|

تدريس العربية: هل هو ابن العصر؟
أ. ميشلين حبيب
كبرت المشكلة وتفاقمت ...
تلامذة العربية، وهي لغتهم الأم، لا يتقنونها ولا يستطيعون استخدامها بطريقة صحيحة. نلاحظ ذلك بعامة عند طلاب المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية.
لا يحسن هؤلاء التلامذة استعمال اللغة جيداً خصوصاً في الكتابة التي تتطلب استخدام العربية الفصحى وهو الشكل الرسمي للّغة بعكس العامية أو اللهجة المحكية. ويظهر ذلك في صياغة نصوصهم الكتابية التي تزدحم بالأخطاء اللغوية والأخطاء الإملائية والجمل الضعيفة بتركيبتها وبنائها، وزد على ذلك كله استخدامهم مفردات من العامية؛ وهذه كلها عناصر تلعب دوراً مهماً في اللغة الفصحى التي ترتكز بقوة على كل ما ورد عكس العامية التي لا تتأثر إن فقد أي من تلك العناصر في سياقها.
العربية ازدواجية لغوية، أي أنها لغة تملك لهجات محكيةً عديدة ولها شكل واحد موحّد هو العربية الفصحى؛ ولا يجوز استعمال العامية في سياق الفصحى. إن قوة هذه اللغة الجميلة تكمن في قواعدها وتركيبة جملتها وغنى مفرداتها. لذلك فإن تسلل مفردات عامية إلى الفصحى بكثرة وعشوائية من اللهجات المحكية المختلفة سيؤثر في اللغة بشكل كبير وسيساهم في تخريبها.
من المؤسف أنه مع ازدهار مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة فإن العامية آخذة بالانتشار والتسلل إلى اللغة الفصحى. وبما أن المراهقين من أشد الهواة حماسة لاستعمال مواقع التواصل الاجتماعي فإن ذلك ينعكس في عملهم المدرسي.
وأنه لصحيح أن تلامذة المرحلتين المتوسطة والثانوية لا يستطيعون استخدام اللغة العربية بطريقة صحيحة لكن حال تلامذة المرحلة الابتدائية ليس أفضل بكثير.
إن مرحلة الروضة والمرحلة الابتدائية هما من أهم المراحل في المدرسة إذ انهما المرحلتان المؤسستان، فخلالهما يتعلم التلامذة أسس اللغة ويتعرّفون إلى الفصحى للمرة الأولى خلال سنواتهم المدرسية. ويتعلم التلامذة في المدرسة اللغة العربية الفصحى والتي تختلف كثيراً عن اللهجة المحكية في البيت، من هنا فإن الفصحى بالنسبة لهؤلاء الأطفال هي مثل لغة أجنبية، لغة غريبة جديدة.
ومن المؤسف أن معظم المناهج ومنهجيات التعليم غفلت عن هذه النقطة المهمة. والأسوأ من هذا أنها أحيانا كثيرة رجعية لا تجذب الأطفال إلى اللغة العربية ولا تتناسب وما يحتاجه هؤلاء الأطفال.
من الضروري جداً إعادة النظر في تلك المناهج بحيث تتوافق مع احتياجات الأطفال وتتناسب مع العصر الذي نعيش فيه. إن العديد من المعلمين وإدارات المدارس يرفضون التغيير بحجة مفهوم خاطئ أن ذلك سيدمّر اللغة. إن الطرق التعليمية المتأخرة والرجعية في زمن سريع لن يفيد اللغة ولا مستخدميها بأي شيء.
من هنا الإلحاح والضرورة في الحاجة إلى منهج جيد وحيوي يستطيع منافسة مناهج تعليم اللغات الأخرى التي يتعلّمها الأطفال في الوقت نفسه مع العربية. إذ ينجذب الأطفال إلى تعلّم اللغات الأخرى بسبب أساليب تعليمها المتقدمة ومضمونها الشيّق بينما ينفرون من اللغة العربية بسبب أساليب تعليمها المتأخرة ومضمونها المُمِّل.
وما يزيد الطين بلّة هو أن اللغات الأجنبية الأخرى وخصوصاً الإنكليزية هي لغة عالمية وأصبحت ذات شعبية كبيرة يميل إليها الشباب حتى وإن كانوا لا يتقنونها جيداً. من هنا تخسر اللغة العربية شعبيتها بسبب مناهجها وبسبب المفهوم الخاطئ والسخيف الذي يقول "لن نحتاجها وبماذا ستنفعنا"، مع أننا نعيش في بلد يتكلم العربية، ويكتب أدبه بالعربية، وكل معاملاته الرسمية هي بالعربية.
والتأثير السيء الآخر هو الإعلام. في زمن يجب أن يخدم الإعلام فيه اللغة فإنه يقوم بالعكس. فنقلق هذه الأيام لما نسمعه من لغة غير سليمة تلفزيونياً وصحافياً وإذاعياً. فمن المفروض أن يتقن الإعلاميون العربية ويستعملوها بأفضل طريقة وبشكلها الأدبي الصحيح وأن يكونوا مثالاً ومرجعاً، لكنهم للأسف ليسوا كذلك.
والتأثير الآخر والأخطر هو في برامج الأطفال التي بعضها ناطق بالعربية أو المدبلج إليها، والتي يجب أن تكون اللغة فيها منتقاة باحترافية لتكون لغة عربية سليمة أولاً ولغة سهلة قريبة من الأطفال ثانياً، تستعمل لغة عربية فصحى غير سليمة وهكذا تساهم في تخريب لغة الأطفال الذين سيلتقطون اللغة من مشاهدة هذه البرامج.
ويُضاف إلى ذلك الترجمات إن كان في الكتب أو في الأفلام وبخاصة الأفلام، فهي ملأى بالأخطاء اللغوية والإملائية وتعتمد مفردات وتعابير عامية. ويُشاهد التلفزيون ملايين الأشخاص ومن بينهم بالطبع التلامذة، فإن كان ما يسمعونه هو لغة غير سليمة، فبالتالي سينعكس ذلك في عملهم المدرسي.
إن الأخطاء تحصل ولكنه من غير المسموح أن تصبح شائعة وتصبح هي المعيار أو القاعدة. ففي هذا خطر كبير يؤدي الى الانحطاط والتخلّف والتدهور الثقافي والعلمي.
اللغة هوية وهي تعكس قيم ومعايير الفكر والجمال والأدب والثقافة.
هل باستطاعتنا تكبد خسارة كل ذلك؟
جماليا
|
|
|
|