اللغة العربية فى التعليم والإعلام

د. محمود فهمى حجازى

اللغة العربية من أهم اللغات فى العالم المعاصر، وذلك لأنها اللغة الوطنية فى كل الدول العربية، وهى- قبل هذا كله- لغة القرآن الكريم ووسيلة أداء الواجبات الدينية للمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها. إن لها تاريخها اللغوى العريق وتاريخها العلمى والثقافى، وقطعت نهضتها الجديدة فى العصر الحديث مراحل مهمة، ولها قضاياها المعاصرة.

أولا.. اللغة العربية فى العالم المعاصر:

1- يضم العالم أكثر من ألفى لغة، أكثرها لغات محلية ووطنية لها أهميتها فى داخل أقاليمها، وهناك لغات قليلة تتجاوز أهميتها حدود أقاليمها وتصبح ذات مكانة أكبر، ومنها اللغة العربية. المعيار الأول الذى يحدد مكانة كل لغة من اللغات الكبرى فى العالم المعاصر هو الانتشار الجغرافى لهذه اللغة، وليس المقصود بالانتشار الجغرافى المكان فى نفسه، فإن المقصود عدد أبناء اللغة، ومن هذا الجانب فإن اللغة العربية هى اللغة الأم عند نحو مائتى مليون من أبناء الدول العربية، وهى وفقا لهذا المعيار أكثر اللغات انتشارأ فى القارة الأفريقية وفى غرب آسيا. كانت اللغة العربية سنة 1960 فى المكان الثامن من بين اللغات الكبرى فأصبحت منذ سنة 1970م فى المكان السادس، تقدمت بذلك- من حيث  عدد أبنائها- على اللغتين اليابانية والألمانية. واللغة العربية تأتى من حيث هذا المعيار العددى بعد اللغات الصينية والإنجليزية والهندية والأردية والأسبانية والروسية. ولكن هذا المعيار ليس وحده، فالعربية ذات انتشار نسبى فى عدد من الدول غير العربية، فالمالطية كانت لهجة عربية دونت، والعربية أكثر اللغات استخداما فى تشاد، وهناك جماعات لغوية عربية فى مالى والنيجر وتركيا، إلى جانب جزر لغوية صغيرة وسط آسيا وفى المقابل فإن هناك دولا عربية تضم مناطق لها لغات محلية إلى جانب العربية. وأهم هذه الجماعات التى تتعامل بهذه اللغات البربر الأمازيغ فى دول المغرب والأكراد والآراميون فى العراق، والمهرة فى اليمن الجنوبى، والنوبيون فى مصر، يضاف إليهم أبناء عدد كبير من اللغات المحلية فى جنوب السودان وعند كل هذه الجماعات نجد اللغة العربية- وبدرجات متفاوتة- لغة التعامل فى خارج الجماعة الصغيرة، ففى هذه المناطق ثنائية لغوية للغة المحلية إلى جانب اللغة العربية، وقد ثبت أن معدل انتشار العربية فى هذه المناطق فى ازدياد مطرد، وأن الأجيال الصاعدة تعرف العربية على نحو أفضل من الأجيال السابقة، ويرتبط هذا التغيير بانتشار التعليم العربى وبتأثير وسائل الاتصال الجماهيرى وبالطموحات الوظيفية والتجارية لأبناء هذه المناطق فى داخل دولهم.

2- التنمية اللغوية مفهوم جديد، يضاف إلى التنمية فى العلوم الاقتصادية والاجتماعية، والتنمية ليست مجرد تغيير تدريجى يحدث وفقا للأنماط التقليدية، ولكنها عملية مجتمعية واعية هادفة إلى إيجاد التحولات المنشودة، والتنمية اللغوية هادفة إلى إحداث تغيرات لغوية محددة ومنشودة. إن العالم العربى يعرف مجامع لغوية تعنى بقضايا اللغة، ويدرك كل مثقف معاصر دور مؤسسات التعليم والإعلام والإدارة فى الحياة اللغوية. ترجع فكرة إنشاء مجمع لغوى عربى إلى عدد من اللغويين والكتاب فى مصر والشام بعد سنة 1880م ، وذلك بهدف تنمية اللغة العربية والوفاء بالمتطلبات المعاصرة. تضم الدول العربية أربعة مجامع لغوية فى القاهرة ودمشق وبغداد وعمان وهناك مشروعات لإنشاء مجامع أخرى فى الجزائر وتونس والمملكة العربية السعودية والسودان. قام اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية لينسق بين جهودها، ولكن التعاون قائم- فى المقام الأول- فى مؤتمرات المجامع حيث يلتقى المجمعيون وتعرض عليهم أعمال العالم كله. يلتقى مجمعيون من كل الأقطار فى المؤتمر السنوى لمجمع اللغة العربية بالقاهرة لمناقشة كل جهود المجمع فى مجالات المعجمات وأصول اللغة والمصطلحات وألفاظ الحضارة،  إلى جانب المجامع اللغوية يقوم مكتب تنسيق التعريب فى الوطن العربى بعمل مكمل لعمل المجامع، فهو ينسق عمل الدول العربية والخبراء من أجل وضع المصطلحات الموحدة لفروع العلم والمعرفة.

