العودة إلى الجذور- إلى محبي اللغة العربية

د. أحمد شقيرات

بعد أن من الله تعالى عليّ بقراءة كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ بأجزائه الأربعة وكنت قد قرأت كتاب «الأمالي وذيله» في السنة الجامعية الثانية، فقد بقي من أمهات العربية الأربعة كتابان هما «أدب الكاتب» لابن قتيبية الدينوري، وكتاب «الكامل للمبرِّد». وإني مقتطف بعض الدرر من كتاب الجاحظ هذا ومهديها إلى كل من يؤمن بأن لغتنا حية باقية على الدهر سامقة الذرى رغم كل ما جاءت به الحضارة الآن من مخترعات خدعت بعض أهلها حتى صورت لهم عقولهم التخليط بين لغتهم الأم وبين غيرها من اللغات فآذوا أسماعنا ببدعة يخجل العرب الأقحاح من ذكرها. يقول الجاحظ :»ولم أر غاية النحوبين إلا كلَّ شعر فيه إعراب، ولم ار غاية رواة الأشعار إلا كلَّ شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كلَّ شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم-فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للِّسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني».
وأين من هذا كله ما نقرأه من غثاء الشعر وتلفيقاته على زعم أصحابه أنه شعر محدث أو حديث؟ يقول آخر كما يروي الجاحظ: قد حال من دون ليلى معشر قزمُ: وهم على ذاك من دوني مواليها. وتعني «قزم» صغار الأخلاق.
كما يقول معن بن أوس المزني:» فداويته بالحلم والمرء قادر: على سهمه ما دام في كفه السهم. كما يقول آخر: وبعض القول ليس له حصاة: كمخض الماء ليس له إناء: أي ليس له زبدة. ويروي الجاحظ أيضاً وأيضاً أن علياً بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم المدني القرشي ولدليلة مات علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رمضان سنة 40 للهجرة وكان يدعى «السجّاد» لكثرة صلاته حيث يقال إنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة فيما زعموا كما يقول الجاحظ، وكانت وفاته في البلقاء من أرض الشام سنة 118هـ. ومن الحكم يقول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان :»إذا ما أطعت النفس مال بها الهوى: إلى كل مافيه عليك مقال. كما قال: حسب الفتى من عيشه: زاد يبلغه المحلا. خبز وماء بارد: والظل حيث يريد ظلا. ومن أجواد العرب: الحِماس بن ثامل، يقول: ومُستنجٍ في لج ليلٍ دعوته: لمشبوبة في رأس صعد مقابل. وقلت له أقبل فإنك راشد: وإن على النار الندى وابن ثامل.
هذه هي لغتنا الجميلة الكريمة فليت مناهجنا تتضمن مختارات من مثل ما مر أو تبكِّر في تعريف الأجيال بأمهات العربية مع حفظ نماذج منها تمهيداً لدخول الجامعات بحصيلة قوية أصيلة من نتاج عقول الأجداد لفظاً ومعنى.

الرأي