اللغة العربية ومكانتها

أ. حورية منت أهل داوود

للأسف الشديد الكثيرون من المسلمين الذين ليست لديهم ثقافة إسلامية يعتبرون اللغة العربية ـ لغة الضاد ـ هي رمز التخلف، إنهم واهمون حقا ويجهلون تماما تاريخ هذه الأمة العربية والإسلامية.
ألا يدركون أنهم بهذا الفكر يحاربون دينهم وقوميتهم بأنفسهم؟ ألا يعلمون أن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ و التاريخ صفة للآمة. واللغة الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية, وانسلاخ الأمة من تاريخها. كما يقول مصطفى صادق الرافعي.
واللغة هي الترسانة الحقيقية التي تبني الأمم وتحمي كيانها. يقول فوسلر: "إن اللغة القومية وطن روحي يؤوي من حرم وطنه علي الآرض.   ويقول الفيلسوف الالماني فيخته: " اللغة تجعل من الآمة الناطقة بها كلاما متراصا خاضعا لقوانين , إنها الرابط الحقيقي بين عا لم الاجسام وعالم الآذهان ." واللغة فكر ناطق, والتفكير لغة صامتة واللغة هي معجزة الفكر الكبرى .
وهنا ك من لم يتح له إدراك اللغة العربية وتمييزها عن غيرها من اللغات فهو إما جاهل ولاحيلة لنا مع الجاهل إلا بالإعراض عنه, و إما صاب بالتقليد الأعمى للغرب وهذه هي العبودية العقلية التي نعاني شرورها هذه الآيام .
وقد كان سلف الأمة وقادتها يحرصون علي التوعية بأهمية الإلمام باللغة العربية حيث يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة" كما كانوا يؤدبون أبناءهم على اللحن, ما أحسن ما قاله الشاعر عبد الرحمن الغشماوي في وصف من يلحن في لفظه:
يلقي على المرفوع صخرة جهله @@ فيصير تحت لسانه مجرورا
وينال من لغة الكتاب تذمرا     @@ منها ويكتب في الفراغ سطورا
ورأيته مبهورا بذلك كله       @@ فرحمت ذاك الجاهل المغـــــرورا
وعلمت أن العقل فينا قسمة   @@ والله قدر أمرنا تقديــــــــــــــــــرا
وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى "أنه سئل: ما تقول في قوم يتعلمون العربية قال: أحسنوا يتعلمون لغة نبيهم "
وفي أهمية تعلم اللسان العربي يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله" فإن اللسان العربي شعار الاسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون " وقال رحمه الله" معلوم أن تعلم العربية و تعليم العربية فرض على الكفاية وذلك لأن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم الكتاب والسنة إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كما قال رحمه الله تعالى "اعلم أن اعتياد اللغة العربية يؤثر في العقل والخلق, والدين تأثرا قويا بينا ويؤثر ايضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تريد العقل والدين والخلق معا واللغة العربية. هي اللغة التي اختارها الله تبارك وتعالى لآخر رسالة سماوية فأنزل بها كتابه المحفوظ القرآن الكريم وذلك لأنها أقدر اللغات على البقاء. وقد مر دهر طويل وكانت اللغة العربية هي اللغة الحضارية الأولى في العالم.
وإليكم بعض العلماء الأجانب قبل العرب الذين تحدثوا عن أهمية اللغة العربية يا من لاتفهمون إلا كلام سادتكم, والحق ما شهدت به الأعداء.
يقول الفرنسي رنست رينان: "اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشرية, فليس لها طفولة ولا شيخوخة.
ويقول الآلماني فرتاغ: " اللغة العربية أغنى لغات العالم" ويقول وليم ورك "إن للعربية لينا ومرونة يمكنانها من التكيف وفقا لمقتضيات العصر" ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام: " العربية لغة كاملة محببة عجيبة تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة, وتمثل كلماتها خطرات النفوس, وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة "
ويقول الدكتور طه حسين: " إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا "
واللغة العربية هي اللغة التي تتفق مع الاعتبارات العقلية والمنطق السليم في التعبير عما يتردد في الذهن من معاني وطريقة النطق فيها تعين على إدراك المعنى.
وللكلمة جسم وروح ولها نسب تلتقي مع مثيلاتها في مادتها ومعناها فمثلا : كتب,كاتب ,مكتوب,كتابة وتشترك هذه الكلمات في مقدار من حروفها وجزء من أصواتها وتشترك الألفاظ المنتسبة إلى أصل واحد في قدر من المعنى وهو معنى المادة الأصلية العامة.