3- لقد شُغلت المجامع اللغوية بقضية المصطلحات وألفاظ الحضارة، واتفق الرأى منذ وقت مبكر على أن هذه المصطلحات توضع عن طريق اشتقاق جديد من مادة عربية وبوزن عربى أو عن طريق  التغير الدلالى بإعطاء الكلمة دلالة اصطلاحية محددة أو عن طريق الافتراض المعجمى بقبول كلمات أجنبية عندما تتعذر الوسائل الأخرى. هذه الوسائل اللغوية متفق عليها عند المعجميين، وثمة خلاف محدود فى مدى قبول النحت فى المصطلحات وكانت هذه الوسائل قد طبقت فى تعريب المصطلحات عندما كانت العلوم الحديثة تدرس على مستوى التعليم العالى فى مصر ولبنان وتونس قبل 1881 قامت المجامع بعد هذا بعمل كبير ومع هذا كله، فإن ثمة اختلافا فى الإفادة من هذه الوسائل يجعلنا نجد فى بعض الحالات فروقا فى المصطلحات. كانت المجامع اللغوية قد نظرت- أيضاً- فى موضوع تيسير الكتابة العربية لأغراض الطباعة والاستخدام فى الآلات الحديثة، وهو موضوع طرح مع بداية الطباعة العربية ولوحظت جوانب قصور تجعل الطباعة العربية غير اقتصادية لأسباب تتصل بالحروف العربية وكثرة أشكال الحرف الواحد. لقد طرحت مشروعات كثيرة، ونوقشت هذه المشروعات، وقام العاملون فى دور الطباعة الكبرى فى بعض الدول العربية بجهودهم، واتضح اتجاه إلى تكامل كل هذه الآلات وعندما التقى خبراء يمثلون كل هذه التخصصات ببحوثهم فى هذا الموضوع فى ندوة عقدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالقاهرة 1978، اتضحت أسس العمل الهادف إلى تيسير الكتابة العربية. وبدأت آلات الطباعة تفيد من هذه الأسس وأصبحت أشكال الحروف العربية متجاوزة كل هذه الصعوبات وصالحة للاستخدام فى كل الآلات وفى مقدمتها الحاسبات. ولن يمضى وقت طويل حتى نجد الحرف العربى فى شبكات المعلومات قد دخل بوصفه حرفا وليس مجرد صورة. وأصبحت الحروف العربية قابلة للضبط بالتشكيل عندما نحتاج إلى الشكل، لم يعد ثمة اتجاه إلى هجر الحرف العربى واستبدال الحرف اللاتينى به، ولكن الاتجاه واضح والعمل التطبيقى هادف إلى تيسير الحرف العربى. والقضية الثانية التى شغلت بها المجامع اللغوية هى قضية تيسير النحو التعليمى ولكن هذا الموضوع تجاوز قضية قواعد النحو وطريقة عرضها ليصبح هدف الاتجاهات المعاصرة تنمية المهارات اللغوية عند التلاميذ والطلاب من أجل تمكنهم من الاستخدام الصحيح للعربية منطوقة ومكتوبة بدقة ومهارة وفاعلية. وفى هذا الصدد عقدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم سلسلة مؤتمرات عقدت بعمان ( 1974م )، والرياض (1977م  ) والجزائر ( 1983م ). وأخذت مجموعة من الأسس المنهجية تستقر فى تعليم العربية لأبنائها، منها أهمية الجانب الصوتى فى تعليم اللغات، ومنها أن اللغة عادة وقدرة تكتسب بالممارسة والتدريب ولا تكتسب بالتلقين النظرى، ومنها ضرورة التحديد الدقيق للمحتوى اللغوى، فلم يعد كافيا أن نهتم بالطريقة ونفصل المحتوى أو المادة التى تقدم، ومنها أيضا ضرورة الإفادة من التقنيات الحديثة فى تعليم العربية.

4- إن اللغة ذات وظائف شتى فى المجتمع، وإذا كنا نريد للغتنا العربية مكانتها اللائقة بها فى مجتمعاتنا فإن تكامل الأجهزة المعنية باللغة العربية. وخاصة المؤسسات التعليمية والإعلامية والإدارية، يصبح ضرورة أساسية، لا يجوز- على سبيل المثال- أن تكون قرارات المجامع بعيدة عن المتلقين، كما لا يجوز أن نتصور اللغة العربية مجرد مادة دراسية معرفية، فهى لغتتا التى تتطلب تنميتها ضرورة التخطيط اللغوى فى داخل كل دولة وعلى المستوى القومى وفى العالم الإسلامى. وقد بدأ العمل فى هذا الاتجاه، ولكنا ما زلنا بحاجة إلى عمل أكثر من أجل اللغة العربية الفصيحة المشتركة كى تصبح لغة حياتنا ولغة العلم والتقدم، إلى جانب كونها لغة الدين والثقافة الإسلامية ولهذا كله فإن التنمية اللغوية فى داخل الدول العربية عملية شاملة تتطلب خطة جادة ومؤسسات متكاملة وتنفيذاً مرحليا حتى يتحول الأمل إلى واقع وحتى تتحول الحياة اللغوية فى مجتمعاتنا شيئاً فشيئاً إلى النمط الذى وصلت إليه من قبل دول أخرى عرفت كيف تخطط للغاتها.

5- إن اللغات العالمية المعاصرة تستمد مكانتها من أهميتها الثقافية فى ضوء عدد الكتب من جانب وحركة الترجمة وعدد البحوث العلمية وحجم الإنتاج الإعلامى. يصدر فى الدول العربية كلها نحو عشرة آلاف كتاب سنويا، ثلثها- على الأقل- صادر فى مصر. تتضح هذه الأرقام من الكتاب السنوى الإحصائى الذى تصدره اليونسكو اعتماداً على بيانات الدول الأعضاء. وهذا الإنتاج يعد متميزا بالنسبة للدول الأفريقية والآسيوية، وهو من حيث مجموع ما ينشريتخذ المكان الثانى بعد الإنتاج المنشور باللغة الصينية. أما الإنتاج فى الهند فهو موزع بين الإنجليزية ولغات أخرى. والإنتاج الفكرى العربى له المكانة الأولى فى العالم الإسلامى كله. ولكن المقارنة مع اللغات العالمية الكبرى يعطينا نتائج مختلفة، فإنه أقل بكثير من الإنتاج الصادر باللغات الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية أو البرتغالية أو الإيطالية. وهنا نجد مشكلة كبيرة فى عصر انفجار المعرفة وثورة المعلومات، بل إن المقارنة تجعلنا نفكر فى قضية قلة الإنتاج العربى نسبيا بالمقارنة مع اللغات الكبرى وبالنظر إلى عدد أبناء اللغة العربية. وهناك جوانب شتى لقضية الكتاب العربى، نقتصر هنا على جانب منها وهو الجانب اللغوى،فإنتاج الكتب على المستوى العالمى متميز فى الدول التى تستخدم لغاتها فى كل مراحل التعليم وفى كل التخصصات وفى الإدارة وفى الإعلام على نحو يجعلها بلا منافس من اللغات الأخرى، ويجعل الدولة تعنى باللغة وبالإنتاج الفكرى وتجعل المواطنين يجدون بلغتهم مصادر المعرفة فى كل المجالات.

