العربية والتعريب

أ. جهاد فاضل

     لا تؤدي صعوبة اللغة الوطنية أو افتقادها إلى القاموس العلمي المعاصر، إلى عدم تدريس العلوم المعاصرة بها، فاللغة الصينية، ومثلها اللغات اليابانية والكورية والهنغارية، من أصعب اللغات على وجه الأرض، ولكن صعوبة هذه اللغات لم تدفع بأبنائها، أو بالمسؤولين عنها، الى إبعادهاعن تدريس العلوم في المدارس والجامعات، فالطب في الصين، وفي اليابان، وكوريا، وهنغاريا، يدرس باللغات الوطنية لهذه البلدان، وكذلك بقية العلوم الحديثة.

ولم يُدل أحد من أبناء هذه البلدان، في بداية تدريس العلوم باللغة الوطنية، ان القاموس العلمي في هذه اللغات، يفتقر إلى المفردات العلمية الحديثة الشائعة في بلدان الحضارة،ومن أجل ذلك يتعين تدريس العلوم باحدى اللغات العالمية المتقدمة، بل اتخذ المسؤولون في هذه البلدان قرارا سياسيا أدى مع الوقت الى تدريس العلوم باللغة الوطنية، وبالتالي إلى التأليف والابداع بهذه اللغة دون سواها.

طبعاً ترافق اعتماد اللغة الوطنية كلغة لتدريس العلوم قرار آخر، صريح أو ضمني، يقضي بالانفتاح المتواصل على المرابض الأساسية للعلم والمعرفة في زماننا الراهن. وهي هنا، وبالتحديد، اوروبا والولايات المتحدة. ويتخذ هذا الانفتاح في العادة شكل البعثات والاطلاع الدائم على الدوريات والكتب العلمية الأجنبية، كما يتخذ أشكالا أخرى منها الترجمة التي باتت من لزوميات كل لغة، بما فيها اللغة الانكليزية، وهي أم اللغات العلمية اليوم، ولكن بالرغم من تقدم هذه اللغة، ومن تعذر اللحاق بانجازاتها العلمية، وخصوصا بالترجمة منها، فان احدا لم يرفع الصوت في الخارج بضرورة اعتمادها كلغة للطب والعلوم.

وقد كان يفترض بالدولة العبرية التي خرجت في الأساس من رحم الانكليز، وماتزال تعيش في غرفة العناية الانكليزية والاميركية الفائقة، أن تعتمد منذ العشرينات، عام انشاء الجامعة العبرية في القدس، ثم عام 1948عام انشائها وهي ذاتها، اللغة الانكليزية كلغة علمية، خاصة وأن اللغة العبرية لغة رثة، الا أن الاسرائيليين رموا جانبا هذه الفكرة رغم الكثير من أسبابها الموجبة، لقد آثروا العودة الى لغتهم الأصلية التي كانت هجرت وفسدت، فأحيوها واعتمدوها لغة وطنية لكل مناحي الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية، والواقع أن علماء اللغات المعاصرين، ما زالوا في حالة ذهول الى اليوم لقرار الاسرائيليين هذا، فاللغة التي احيوها لغة هزيلة بائسة عفت عليها القرون ولا قبل لها باستيعاب مجالات العقل والعلم والوجدان. ولكنهم أصروا على اعتمادها لأسباب كثيرة منها شعورهم بأن القوم الذين لا لغة وطنية لهم لا حاضر ولا مستقبل، وهاهي اللغة العبرية لغة حية نشطة يكتب بها الكاتب والباحث والأديب وتؤلف بواسطتها كتب في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وسائر العلوم الانسانية، وانطلاقا منها يسجل الاسرائيليون أحدث الاختراعات والانجازات العلمية.

وتقول الدراسات الحديثة أن من يدرس العلوم بلغته الوطنية، هو يستوعب هذه العلوم أفضل مما يستوعبها من يدرسها باللغة الأجنبية، كما يمكنه أن يعبر بصورة أفضل عما استوعبه وفهمه، بل أن من العلماء من يعتبر أن الدخول إلى عالم اقتصاد المعرفة متعذر بغير اعتماد اللغة الوطنية، وهكذا فان التعريب، بالنسبة الينا، هو شرط مثل هذا الدخول، وبدونه لا رقي للعقل والوجدان، ولا عودة إلى التاريخ من جديد.

إن تدريس العلوم باللغة العربية من شأنه أن يحدث ثورة علمية في عواصمنا ومدننا وقرانا، وفي مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا بالدرجة الأولى، ان تدريس العلوم باللغة العربية من شأنه أن يشيع العلم والتفكير العلمي عندنا فالكتاب العلمي الذي يصدر بالعربية في وقتنا الراهن، يكاد لا يلتفت اليه أحد ولكنه عندما يصبح مقررا من مقررات التدريس الثانوي والجامعي، سيصبح أكثر انتشارا من الكتاب الأدبي، ومع الوقت سوف يكون العلم لا مادة تدريس، بل حياة تعاش وحقيقة ترى بالعين المجردة.

ولكن كل ذلك يحتاج الى قرار سياسي عربي مركزي له سبب موجب واحد، هو المصالح العليا للأمة العربية والاسلامية.

الرياض