رسالة إلى صديق حول مستقبل اللغة العربية

د. حامد الحمود

صديقي العزيز.. لقد استمتعت حقا بالعصف الذهني الذي عشته معك خلال لقائنا الأخير في مكتبك.. لقد اتفقنا على بعض النقاط، واختلفنا حول أخرى. ولكن، كانت هناك نقطة واحدة أو بيان صرّحت أنت به ولم يكن هناك متسع من الوقت لمناقشته. لقد كانت نقطة في غاية الأهمية لكن الأحداث السياسية الكويتية طغت على نقاشنا. كان بيانك ذلك بأن اللغة هي مجرد وسيلة للاتصال، وأن اللغة العربية من اللغات التي تحتضر، فاسمح لي أن أخالفك الرأي في الأمرين.
فالاعتقاد أن اللغة هي مجرد وسيلة للاتصال هو وجهة نظر من القرون الوسطى، وقد انحسرت، وربما ماتت منذ عصر النهضة الأوروبية. اللغة ليست فقط وسيلة للاتصال، ولكنها المبدع للتفكير. كَتب الفلاسفة وعلماء اللغة في القرنين التاسع عشر والعشرين كثيراً عن هذا الجانب. ولا شك في أن رأيك سيزعج الفيلسوف المعاصر نعوم تشومسكي. فاللغات تزدهر في بعض الأوقات وتموت في أوقات أخرى. ولكن عندما تصبح الثانية واقعا فإن هذا يعني أن ثقافة تلك اللغة ستختفي. بالتأكيد أن اللغة العربية لم تصل بعد إلى هذه المرحلة على الرغم من المنافسة التي تواجهها من اللغة الإنكليزية، التي أستخدمها الآن للتواصل معك. ولنرجع إلى تجارب الشعوب الأخرى قليلا.
فقد ظن كثير من الألمان بعد هزيمتهم في معركة جينا في 1806 من قبل نابليون أنه ينبغي عليهم أن يعتمدوا اللغة الفرنسية حتى يلحقوا بركب بقية العالم. حتى هيغل نفسه عندما شاهد نابليون رأى أن هذا الرجل يمثل السلطة الروحية المطلقة. ولكن بعدها بدأ الألمان يدركون المتغيرات، وأن الأمة لا يمكن أن تبنى من دون لغتهم الوطنية. ومن أشهرهم حول هذا الموضوع آمن كارل فون كلاوزفيتز - المفكر في الاستراتيجية العسكرية. هذا ومع أن الخبراء الاستراتيجيين في كثير من الأحيان يقتبسون منه هذه المقولة: «الحرب هي سياسة بطرق أخرى» قليلون هم الذين يعرفون أنه كان شاعرا وحساسا جدا حول موضوع اللغة الألمانية. فقد كتب ما يلي:
«كل وجدان الألمان
يصب في اللسان الألماني.
في لغة الصبابة تتحدث الفرنسية بشكل جيد
ولغة الموسيقى هي حديث الطليان
ولكن، لنوجه ناظرينا نحو السماء»
كما هي الحال عندما أقسم الثلاثة السويسريون قسمهم المقدس
كان اللسان الألماني يمثل المعدن الذي منه يصنعون سيوفهم،
والذي به أخمدوا نيران الدخلاء.
وقد أضاف المؤرخ أناتول رابابورت - في مقدمته إلى كتاب كلاوزفيتز «حول الحرب»:
«إن اللغة هي المعيار الأكثر واقعية لتحديد الهوية الوطنية. وفي الوقت نفسه، حب المرء للغته الأم هو مظهر للأحاسيس النبيلة، وهذا الشغف باللغة يدل على تسامي الأخلاق والرقي في السلوك، والتفكير العالي».
وبطريقة أخرى، يمكن اعتبار أن اللغة هي الوطن. وهذا هو السبب الذي جعلني أشعر بأنني في بيتي أتحدث إلى سكان مدينة فاس في المغرب العربي. بعد طيران ثماني ساعات وشعور بالغربة في طهران، وذلك عندما سرت على الأقدام خارج الفندق فيها. وهذا هو أيضا السبب في أنني يمكن أن أتودد وأكون على علاقة صداقة بسهولة مع مسيحي سوري أو مصري وأجد صعوبة في التواصل مع أفغاني، على الرغم من أننا من الدين نفسه!