6- وحركة الترجمة فى الدول العربية تحتاج منا إلى بيان، فالمتوسط السنوى لمجموع ما يترجم فى الدول العربية نحو أربعمائة كتاب فقط، وهذا رقم قليل بالمقارنة ببعض دول العالم المعاصر. ويترجم إلى اللغة الألمانية ثمانية آلاف كتاب (8000) كتاب سنويا والى الفرنسية ثلاثة الآف وخمسمائة (3500) كتاب سنويا. هناك عدة دول يتراوح عدد الكتب المترجمة فى كل منها بين الألف والألفين سنويا، وذلك على نحو ما نجد فى: إيطاليا وبولندا وتركيا وبلغاريا. ومن هذا كله يتضح أن حركة الترجمة فى الدول العربية دون العدد المنشود، أما قيمة هذه المترجمات من حيث الدقة والمعاصرة فهذه قضية أخرى. ولهذا فإن دعم مكانة اللغة العربية فى العالم المعاصر يتطلب نهضة حقيقية فى التأليف والترجمة، فاللغة لا ترقى بأن نمدحها ولكنها ترقى بجهد أبنائها.

ثانيا.. اللغة العربية فى التعليم قبلى الجامعى:

1- حقق التعليم قبل الجامعى فى الدول العربية فى الخمسين عاما الماضية انتشاراً واسعاً واستوعب ملايين التلاميذ. وظهرت فى أثناء التطبيق مشكلات لغوية، وذلك بعد أن تعددت أنواع المدارس وتباينت مواقفها من اللغة العربية، وفى إطار تكوين مشترك لكل أبناء الدولة فإن مؤتمرات تطوير التعليم ناقشت الموضوع، وأكدت أهمية استعمال اللغة العربية لغة للتدريس العلمى فى كل أنواع المدارس ثم فى جميع مراحل الدراسة بالكليات والمعاهد العلمية والتقنية فى البلاد العربية، وطالبت بأن يصدر فى كل بلد عربى تشريع ملزم بذلك، وأن يكون البدء بتنفيذه فى السنة الأولى (الصف الأول) بتلك الكليات والمعاهد فى بداية  العام الدراسى التالى مباشرة لصدور التشريع، وأن ينص على أن يكون التنفيذ فى السنوات (الصفوف) التالية متتابعا عاما بعد آخر دون فواصل زمنية، مع إنشاء مركز لترجمة أمهات الكتب والمراجع اللازمة لتعريب التدريس فى الكليات والمعاهد العلمية فى إطار خطة خمسية شاملة.

2- اللغة العربية ليست مجرد مادة معرفية يجوز أن تعزل عن واقع المدرسة، ومن هنا تحدد مسئولية كل المدرسين فى كل المواد عن الاستخدام السليم للغة العربية. ومن هنا طالبت المؤتمرات بأن تكون اللغة العربية الفصيحة لغة تدريس جميع مواد المناهج المدرسية فى مختلف المراحل وأن تستقيم على ألسنة المعلمين والتلاميذ نطقا وكتابة فى جميع المواد الدراسية وفى جميع أنواع المدارس، وأن يتعمق الإيمان بدورها الكبير فى حفظ التراث الحضارى والوجود القومى وأن تبرز خصائصها وقدرتها على استيعاب العلوم والمعارف مهما تشعبت واتسعت، واتخذت الوسائل المختلفة للتطبيق. ويرتبط بهذا الاهتمام أن يكون المحتوى مما يدعم الانتماء الثقافى، ومن هنا ضرورة العناية بدراسة التاريخ العربى والإسلامى.

3- تدارس الخبراء مشكلة نوعية اللغة التى تستهدف فى مراحل التعليم العام ومستواها وذلك فى ضوء البحوث والتقارير التى قدمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ورأوا أن تستبعد استبعادا تاما أية فكرة أو طريقة تدعو إلى استخدام العامية فى التعليم أو إغفال التراث العربى، أو إلى تثبيت الواقع اللغوى الإقليمى، ويتم ترسيخ المهارات اللغوية العربية على نحو متدرج ومناسب، وذلك بأن يعتمد تعليم اللغة العربية فى بداية المرحلة الأولى على ألفاظ اللغة الفصيحة مما يشيع فى استخدام الأطفال، ويقترن ذلك بعملية إثراء للغتهم وتزويدهم بما هم فى حاجة إليه من الألفاظ والتراكيب التى تتلاءم مع مستواهم اللغوى والعقلى، ومن هنا أهمية أن يرتبط التعليم اللغوى بلغة العصر وألفاظ الحضارة  ويقترن ذلك باقتباس ما يشوق التلاميذ من التراث العربى، وما يلائمهم منه وما يربطهم به على نحو متدرج.

4- تضمنت الاتجاهات الحديثة فى تعليم العربية:

(أ) مراجعة كتب المواد الأخرى مراجعة لغوية لضمان سلامتها من الناحية اللغوية والتقريب بين مستوياتها ما أمكن ذلك.

(ب) يراعى فى تأليف الكتاب المدرسى العناية بالجانبين التربوى واللغوى إلى جانب العناية بالمادة.

(جـ) إجراء البحوث العلمية التى يتسنى بها وضع مقاييس يعتمد عليها فى توجيه مستويات هذه الكتب بعد أن حققت هذه البحوث نتائج واضحة فى كثير من البلاد المتقدمة.

(د) توجيه مزيد من العناية إلى إجراء التجارب والدراسات والبحوث العلمية التى يعتمد عليها فى بناء المناهج وتقويمها وفى تأليف الكتب واختيار أنجح أساليب التدريس.

(هـ) توجيه الجهود إلى توفير أدوات القياس الموضوعية التى تساعد على تحقيق أهداف الدراسة اللغوية وعلى أن يبدأ ذلك فى المجالات التى تثبت أنها صالحة لذلك لقياس الثروة اللغوية واستخدام القواعد النحوية والإملائية.

