في حضرة اللغة - 2

أ. محمد العلي

في الاحتفاء بيوم اللغة العربية في تونس، كان أحد الشعارات «لا أمة تنهض بغير لغتها»، وبودي أن أضيف إليه «ولا لغة تنهض بدون أمتها» فقد استقر في قناعة الجميع أن اللغة ظاهرة اجتماعية.. أي حسبما يكون المجتمع تكون الظاهرة.. فاذا كان مجتمعا مبدعا كانت اللغة مجسدة لهذا الإبداع.. أما اذا كان متخلفا خرافيا جسدت لغته تلك الحالة.
جمال اللغة العربية ينبع من ذاتها أولا، ومن أساطير دارت حولها، مثل أنها لغة آدم التي هبط بها، ومثل أنها لغة أهل الجنة.. ومثل أنها اللغة الشاعرية من بين اللغات، وغير ذلك من الصفات التي وضعتها في أفق فوق التاريخ، وفوق مستوى الناطقين بها.
أينما وليت سمعك تنهل عليك كلمة «لغة الضاد»، تطلق هكذا بفخر وكبرياء لغوي، في حين انه وبحسب ما يذكره اللغويون في كيفية نطقها.. لن تجد في حاضرنا من ينطق بها بصورة صحيحة.. فلا فرق في نطقها بينها وبين الظاء حتى عند من يقرأون القرآن.
وحين نقرأ (قل ولا تقل) وهو العنوان الذي وضعه اللغوي الكبير مصطفى جواد، وتوارثه كثيرون، نجد أن الأخطاء يقع فيها أو يقترفها بحق اللغة، بعض أو معظم مدرسي العربية.
لقد بذل اللغويون القدماء جهودا خارقة؛ لتقعيد اللغة العربية نحوا وصرفا ومفردات، وكان ذلك في فضاء ازدهار الحضارة العربية، الامر الذي ازدهرت فيه الحقول الاقتصادية، وبدأت الفلسفة تطل برأسها وان من نافذة بعيدة، وخرجت حركة «شعراء الحداثة» كما سماهم القدماء، وكان بشار بن برد رأس المحدثين آخر من كان يستشهد اللغويون بشعره.
إذن، كان ازدهار اللغة حقلا واحدا من حقول الحضارة، التي بلغت قمة نضجها في القرن الرابع، ثم بدأت في الذبول بدءا من القرن الخامس.
من هنا، نرى أن اللغة ليست منفصلة عن الفعل الاجتماعي في كل حقل.. وعلينا هنا أن نطرح السؤال: ماذا فعلت المجامع العربية وسائر اللغويين العرب في تطوير اللغة، حتى على ضوء الثورة اللغوية في الغرب؟ وحتى على أثر اللغويين القدماء العظام؟
الإجابة صادمة بدون شك، وتسأل أين حمرة الخجل؟ كما يقول الممثل ابوبكر عزت، إن جباه لغويينا لا تعرف ما يسمى خجلا لا من أسلافهم، ولا من أنفسهم ولا من تطوير اللغات الأخرى.

اليوم