الخط العربي طريق الثقة بالنفس

أ. ثروت البحر

يصعب الحديث عن الخط العربي‏,‏ ببساطة وتشويق للقارئ فنحن أمام كيان مقدس‏.‏ فأول آية نزل بها الوحي علي رسول الله صلي الله عليه وسلم‏(‏ إقرأ بإسم ربك الذي خلق‏.‏ خلق الإنسان من علق‏.‏اقرأ وربك الأكرم‏.‏ الذي علم بالقلم‏.‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏)‏ صدق الله العظيم

وكيف للقارئ أن يقرأ إن لم يعرف الكتابة. ولو لم يكن لذلك أهمية قصوي لما امتنع الرسول في غزوة بدر عن قبول الفدية عن الأسري العارفين بالكتابة في مقابل تعليم كل واحد منهم لعشرة من المسلمين, ويكفي هذا الفن الجميل نقاء أنه هو الفن الوحيد الذي لم يستق أي إضافة أو تطوير من خارج العالم الناطق بالعربية أو الإسلامي.
ولما كانت اللغة العربية هي لغتنا في التعبير المقروء والمسموع فنحن نقرأ ونكتب ونغني ونتخاطب بالعربية, لذلك يتقاسم الخط واللفظ فضيلة البيان, ويشتركان فيها من حيث إن الخط يدل علي اللفظ, والألفاظ تدل علي الأفكار, وكما يوجد الجميل من الألفاظ والمستحسن, يوجد أيضا الجميل من الأشكال والصور, ونعرض اليوم نماذج من هذا الفن فقد تطور هذا الكائن الحي الذي هو الخط العربي عبر أكثر من ألف عام مثلما تطور عقل الإنسان العربي والمسلم ومزاجه عبر هذه الفترة وأصبحت إجادته والإبداع فيه مقياسا لتقدم الفن والثقافة والروح القومية, وصدق الزعيم الراحل مصطفي النحاس(1874:1908) عندما قال لا قوام لأمة ولا سلامة لبلاد إلا بقوة العقيدة الوطنية) فتتلازم سلامة اللغة وجمال التعبير في الأدب والثقافة والتعليم مع علو العقيدة الوطنية التي لا غني عنها لدعم روح المقاومة عند الشعوب.
كانت هذه استهلالة نقدمها مع نماذج لافتة للانتباه. فنحن لم نعد نري هذا الفن الجميل بعد أن إستسهلنا أداء الكمبيوتر السريع, ومع هذه السرعة فاتنا الكثير من الجمال والثقة بأنفسنا والمعرفة بأنفسنا أيضا.
فالسرعة ليست مقياسا في الفنون, لأن الفنون وجودتها هي التي تحدد مقاييسها الزمنية كالموسيقي والغناء, والخط العربي كفن أصيل من فنوننا. وحين نبدأ الحديث عن الخط العربي فإنها رحلتنا إلي أنفسنا التي سنكتشفها مع اكتشافنا لهذه القيمة المودعة والكامنة في الخط العربي, إن استقامة وامتداد الحروف والمسافات بينها تشبه إلي حد كبير المسافات والفواصل في الموسيقي وفي تلاوة القرآن الكريم بالطريقة والمدرسة المصرية في التلاوة, وقد سئل يوما داوود حسني وهو المصري والعالم بالموسيقي الشرقية والمولود بحي الحسين بالقاهرة ويدين باليهودية: ألا تخشي علي الموسيقي الشرقية من التأثير الغربي ؟ قال: لا.. طالما أن القرآن الكريم يتلي بالقراءة المصرية لأنها تجمع جميع المقامات الشرقية في الموسيقي,هكذا كانت تلاوة الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفي إسماعيل وهكذا كان يلحن زكريا أحمد ورياض السنباطي.
وكان الخطاط الكبير نجيب هواويني يكتب وكذلك الشيخ عبد العزيز الرفاعي ومحمد إبراهيم,و كانت الموسيقي الشرقية قاسما مشتركا بينهم جميعا, بل إني أضم إلي ذلك العمارة العربية حيث تصبح بمثابة الحاضنة لكل هذه الفنون فهكذا كان يفكر المعماري د. حسن فتحي وهكذا كان الصانع في خان الخليلي يعمل مازجا الفن بالحرفة والحكمة وكل هذا التناغم المتصل بعضه ببعضه يفضي إلي تماسك المجتمع وتماسك البشر فيه, وسأورد مثلا واقعيا حدث فيما نسميه الزمن الجميل فعلا, كان الخطاط السكندري الكبير محمد إبراهيم مؤسس مدرسة الخط العربي بالإسكندرية في منزله الصيفي بصحبة صديقه الملحن والموسيقي الشهير زكريا أحمد الذي سأله: عرفنا أن طول الألف من سبعة إلي تسع نقاط بعرض قلم البسط فكيف تحسب المسافة بين الألف واللام أو الألف والألف المجاورة؟, فأجابه أنها مثل فترة السكون بين أن تدق علي أوتار العود جملة موسيقية ثم تسكن لتبدأ جملة أخري وكان حينذاك في المندرة( حي بجوار قصر المنتزه) مولد يسمي مولد سيدي كمال... كان زكريا أحمد مشغولا بتلحين أغنية( هو صحيح الهوي غلاب) وكان متعسرا في جملة( يا قلبي آه.. الحب وراه) حتي سمع جوقة المنشدين في موكب المولد رافعين الأعلام الخضراء مرددين بالغناء يا حبيبي يا رسول الله,, هب زكريا أحمد بالعود وقفطانه الأبيض وسار معهم مرددا يا حبيبي يا رسول الله ثم يا قلبي آه.. الحب وراه حتي اكتمل اللحن معه, فأنسحب من الموكب عائدا إلي صديقه وإلي بوتقة الفن والموسيقي والخط والإيمان والوطن. وهذه الحميمية والوسطية المصرية هي التي جعلت مصر في هذه الوحدة الوطنية وهذا الرباط إلي يوم الدين. ولنا أن نلاحظ أن الموسيقي هي جزء أساسي من الوجدان الوطني يأتنس بها البشر ويتوحدون معها ما عدا الكائنات الغريبة الشائهة الكارهة للموسيقي والفن والوطن.

الأهرام