(و) توجيه مراكز البحث التربوى والمجامع اللغوية وغيرها من المؤسسات المتصلة بتعليم اللغة إلى مزيد من العناية بدراسة مشكلاتها ووضع الحلول لها.

5- أصبحت تنمية المهارات اللغوية العربية هدفا مستمرا فى كل مراحل التعليم، ومن هنا تأكيد أهمية أن تستمر دراسة القواعد النحوية وتطبيقاتها حتى نهاية المرحلة الثانوية وأن تعنى التطبيقات النحوية بالاختيار من النصوص الأدبية فى المرحلتين الإعدادية والثانوية، وأن تجرى تجارب ميدانية لاختيار إحدى الطرق الحديثة وبناء الدرس عليها. وفى هذا الإطار ينبغى وضع قرارات مجمع اللغة العربية فى تيسير النحو التعليمى موضع التنفيذ.

6- الصلة بالتراث الأدبى وبالأدب العربى المعاصر تتحقق بدرجات متفاوتة

فى الدول العربية المختلفة. هناك اتفاق على أن تتركز الدراسة الأدبية فى المرحلة الإعدادية على نصوص مختارة تشمل ظواهر أدبية وثقافية واجتماعية من مختلف العصور، وتهدف الدراسة الأدبية أيضا إلى تنمية التربية الخلقية والنزعة الجمالية لدى التلاميذ وربطهم بصور مشرقة من أدبنا العربى فى مختلف عصوره، وبذلك تقوم الدراسة فى المرحلة الثانية على النصوص الأدبية المختارة من العصور المختلفة مع التركيز على التحليل الفنى، وعلى النواحى التذوقية الجمالية، وتقدم للطلاب فى نهاية المرحلة دراسة تمكنهم من معرفة معالم العصور الأدبية والعوامل التاريخية والاجتماعية المؤثرة فيها، وأن يكون أساس الدراسة الأدبية التذوق والتحليل من الناحيتين الاجتماعية والجمالية. ولكن التفاوت كبير بين الصفحات القليلة المقررة فى بعض الدول العربية والطموح إلى قراءة التلاميذ عدداً من الكتب الكاملة فى طبعات مدرسية مختصرة، على نحو ما تصنع مؤسسات تعليمية فى بعض دول العالم بهدف تعريف الطلاب بالآداب الأجنبية من خلال أعمال كاملة أو طبعات مدرسية مختصرة، يجعل التفكير فى هذا الموضوع أمرا مهما.

7- تاكدت أهمية الوسائل الحديثة المستخدمة فى مجال تعليم اللغات، واتضحت ضرورة الأخذ بها فى تعليم اللغة العربية، وفى هذا الصدد ينبغى إعداد وسائل تعليمية للمجال اللغوى للانتفاع بها فى تعليم اللغة العربية. وهذا جانب مهم ثبتت فاعليته فى جعل التعليم سهلاً ومفيداً. إن اللغة ظاهرة منطوقة ومسموعة، ومن ثم فإن تقديم المادة اللغوية من خلال التقنيات السمعية والبصرية يجعل استيعابها سهلا وييسر قراءتها بعد ذلك. ومن هنا أيضا أهمية لإفادة المتزايدة من التقنيات المتقدمة فى إنتاج البرامج التعليمية الجادة بلغة عربية سليمة، وليس من خلال عامية محلية.

8- تضمنت توصيات مؤتمرات مجمع اللغة العربية بالقاهرة فى السنوات ( 1996م  2000م):

(أ) الحرص على أن يلتزم المعلمون فى تخصصاتهم المختلفة بدءاً بالحضانة وانتهاء بالجامعة باستخدام اللغة العربية السليمة فى دروسهم ومحاضراتهم بوصفهم الرواد فى تربية النشء ورجال المستقبل.

(ب) العناية الكاملة بتعليم اللغة العربية فى جميع مراحل التعليم، مع تيسير القواعد للناشئة والاستعانة فى ذلك بما أقره المجمع من تيسير وتبسيط لتلك القواعد. ويلتزم المعلمون بدءً ا من الحضانة وانتهاء بالجامعة باستخدام اللغة العربية السليمة فى الدروس والمحاضرات. أما العناية بتعليم اللغات الأجنبية فلا يجوز أن تطغى على تعليم العربية اللغة الوطنية والقومية الأم.

(جـ) زيادة عدد الساعات المخصصة لتدريس اللغة العربية بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، مع تيسير القواعد للناشئة، والاستعانة بما أقره المجمع من تيسير لتلك القواعد.

9- إن الرؤية المستقبلية لتطوير تعليم العربية فى التعليم قبل الجامعى لابد

أن تؤكد أهمية اللغة الوطنية وقيم الانتماء، وأن ذلك يتكامل مع العناية باللغات الأجنبية، ومن الضرورى عدم خلط الأدوار.

 10- من المهم قبل إحداث تغيير شامل من أجل مزيد من العناية باللغة العربية فى المدارس اتخاذ كل ما يلزم بهدف ضمان رفع المستوى اللغوى والأدبى والمهنى للمدرسين من خلال مسابقات منظمة تدعمها دورات تدريبية جادة ومواد تعليمية راقية.

11- فى إطار إعادة النظر فى تنظيم المناهج يمكن التفكير فى جعل اللغة العربية مادة تركز على الجوانب اللغوية (الكتابة، النحو، القراءة، المعاجم، الإملاء، التلخيص) وتكون هذه المادة مستقلة عن مادة أخرى هى الأدب (العربى والعالمى)، وذلك على نحو ما يتم فى بعض الدول العربية.