أما اللغات الأخرى فتغلب عليها الفردية إذا ما قارناها باللغة العربية.
ومن مزايا اللغة العربية الإعراب الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ وبه تتميز المعاني، ومن مزاياها أيضا أن أصوات الحروف العربية ينطق بها الآن كما ينطق بها قبل خمسة عشر قرنا والفضل في ذلك يرجع إلى القرآن الكريم ومن مزاياها أيضا ثباتها على مر الزمان. فما قاله زهير, وعنترة والحطيئة قبل خمسة عشر قرنا ينطقه العربي المعاصر اليوم فيفهم معناه .
وللغة العربية خصائص كثيرة يضيق الوقت عن ذكرها منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا: الخصائص الصوتية
إن اللغة العربية تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات حيث تتوزع المخارج بين الشفتين إلى أقصي الحلق
ثانيا: الاشتقاق
الكلمات في اللغة العربية لا تعيش ففي الشرادى منعزلات بل مجتمعات مشتركات كما تعيش العرب في أسر وقبائل.
ثالثا: الايجاز
وهو صفة واضحة في اللغة العربية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوتيت جوامع الكلم) ويقول العرب البلاغة والإيجاز " خير الكلام ما قل ودل"
وانطلاقا مما سبق فلا يمكن لأي أمة أن تزدهر قبل أن تعتز بلغتها الأم وفي هذا المعنى يقول الراهب الفرنسي غربغوار" إن مبدأ المســـــــــــــاواة الذي أغرته الثورة يقضي بفتح أبواب للتوظيف أمام جميع المواطنين ولكن تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يحسنون اللغة القومية يؤدي إلى محاذير كبيرة، وأما ترك هؤلاء خارج ميادين الحكم والإدارة فيخالف مبدأ المساواة فيترتب على الثورة والحالة هذه أن تعالج هذه المشكلة معالجة جديدة وذلك بمحاربة اللهجات المحلية ونشر اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين.
وقد صدر بيان من مجلس الثورة الفرنسي يقول ( أيها المواطنون ليدفع كل منكم تسابق مقدس للقضاء على اللهجات في جميع أقطار فرنسا لأن تلك اللهجات رواسب من بقايا عهود الإقطاع والاستعباد )
تأملوا إخوتي الكرام كيف كان هؤلاء يحمون لغتهم ويتشبثون بها, وكيف كان هذا الاعتزاز بلغتهم القومية هو مصدرعزهم وازدهارهم إلى أن فرضوا هذه اللغاة خارج أوطانهم!
وما نعيشه نحن الآن من مسخ للهوية والتخلف الفكري هو نتيجة حتمية للاستعمار الذي عشناه من طرف هؤلاء وكان أشده وقعا هو الاستعمار الثقافي على الرغم من بسالة المقاومة الثقافية آنذاك في الكثير من البلدان العربية حيث فرض هؤلاء ثقافتهم وبدأت لغتنا تنطمس لا قدر الله لولا أنها لغة القرآن الكريم وهو موعود بالبقاء مصداقا لقوله جل من قائل (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون ) صدق الله العظيم.
وقد كان التردي في عصور الانحطاط عاملا من عوامل ضعفنا اللغوي. وقد انقسم العرب إبان عصر الاستعمار إلى مجموعتين، الأولى هي الدول التي حافظت على اللغة العربية طوال فترات الاحتلال، ولكن العجيب أن تصاعدت فيها آراء تشكك في صلاحية اللغة العربية لاحتواء العلوم الحديثة. والثانية مجموعة من الدول التي استطاع المستعمر فرض لغته عليها وهي على العكس بذلت جهودا مضنية لاستعادة مكانة اللغة العربية، وفي حقيقة الأمر وانطلاقا مما سبق فاللغة العربية ليست عاجزة عن احتواء العلوم الحديثة بل العاجزون هم أهلها.
يقول :حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية
وسعت كتاب الله لفظا وغاية @ وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة @ وتنسيق أسماء لمخترعات
إلى أن يقول:
وأسمع للكتاب في مصر ضجة @ فأعلم أن النائحين نعاتي
أيهجرني قومى عفا الله عنهم @ إلي لغة لم تتصل برواة
وفي الختام فاللغة العربية تناديكم وا معتصماه. وليس كلما ورد من تبيان أهمية اللغة العربية وموقف الشرع اتجاهها ومكانتها بين لغات العالم دعوة إلي نبذ اللغات الأجنبية وتركها كلا ليس الأمر كذلك بل قال رسولنا الأعظم عليه أزكى الصلاة والسلام: (اطلبوا العلم ولو في الصين) وأمر ديننا الحنيف بتعليم جميع اللغات حيث كان تعلم أي لغة من لغات العالم أفضل من النوافل ..يقول العلامة محمذن فال ولد متالي :
تعلم اللغة شرعا فضل @ على التخلي لعبادة الجلي
يأخذ ذا من قوله وعلما @ آدم الاسماء الزم التعلما

التواصل