية السيدة نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية، وكان الغرض من الاجتماع البحث في تجارب حماية اللغة العربية والدفاع عنها والتمكين لها وتبادل الخبرات، وقد صدر بيان في نهاية الاجتماع أطلق عليه (إعلان دمشق لرؤساء الجمعيات الأهلية للدفاع عن اللغة العربية في الوطن العربي ولجنة التمكين للغة العربية)، واشتمل الإعلان على المخاطر التي تواجه العربية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأشار إلى أن مسؤولية الحفاظ على العربية تتطلب إصدار قوانين وتشريعات ترمي إلى حماية العربية وتعزيز سيرورتها وانتشارها في جميع مجالات الحياة، وأبان البيان نجاعة التجربة السورية وأنها تعد نموذجاً رائداً في الحفاظ على العربية، ودعا المشاركون إلى تعميم السياسة اللغوية السورية في التعليم والتجربة السورية في التمكين للعربية على الأقطار العربية.
ولست الآن في مجال الحصر، وإنما قدمت أمثلة لما تم انجازه في بعض الجهات المعنية، وهي جهود طيبة ومشكورة تسهم في التمكين للغة والارتقاء بواقعها، إلا أن ثمة خطوات أخرى تحتاج إلى المتابعة الحثيثة لإنفاذها، على أن نتحلى بالصبر والمتابعة لأن نجاح أي عمل إنما يكون بالبدء والمتابعة والتحلي بالتفاؤل مهما تكُ المعوقات والمثبطات.
الوطن
|
|
|
|