   ثالثا.. اللغة العربية فى التعليم الجامعى:

1- التعليم العالى فى مصر الحديثة كان باللغة العربية فى بداية النهضة الحديثة، ثم تحوّل إلى الإنجليزية فى عهد الحكم البريطانى واستمر التدريس بالإنجليزية أو بخليط من الإنجليزية والعربية فى بعض التخصصات العلمية والطبية، وذلك على الرغم من قانون تنظيم الجامعات وجهود مجامع اللغة العربية التى أصدرت توصيات متكررة فى هذا الصدد. وهى توصيات موجهة إلى الحكومات العربية بالعمل على تعريب التعليم الجامعى إعمالا للنص الوارد فى قانون الجامعات حتى لا تظل جامعات الأمة العربية الجامعات الوحيدة فى العالم التى تدرس العلوم بلغة أجنبية. وفى كثير من المناقشات فى هذا الصدد يكون النسق المقترح هو التعليم باللغة العربية مع العناية بتعلم لغة أجنبية أو أكثر، وقراءة الدراسات بها أو بهما على نحو ما يتم فى دول العالم الكثيرة التى تعلم بلغاتها الوطنية، مع التأكيد أن تعريب التعليم الجامعى والعالى هادف إلى أن يعود إلى الأمة العربية مجدها العلمى على أيدى علمائها الجامعيين، وحتى يستطيع الشاب بلغته العربية "الأم" تمثل ما يدرسونه من العلوم تمثلا دقيقا.

3- هناك مرحلة انتقالية اقترحت فى سبيل زيادة التعامل العلمى باللغة العربية بشكل متدرج إلى أن يتم تعريب التعليم العالى والجامعى فى الكليات والمعاهد العليا والتقنية. وهذه المرحلة الانتقالية تتضمن تخصيص ساعات محددة لدراسة اللغة العربية فى الكليات العلمية والإنسانية وفق برنامج مخطط فى تعليم العربية فى مجال التخصص، حتى يألف الطلاب استخدام العربية فى مجالات تخصصهم ويتوقف نجاح الطالب فى دراسته الجامعية على اجتيازه امتحانا خاصا فى هذه اللغة.

3- قامت مجامع اللغة العربية بجهود كبيرة فى سبيل وضع المصطلحات وتوحيدها فى مجالات العلوم والفنون المختلفة. وإذا ما كان التوجه جادا نحو استخدام العربية، فهنا يكون دور مجامع

1- اللغة العربية أن تصدر معجمات متوسطة، تتداول فى جميع البلاد العربية وبخاصة فى جامعاتها. ومؤسساتها العلمية والفنية. وهذه المعاجم من شأنها العمل على توحيد المصطلحات العلمية فى جميع البلدان العربية حتى تزول البلبلة الناشئة فيها بسبب ما تصنعه بعض الهيئات وبعض الأفراد من وضع معاجم اصطلاحية لا تخضع المصطلحات فيها لمناهج علمية دقيقة وينبغى أن يعهد بهذا التوحيد إلى هيئة يشرف عليها اتحاد المجامع اللغوية، ويعاون فى هذا الصدد مكتب تنسيق التعريب بالرباط التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ويكون عمل المكتب التنسيق بما فى ذلك عقد الاجتماعات بين اللجان المتناظرة فى المجامع العربية للاتفاق على المصطلحات المشتركة فى جميع الدول العربية.

4- هذه المعاجم  التى أوصى مجمع اللغة العربية بعملها من أجل تعريب التعليم الجامعى هى معاجم تضم المصطلحات مصحوبة بتعاريف محددة لها بجانب ما أصدرت منها، وتتناول أيضاً علوم العصر الحديثة كعلوم الهندسة الوراثية، والتكنولوجيا الحيوية، والإلكترونيات، وعلوم البيئة، والمحيط الجوى، وعلوم الحاسوب، والاتصالات، والمعلومات، وعلوم الفضاء.

5- أصبح من الضرورى إعادة النظر فى أشكال إتاحة المصطلحات، فإن الزمن الواقع بين إقرار مجموعة المصطلحات وطبعها على الورق فى مجلدات وتداولها فى الدول العربية يمكن اختصاره بشكل واضح إذا تمت الإفادة من التقنيات الحديثة. لقد أنجزت مجامع اللغة العربية وكذلك مكتب تنسيق التعريب

فى مؤتمرات التعريب معجمات كثيرة، طبعت وأصبح الحصول عليها مجتمعة مطلباً متعذراً. وقد بدأت الإفادة من الأقراص المدمجة فى تسجيل المصطلحات التى أعدها مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وتعاون فى التنفيذ المكتب الإقليمى لمنظمة الصحة العالمية. وهكذا تم إدخال مائة وخمسين ألف مصطلح على قرص مدمج. والأمل كبير فى إتاحة المصطلحات على نحو يسهل استدعاء المصطلح طبقا للمدخل العربى أو الإنجليزى أو الفرنسى، مع بيان التخصص أو التخصصات التى يستخدم فيها المصطلح. ويكون إنتاج هذا القرص المدمج فى إطار يحقق تداوله على أوسع نطاق فى الدول العربية كلها، ودون أن تتحمل المجامع نفقات الإنتاج والتوزيع.

6- من المهم فى المستقبل القريب إدخال هذه المصطلحات فى شبكة المعلومات الدولية (Inter-Net) على نحو يسهل الحصول عليها فى كل أنحاء العالم. إنه فى عصر التنمية الثقافية وسيطرة وسائل الاتصال الجماهيرية وانتشار التقنيات المتقدمة للمعلومات يصبح الاستخدام المتزايد للمصطلحات الموحدة مطلباً أساسياً فى إطار خطة واضحة للدعوة إلى استخدامها فى المجالات المختلفة: الكتب العلمية الأساسية المترجمة والمؤلفة، المطبوعات الخاصة بالاتجاهات المعاصرة فى العلوم، البرامج المصورة فى العلوم، المواد الإعلامية المعدة للبث عن طريق الشبكات الفضائية والأقمار الصناعية. وهنا يكون دور وسائل الاتصال الجماهيرية حاسماً فى استخدام المصطلحات.

7- المصطلحات لها أهميتها فى التكوين المهنى لفئات من المتعاملين باللغة، وفى مقدمتهم المترجمون المتخصصون ومؤلفو الكتب المدرسية والثقافية ومعدو البرامج الإعلامية ومحررو الموسوعات والمعاجم. ومن هنا تتطلب المرحلة الجديدة تخطيط برامج فى علم المصطلح ذات أهداف تخصصية محدة، وذلك فى نسق التكوين المهنى والتدريب.