اللغة هي كائن حي يزدهر في ظل الحرية. ولقد ازدهرت اللغة العربية من خلال الحرية النسبية، وذلك في الفترة من 620 - 1200م. ولقد كان الإسلام المنفتح على حضارات العالم المحفز في بناء اللغة العربية وتطويرها، كما أن الإسلام المنغلق يعمل الآن على خنقها. وأود أن أطلعكم على الدور الإنساني الثقافي الذي لعبته اللغة العربية كما وصفته ماريا روزا مينوكال استاذة الآداب في جامعة ييل الاميركية في كتابها «زينة العالم». في هذا الكتاب تبين كيف تواصل المسلمون واليهود والمسيحيون في خلق ثقافة التسامح في اسبانيا في العصور الوسطى، وحول دور العرب الذي لعبوه في الترجمة، كتبت تقول:
«فعليا، وجهة نظري في ما تُسمى حركة الترجمة من الاغريقية الى العربية هي لا متناهية وأكثر من مجرد نقلة نوعية من الشرق إلى الغرب، كما متعارف عليها، فهذا التأثير أحدث ثورة ثقافية استمرت لمدى طويل. إن جهد المسلمين الكبير في القرون الهجرية الأربعة الأولى، شمل الفهم والتكيف مع التكوينة الفكرية الإغريقية وإعادة دمجها في نظرة العالم الحيوية. فقد أحيا المسلمون ثقافة كانت خامدة أو شبه ميتة. من جميع النواحي، فإن هذا الفصل من نقل الثقافة هو مثال لكتابة النص لكيفية موت الأشياء في تربة وطنهم وكيف يمكن إبقاؤها على قيد الحياة وحتى ازدهارها عندما يتم زرعها في بيئة مناسبة».
لا أعتقد أن اللغة العربية تحتضر كما قلت في لقائنا، لأنه لا يمكن لنا أن نتحول إلى ناطقين باللغة الانكليزية أو الأميركية. بالإضافة إلى أن الاميركان والانكليز لا ينوون أن يهدروا طاقتهم على هدف غير مُجدٍ. سيقدروننا أكثر إذا حافظنا على ثقافتنا واستفدنا منهم. في النهاية، سيلزمنا أن نلعب دورا تنويريا في هذه الثقافة العالمية. سنكون أكثر فعالية عندما ننشط لغتنا التي «تحتضر» عن طريق ترجمة أفضل ما ينشر إلى اللغة العربية. وعلى المدى البعيد، ستكون هناك فرصة في أن الطلب قد يرتفع مرة أخرى للترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى.
يمكن أن تطرح هذا التساؤل: لماذا أتواصل معك في اللغة الانكليزية؟ والإجابة - يا صديقي - أن هذا البريد الإلكتروني كان الدافع الأول للكتابة على تعليقاتك، وأعتزم إرسالها إلى بعض الأقارب والأصدقاء الذين لا يقرأون قط باللغة العربية وبعضهم يتشدقون ويصرحون بذلك بفخر! قد أنجح في أن أجعلهم يشعرون بالذنب. أرغب في أن يشعروا بالذنب أكثر كلما أضاعوا الفرصة لتعلم اللغة العربية أو تكبروا أو اختالوا معلنين أنهم لا يقرأون باللغة العربية. هنالك دائما فرصة، ولن أشعر بالحزن إن لم أنجح. إنها مشكلتهم، ولقد حاولت المساعدة فقط.
ليست لدي آراء قطعية حول مستقبل اللغة العربية.
البراغماتية تخطرني أن أكون متشائما لكني أختار تفاؤل الإرادة. قد أكون تأثرت بـ Gramci (غرامشي - أديب وسياسي ايطالي) وعلى كلٍّ، فأنا أطرح تساؤلا ولا أنتظر أجوبة، مشاركا رؤى الشاعر الألماني ريلكه عندما قال:
«تعايش مع السؤال الآن،
ربما بعد ذلك، تدريجيا،
دون أن تلاحظ ذلك،
تعيش في يوم طويل
حتى تصل إلى جواب».
دعنا نقل إن الجواب، وكما يقول بوب ديلان، هو في مهب الريح، يا صديقي العزيز.
شكراً جزيلاً على شحذ وإثارة أفكاري، وأود أن تعلم أني كنت قد سمعت عنك، ورقيك وثقافتك قبل سنوات من لقائي الاول بك.



القبس