|

أهمية اللغة العربية في تنمية الوعي القومي وبناء الشخصية العربية المستقلة
أ. عامر الشون
مما لا شك فيه أن اللغات عامة تلعب دوراً حيوياً في تنمية الشعور بالانتماء القومي لدى مجتمعاتنا وتكوين لون من الروابط التي لا تنفصم عراها بين أبناء الأمة الواحدة
وذهب المفكرون القوميون العرب كساطع الحصري وزكي الأرسوزي إلى ضرورة الانطلاق من اللغة العربية في مشروع توحيد الأمة العربية دون إهمال العوامل الأخرى من أرض وتاريخ مشترك وتكامل اقتصادي ومصير واحد هذا ما قاله الباحث عدنان كزارة في محاضرته التي أقامها المكتب الفرعي لنقابة المعلمين بمناسبة ذكرى قيام الحركة التصحيحية المجيدة بعنوان "أهمية اللغة العربية في تنمية الوعي القومي وبناء الشخصية العربية" .
تعريب الأرض المحررة
ويضيف الباحث كزارة بأن العربي هو الذي يتحدث العربية حيث ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "ليست العربية لأحدكم من أب أو أم إنما العربية اللسان" وهذا توضيح رائع للدور الحاسم الذي تلعبه اللغة العربية بإضفاء صفة العروبة أو حجبها في مسألة الانتماء للأمة وتجسد هذا المفهوم الحضاري للعروبة الذي رسخه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في تعريب الأرض المحررة في بلاد الشام والرافدين والشمال الافريقي زمن الفتوحات الإسلامية الكبرى إذ تولت اللغة العربية متمثلة بأروع تجل لها في القرآن الكريم تعريب أبناء البلاد المفتوحة ونقلهم إلى دائرة العروبة نقلاً .
واستطرد الباحث في حديثه بشيء من الإسهاب عن الحضارة العربية الإسلامية ودور اللغة فيها حيث يؤكد أن العصور التي سطعت فيها الدولة العباسية كانت تحتضن نوابغ وعلماء ينتمون من حيث الأصول إلى حضارات أخرى كالفارسية واليونانية والهندية والتركية التي رفدت حضارتنا العربية وزينت سماءها وأرضها كالبيروني والرازي والخوارزمي وابن سينا والجاحظ والغزالي وغيرهم حيث قال أحدهم : "لأن أهجي بالعربية أحب إلي من أن أمدح بسواها" .
لقد صهرت اللغة العربية هؤلاء الأفذاذ في بوتقتها وكونت شخصيتهم المستقلة التي لم يعرفوا ولم يعترفوا بشخصية غيرها وبلغ عشقهم للعربية وإجادتهم لها أن سطروا بها مؤلفاتهم التي تنصع بعبقريتهم وتساءل هنا الباحث كزارة وهل ثمة أقوى دليل على ما نذهب إليه من أن عالم العربية الأكبر في النحو والصرف "سيبويه" الذي ينطق اسمه وحده بأصله الفارسي دون أن ينفي عنه هويته العربية بالمفهوم الحضاري للعروبة .
اللغة في عصر النهضة الحديثة
ثم انتقل المحاضر للحديث عن اللغة العربية في عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر حيث أشار إلى أنها كانت فرس الرهان الذي راهن عليه زعماء الإصلاح العرب كالكواكبي والأفغاني ومحمد عبده واليازجي والبستاني والزهراوي وغيرهم من دعاة الفكر القومي حيث كانت اللغة العربية آنذاك هي الوسيلة الأهم في إذكاء الوعي القومي وتنمية الشعور بالشخصية القومية المستقلة لأمتنا حيث شهدت تلك الفترة حركة دؤوبة في التأليف بالعربية وإعادة طباعة أمهات الكتب من عيون التراث العربي في مختلف ميادين المعرفة .
وأما فيما يتعلق بوضع اللغة العربية بعد استقلال الأقطار العربية ونيلها حريتها بعد نضال مرير ضد الاحتلال الأوروبي فقد كان لها الدور الأبرز في إبراز هوية الأمة وتحقيق نهضتها الشاملة في الميادين كافة فكانت أداة للتعليم وواسطة للتخاطب والتواصل مع أبناء الأمة الواحدة ووعاء للمعرفة والثقافة ووسيلة تعريب العلوم حيث يوضح الباحث كزارة أن اللغة العربية في هذا السياق تغدو بمثابة الملاط الذي يحفظ لبنيان الأمة تماسكه وللشخصية العربية خصوصيتها وللشعور القومي قوته وخلوده ولهدف الوحدة العربية إمكانية التحقق ولا يتصور واهم أو مغرض أن اللغة العربية فقدت في عصرنا الراهن قدرتها على أن تكون واسطة لتنمية الشعور القومي وتخلت عن دورها في بناء الشخصية العربية المستقلة بدعوى أنها جامدة أو عصية على التقدم الحضاري أو عاجزة عن منافسة اللغات الحية الأخرى كالانكليزية أو الفرنسية لأن هذه الدعاوى تثبت بطلانها وتهافتها فهي إحدى اللغات المعتمدة في المنظمات الدولية كلغة عالمية وهي واحدة من اللغات القليلة التي تأبت عن الاندثار أو الضمور كما حصل لأكثر من ستمئة لغة عالمية هذا فضلاً عن حفظ القرآن الكريم لها حيث تملك من الخصائص والسمات على صعيد المفردات والتراكيب والغنى التعبيري والدلالي ما يجعلها خالدة على مر الزمان .
لغة متجددة مع الحياة
ونحن اليوم في ظل الهجمة الشرسة على هويتنا العربية علينا البحث عن دور ديناميكي فعّال للغة يوفر الحماية للوعي القومي ويصون الشخصية العربية المستقلة من آثار التمييع أو التذويب في مصهر العولمة الشرسة وذلك من خلال اتخاذ خطوات إجرائية مرنة قابلة للتكيف مع المستجدات وأولها النظر في اللغة العربية لاستثمار طاقاتها اللامحدودة بحيث لا تغدو معطى تاريخياً فحسب وإنما ضرورة حياتية تستوعب حاجات العصر وحاجات أبنائها بعيداً عن التقوقع والانغلاق على الذات بحجة الخصوصية .
وأما فيما يتعلق بالشخصية العربية المستقلة وأهمية اللغة بالحفاظ عليها فتتجلى بما يكتب بالعربية الفصحى ويتناوله الأدباء والمثقفون عامة حيث أن استقلاليتها تؤمن بالآخر وتتحاور معه في نطاق التأثر والتأثير والاحترام المتبادل وتنفتح على علوم العصر وتقنياته وتؤمن بالتطور سنة كونية وانطلاقاً من ذلك كما أفاد المحاضر كزارة يجب ألا ترضى لغتنا بأن تكون لغة المعلقات شكلاً والفخر والهجاء مضموناً بل يجب أن تكون لغة الحياة التي تتجدد باستمرار كما تجددت بالقرآن الكريم والحديث الشريف وجددت الشخصية العربية فحولتها من الأثرة إلى الإيثار ومن الظلم إلى العدل ... إنها اللغة الخالدة التي تكشف عن جوهر الشخصية العربية التي حملت الرسالة السماوية ، رسالة العدل والسلام إلى الناس كافة وهي مدعوة اليوم وفي كل آن بقدرتها الخلاقة وحيويتها الفائقة إلى الحفاظ على شخصية الأمة العربية المستقلة كي يسود الحق في ربوع العالم وتنعم البشرية بالحب والوئام .
الجماهير
|
|
|
|