8- إن أهمية الترجمة فى تحقيق التقدم من خلال تعرف ما عند الآخرين قضية بالغة الأهمية إلى جانب التعريب  وإعطاء اللغة العربية مكانها الصحيح، ومن هنا أوصت مؤتمرات مجمع اللغة العربية بالعمل على أن تنشأ هيئة كبرى للترجمة تضع خطة محكمة لترجمة العلوم والتكنولوجيا الغربية، مع ملاحظة التطورات العصرية فيهما، خدمة لتعريب التعليم الجامعى. ويلحق بهيئة الترجمة معهد لتدريب طبقة من المترجمين الممتازين الذين يتقنون ترجمة العلوم والتكنولوجيا إلى اللغة العربية، وبالمثل نقل التراث العربى وبخاصة معانى القرآن الكريم والسنة إلى اللغات العالمية الذائعة. وأن توضع لهذه الهيئة المقترحة خطة لترجمة أمهات كتب العلوم البحتة والتكنولوجيا الحديثة. حيث تلاحق التطورات العلمية والتكنولوجيا العصرية، وتحقق فى الوقت نفسه فوائد كبرى فى مجال تعريب التعليم الجامعى والعالى.

رابعا.. اللغة العربية فى الإعلام:

1- كان للصحافة العربية دور حاسم فى تكوين آلاف الكلمات الجديدة وجعل كلمات قديمة تؤدى دلالات مستحدثة تتطلبها الحياة الحديثة والنظم الجديدة والمفاهيم المستحدثة وألفاظ الحضارة العصرية. ولكن مشكلة التفاوت الكبير فى مستويات اللغة فى وسائل الإعلام وابتعاد التليفزيون فى كثير من برامجه عن الفصحى المعاصرة جعل المهتمين باللغة العربية المقتنعين بأهمية الدور الذى يمكن أن ينهض به الإعلام فى التنمية اللغوية يطالبون بأن يعمل وزراء الإعلام، فى مصر والبلاد العربية على أن يكون الإعلام جميعه باللغة العربية الفصيحة السليمة، لا بالعامية، وبخاصة فى الإذاعتين: المسموعة والمرئية، وفيما يذاع فيهما من مسلسلات تمثيلية، إذ العربية الفصيحة لغة العلم والتعليم والثقافة ولغة القرآن الكريم وقوام وحدتنا العربية. وهذا المطلب يمكن أن يكون ركنا من أركان سياسة لغوية للإعلام تنفذ لإحداث تغير لغوى محدد الهدف وعلى مراحل متدرجة، وذلك حتى نصل بالمجتمع من خلال وسائل الإعلام إلى المستوى المنشود. وقد عرفت دول أوروبية أهمية استخدام اللغة الفصيحة المشتركة على مسارح الدولة وفى المسلسلات التليفزيونية والإذاعية، وحان الوقت للتخطيط الجاد لذلك على نحو متدرج وطبقا لخطة لغوية واضحة الأهداف والمراحل. وكان مجمع اللغة العربية بالقاهرة قد أكد فى أكثر من مؤتمر له على أهمية الالتزام باللغة العربية السليمة فى جميع وسائل الإعلام المقروءة وفى الإذاعتين المسموعة والمرئية وفى مسارح الدولة وبخاصة فى السلاسل الإذاعية القصصية. وينبغى أن يعمل الإعلام على حماية العربية السليمة لغة الفكر والثقافة والأدب والعلم والدين من كل ما يعوق تعلمها ونشرها القويم فى الأمة.

2- التدريب اللغوى للعاملين فى وسائل الإعلام له أهمية متزايدة فى إطار الحرص على الأداء اللغوى السليم. وقد عبر مجمع اللغة العربية فى أكثرمن مؤتمر له عن ذلك وأوصى بأن تعنى وزارات الإعلام وهيئات الإذاعتين المسموعة والمرئية بإعداد دورات تدريبية للعاملين فيها لتدريبهم على الضبط الإعرابى والنطق السليم. إن الوعى بالدور اللغوى لوسائل الإعلام بالمعنى الشامل يجعل هذا التدريب المكثف أساساً لعمل من يظهرون بأصواتهم أو بصورهم، وهو أكثر أهمية لمن يعملون بأقلامهم فى وكالات الأنباء محررين ومترجمين ولمن يعملون فى إعداد المواد الإعلامية المختلفة. التدريب هنا يتنوع ويتكامل ليلبى كل المتطلبات اللغوية المنشودة فى هذا العمل.

3- الخطابات الرسمية والبيانات الدورية التى يلقيها المسئولون من رجال الدولة والشخصيات العامة للغتها أثر كبير فى تحديد ملامح الحياة اللغوية فى الدولة. ومن هنا فإن عدة مؤتمرات لمجمع اللغة العربية أكدت أهمية أن يحرص رجال الدولة وجميع المسئولين فى البلاد العربية على استخدام اللغة العربية الفصيحة فى خطبهم وبياناتهم الموجهة إلى الجماهير بلغة عربية سليمة. وهذه الخطابات والبيانات تعد من أهم ما تنقله وسائل الإعلام المختلفة.

خامسا.. تعليم اللغة العربية فى العالم الإسلامى:

1- ظلت اللغة العربية على مدى عدة قرون أهم اللغات فى العالم الإسلامى، ارتبط انتشار اللغة العربية بدخول الإسلام إلى أقاليم إفريقيا وآسيا، فأصبحت لغة الثقافة والعلم والتأليف. ظلت اللغات الوطنية والمحلية والكثيرة مستخدمة فى الحياة اليومية، ولكن اللغة العربية كانت لغة العلم والتأليف فى أقاليم واسعة من العالم الإسلامى. ويكفى أن ننظر فى كتاب المستشرق الألمانى كارل بروكلمان عن التراث العربى لنجد فصولا كثيرة عن التأليف باللغة العربية على مدى عدة قرون فى إيران وتركيا وشبه القارة الهندية والملايو وشرقى إفريقيا وغربى إفريقيا، إلى جانب التأليف باللغة العربية فى الأقاليم العربية من العالم الإسلامى. وهكذا عرفنا مؤلفين من الهند، مثل التَهاَنَوى صاحب كشاف اصطلاحات الفنون، ومن غرب إفريقيا مثل عثمان دان                                                                                                                                                                                                                                                                              التهانوى عاش وتعلم وألف بالعربية فى الهند، وعثمان دان فوديو ألف بالعريية فى غرب إفريقيا، وحاجى خليفة عاش وألف بالعربية فى تركيا. وهؤلاء لا يمثلون حالات خاصة، بل يمثلون اتجاها كبيراً للتأليف بالعربية فى كل أنحاء العالم الإسلامى إلى جانب اللغات المحلية. لقد تغير الموقف فى عهد الاستعمار الأوروبى، ولكن استقلال دول العالم الإسلامى جعل هذه الدول تعيد النظر فى النظم الموروثة فى العهد الاستعمارى، وهناك خطط كثيرة فى عدد كبير من الدول لجعل اللغة العربية مادة دراسية، وحدث تقدم كبير فى هذا المجال فى ربع القرن الماضى فدخلت العربية فى المدارس الحكومية فى عدد كبير من دول العالم من ماليزيا شرقا إلى نيجيريا غربا.

