|

اللغة العربية ومكانتها بين اللغات
أ.سليمان بن حميد بن سعيد المقرشي
عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أنزلها “قرآناً عربياً” والله يقول لنبيّه صلى الله عليه وسلم “فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّاً”.
وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتّتبع جميع اللغات لا يجد فيها لغة تضاهي اللغة العربية، ويُضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات. وتزيّن الدقة ووجازة التعبير لغة العرب، وتمتاز العربية بما ليس له مثيل من اليسر في استعمال المجاز، وإن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيراً فوق كل لغة بشرية أخرى، وللعربية خصائص جمّة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يكتشف له نظير في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أكثر اللغات اختصاراً في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبيّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبيّ أقصر في جميع الحالات.
ومصير أي لغة مرتبط ارتباطاً تاماً بمصير شعبها وأهلها فالعلاقة في العز والذل طردية بين اللغة وأهلها فما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا المنطلق يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها .
واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون واللسان العربي شعار الإسلام وأهله، ومعلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَها فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدّبون أولادهم على اللحن وهو نطق الكلام بدون ضبط نحوي، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نتعلم النحو العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقالاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها.
قامت العربية الفصحى في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر
فمن عجائب قدرة الله أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحّل وتترك الحواضر والمدن والدول والإمبراطوريات العظمى آنذاك، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها، ولم يُعرف لها في كلّ أطوار حياتها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ، ولا نكاد نعلم من شأنها إلاّ فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبارى، ولا نعرف شبيهاً بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملةً من غير تدرّج وبقيت حافظةً لكيانها من كلّ شائبة.
إنّ بقاء اللغة العربية صامدة قوية رغم الأعاصير التي هزت بنيانها يعود لسببين أولهما: كون الإسلام سندا مهما للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة، كاللاتينية حيث انزوت تماماً بين جدران المعابد. ولقد كان للإسلام قوة تحويل جارفة أثرت في الشعوب التي اعتنقته حديثاً، وكان لأسلوب القرآن الكريم أثر عميق في خيال هذه الشعوب فاقتبست آلافاً من الكلمات العربية ازدانت بها لغاتها الأصلية فازدادت قوةً ونماءً. وثاني تلك الأسباب هو مرونتها التي لا تُبارى، فالألماني أو الأمريكي المعاصر مثلاً لا يستطيع أن يفهم كلمةً واحدةً من اللهجة التي كان يتحدث بها أجداده منذ ألف سنة، بينما العرب المحدثون يستطيعون فهم آداب لغتهم التي كتبت في الجاهلية قبل الإسلام.
وقد كره علماء الأمة أن يتحدث العربي بغيرها بلا داع أو حاجة بل أوصله بعضهم إلى درجة التحريم كما روي عن الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه كره تسمية التاجر بالسمسار -لفظ فارسي معرب- إذ قال: فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عزَّ وجل لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه -صلى الله عليه وسلم- ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية؛ فماذا يقول العربي الذي يتفاخر بتحدثه بالإنجليزية أو غيرها أمام أقرانه وفي عمله بلا داع أو حاجة!.
قال أحد السلف: أما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق أو للأمراء، أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم… إلى أن قال: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم والتابعين ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
عُمان
|
|
|
|