3- اهتمت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بقضية تعليم العربية لغير الناطقين بها منذ 1974. كان إعداد المتخصصين فى تعليم العربية لغير الناطقين بها أول التحديات، ومن الفكر الرشيد أن بدأ التفكير بإعداد هؤلاء المتخصصين وكلفت بذلك، وتم وضع خطة الدراسة لتحقيق الأهداف المختلفة والتكوين العلمى المتكامل والتدريب المناسب مع التوازن بين الجانب التقنى والجانب الثقافى. كانت الأهداف متنوعة، فالمعهد على مستوى الدراسات العليا، يتخرج فيه خبراء بعضهم سيعمل فى التدريس أو التوجيه أو تأليف الكتب أو إعداد المواد السمعية والبصرية أو إعداد البحوث أو التخطيط. وهذا العمل متعدد الجوانب، ولهذا كان التكوين العلمى ذا شق من علم اللغة الحديث بمقررات فى الأصوات وبناء الجملة والدلالة والمعجمات، وذا شق آخر من الدراسات التربوية والنفسية وثيقة بتعليم اللغات، واهتمت الخطة بالجانب الثقافى فوضعت مقررات عن الثقافة العربية فى إفريقيا وعن الثقافة العربية فى آسيا، ولما كان المعهد يقبل طلابه من العرب وغير العرب فقد خصصت مقررات متوازية لكل مجموعة، يتقن غير العرب اللغة العربية ويتعلم العرب لغات أخرى، وكان التدريب العملى مجالا للتطبيق المباشر وللتكامل فى الجهود. وقد قامت فى ربع القرن الماضى معاهد مماثلة فى الرياض وفى عدد من العواصم العربية، كانت قد قدمت إلى كليات الآداب والتربية بجامعات كثيرة رسائل جامعية تتناول قضايا تتصل بتعليم العربية لأبناء اللغات  الأخرى.

3- اهتمت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ثم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بموضوع تعليم العربية فى العالم الإسلامى. وتعد هذه المشروعات من أهم أعمال المنظمتين، بهدف التخطيط المنظم لنشر اللغة والثقافة. العربية فى الخارج بخبرة عربية متنوعة ومتكاملة. كتبت دراسات ميدانية عن الخبرات العالمية للدول الكبرى فى نشر لغتها وثقافتها فى الخارج، وكتبت دراسات عن الخبرة الألمانية والخبرة البريطانية والخبرة الفرنسية والخبرة الروسية، ومن الجانب الآخر تمت دراسة ميدانية لجهود الدول العربية فى داخل أراضيها أو خارجها فى مجال تعليم العربية لغير الناطقين بها، وفى ضوء هذا كله قامت حركة واعية لدعم جهود الدول العربية وتلبية حاجات الدول التى تنشد العون فى هذا المجال، وتم تقديم الخبرة لدول كثيرة، وتم التخطيط لمشروعات كبرى. وكان لهذا المناخ الجديد أثره فى عناية أكثر الدول العربية بقضية تعليم اللغة العربية على أساس منظم. وهكذا تمت مئات المشروعات فى دول كثيرة: تدريب المعلمين، تدريب المؤلفين، إعداد الكتب، وضع المناهج، إنشاء أقسام جامعية.

4- إن مشكلات كثيرة ما زالت تتطلب عملاً كبيراً فى هذا المجال، فالجامعات العربية لا تنظم برامج كافية لإعداد العدد المناسب من المتخصصين فى تعليم العربية لغير الناطقين، فهناك نقص فى هذا التخصص، ويعكس هذا الموقف بالتالى نقص المواد التعليمية والثقافية وقلة المعجمات، وإن النظر فى الكتب والوسائل المتاحة لتعليم لغات أخرى يجعلنا نطالب أنفسنا بجهد أكبر فى هذا المجال.

5- وأهم ما تم فى مصر فى السنوات الماضية (1990- 2000) كان إنشاء عدة مراكز، منها مركز اللغة العربية بجامعة القاهرة ومركز تعليم اللغة العربية للأجانب بجامعة الإسكندرية. يعد قيام الصندوق المصرى للتعاون الفنى مع دول الكومنولث بوزارة الخارجية علامة مهمة فى هذا الصدد، لقد اهتم الصندوق بالتخطيط للنهوض بتعليم اللغة العربية فى دول شرقى أوروبا ووسط آسيا. لقد نفذ مركز اللغة العربية بجامعة القاهرة للصندوق أكثر من خمس وعشرين دورة تدريبية مكثفة لدارسين وباحثين وأساتذة من كل دول هذه المنطقة، مع تقديم المواد التعليمية والكتب والمراجع إلى جانب المشورة الفنية لإنشاء أقسام للغة العربية فى جامعات تلك الدول.

6- لقد اتضحت الاتجاهات الآتية فى العمل الهادف إلى النهوض بتعليم اللغة العربية لأبناء اللغات الأخرى.

(أ) تنسيق الجهود التى تبذلها المؤسسات التى تعمل من أجل مساعدة المسلمين فى إفريقيا وآسيا وباقى أنحاء العالم على تعلم العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والثقافة العربية الإسلامية واللغة القومية للأمة العربية.

(ب) دعم أشكال التعاون الثنائى والدولى الهادفة إلى نشر اللغة والثقافة العربية فى الخارج.

(جـ) إعداد معلمى اللغة العربية لغير الناطقين بها وتدريبهم.

(د) إعداد الكتب والمعاجم والوسائل التعليمية.

(هـ) تنظيم الدورات اللغوية: إعدادها والتخطيط لها والتقويم.

( و) عمل البحوث اللغوية وثيقة الصلة بتعليم العربية لغير الناطقين بها.

(ز) مساعدة أبناء الجاليات العربية المقيمين خارج الوطن العربى والاهتمام بالمدارس العربية فى الخارج سواء أكانت مدارس جاليات أم مدارس مشتركة وإنشاء مدارس عربية جديدة، ودعم البرامج التعليمية للعربية فى المدارس غير العربية.

(حـ) دعم الجهود الهادفة إلى تعليم العربية لأبناء الدول الأجنبية الراغبين فى التفاهم المباشر مع العرب عن طريق تعلم لغتهم والاطلاع على ثقافتهم.

(ط) العناية بتعليم العربية فى الأقطار غير الناطقة بها بوصفها لغة حضارة عالمية ووسيلة للتعاون الثقافى الدولى.

(ى) دعم دور اللغة العربية بوصفها إحدى لغات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

(ك) مساعدة الدول الأفريقية والآسيوية على استئناف صلتها باللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية.

(م) المحافظة على استعمال الحرف العربى فى كتابة لغات العالم الإسلامى فى إفريقيا وآسيا.

(ن) دعم الدراسات العربية فى الجامعات فى إفريقيا وآسيا وباقى أنحاء العالم بناء على دراسات ميدانية دقيقة واعتماداً على مصادر يطمئن إليها.

سادسا.. آفاق المستقبل:

1- إن آفاق المستقبل اللغوى للمنطقة العربية تتحدد فى إطار وعى جديد بأهمية التنمية اللغوية على مستوى الدول العربية كلها فى اتجاه العربية الفصحى لغة للتعليم والعلم والإعلام والإدارة، ويتطلب الأمر تحديد الأهداف واتخاذ الوسائل لتحقيقها على مستوى الدول العربية.

2- ضرورة وضع سياسة لغوية واضحة الهدف تسهم فى تنفيذها المؤسسات التعليمية والإعلامية، فالملاحظ أن وسائل الإعلام فى الوطن العربى بالرغم من الدور الذى تقوم به فى خدمة اللغة العريية- فإن بعض ما تقدمه يتعارض مع ما تبنيه المدرسة، وذلك بما تشيع من العامية فى الصحيفة والمجلة والإذاعة المسموعة والمرئية، وذلك أن الجو العام فى بعض البلاد العربية يتسامح فى الحفاظ على اللغة العربية بما يأذن به من رفع اللافتات والشعارات باللغة الأجنبية، أو بتقديم اللغة الأجنبية على اللغة العربية، ولذا فمن الضرورى أن يتعاون التربويون واللغويون والمختصون بالإعلام، لدراسة هذه الظاهرة ومعالجتها على الصعيد الوطنى.

3- إن الإفادة من الإمكانات المعاصرة السمعية والبصرية تعد من الوسائل الفعالة لجعل العربية ذات أبعاد اجتماعية صريحة، وغنى عن البيان إعداد مزيد من اللغويين والتطبيقيين والمترجمين لتلبية الحاجات المعاصرة. وكل دعم لحركة النشر والترجمة هو إسهام لجعل اللغة العربية معبرة عن حضارة العصر، كما عبرت عن الحضارة الإسلامية على مدى عدة قرون.

4- إن مستقبل اللغة العربية مرتبط أيضاً بدعم وجود اللغة العربية فى المناطق ذات اللغات المحلية فى بعض الدول العربية. ونعنى بها مناطق شمال العراق وجنوب السودان ومناطق البربر الأمازيغ فى دول المغرب. فكل جهد يبذل من أجل نشر العربية فى هذه المناطق دعم لوحدة هذه الدول، وكل إهمال فى هذا الاتجاه يقوى اتجاهات العزلة بين هذه المناطق وباقى الدولة، وهناك تجارب عربية وعالمية توضح أن اللغة مفتاح فهم هذه القضية وأداة معالجتها.

5- إن مستقبل اللغة العربية مرتبط أيضاً- بأن نخطط للغتنا برؤية عالمية وأن نحدد مكانتها ومشكلاتها برؤية عالمية أيضاً إن نسبة الإنتاج العربى من الكتب ونسبة الترجمات العربية إلى مجموع الإنتاج العالمى تعد نسبة ضئيلة بكل المعايير. ولهذا فإن مستقبل اللغة العربية يتحدد بدعم التأليف بالعربية وبدعم حركة الترجمة إلى اللغة العربية. وما لم يحدث تخطيط شامل وحل لمشكلات التأليف والترجمة فلن يحدث دعم لمكانة العربية. إن الإنسان المعاصر يقبل على لغة بعينها بقدر ما تقدم له من معرفة. يتطلب هذا الجانب الثقافى بحثا وتخطيطا وتطبيقا، وهناك دول نامية كثيرة سبقتنا على الرغم من ظروفها المتواضعة فى هذا الاتجاه.

6- إن اللغة ليست كيانا منفصلا ينمو وحده نمواً ذاتياً، ويحمل مسئولية نفسه، ولكنها ظاهرة اجتماعية ترتبط بالإنسان وتتفاعل مع كل مظاهر حياته، فاللغة العربية لا ترقى بأن نمدحها ونبالغ فى مدحها، ولكنها ترقى بجهود أبنائها فى العلم والحضارة والإنتاج، فقيمة اللغة تستمد فى المقام الأول من قيمة أبنائها، وقد أثبتت تجارب العالم أن  التخطيط اللغوى ممكن وفعال، وأن المعاصرة ضرورة، وأن الوعى اللغوى مهم لتنفيذ خطة لغوية واضحة. فهل نصل إلى هذا الوعى اللغوى ونحن فى بداية القرن الحادى والعشرين؟ هذه هى القضية اللغوية، وذلك هو التحدى الحضارى أمام اللغة العربية فى التعليم والإعلام.
      

المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية