|

جبران المهموم بلغة الضاد منذ مائة عام
أ. أحمد فرحات
منذ نحو مائة عام كتب جبران خليل جبران وكأنه يتنبّأ بما آل إليه واقعنا الّلغوي.. كتب يقول " الّلغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوّة الابتكار، توقّفت الّلغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر، وفي التقهقر الموت والاندثار".
لم يعرف كاتب وأديب وشاعر عربيّ معاصر شهرة عالمية عريضة، متجاوزة ومتجددة، مثل تلك التي عرفها جبران خليل جبران.
فهذا الذي عانقت مخيلته العالم بالأفكار الروحانية، وفلسفة المحبة، وشاعرية الحكمة، والدعوة الموصولة إلى تعزيز سمت الإنسان وتكريمه من خلال ما هو مشترك بين قيم الأديان السماوية، وفلسفات معتقدية أخرى، تحوّل إلى رمز إنساني عام، تكنّت باسمه جمعيات ونوادٍ ثقافية أهلية ودولية كثيرة. كما سُميت باسم جبران حدائق وساحات وشوارع في بلده ودول كثيرة في العالم مثل "حديقة جبران" أمام مبنى الإسكوا في بيروت، "وحديقة جبران خليل جبران" في واشنطن (على مقربة من المكتبة الوطنية)، ونُصب له في شارع الجمهورية الّلبنانية في ساوباولو البرازيلية.. إلخ.
كما أقيمت (ولا تزال تُقام) عشرات المؤتمرات والمعارض حول أدبه وفنّه وفلسفته وشخصيته في عواصم عالمية مركزية مثل واشنطن وباريس ولندن وروما وموسكو، وحتى بكين، الذي ترجم له بعض مستعربيها كتباً مختارة في طليعتها: "النبي" و"الأجنحة المتكسرة" و"العواصف" و"المراكب".. إلخ.
وكانت جامعة ماريلاند الأميركية قد أقامت في العام 1999 أول مؤتمر حول جبران، استمداداً من تعاليم كتبه تحت عنوان: "جبران خليل جبران.. داعية سلام ورائد في حقوق الإنسان"، وذلك بالتزامن مع إعلان الأونيسكو العام 2000، العام الدولي للسلام. كما أسّست هذه الجامعة "منبر جبران للأبحاث والدراسات"، وكذلك أعلن منها عن ولادة "الاتّحاد العالمي لدراسة حياة جبران و آثاره".
كما استحدثت جوائز عربية ودولية عدّة باسمه، من بينها تلك التي أنشأها "المعهد العربي- الأميركي" في واشنطن في العام 1999، وهي تمنح سنوياً للأفراد والمنظمات تحت عنوان "جوائز روح جبران خليل جبران الإنسانية". وكان آخر المكرمين بهذه الجائزة عن العام 2012 "مؤسّسة الفكر العربي" "تقديراً للدور الذي تقوم به هذه المؤسّسة في مجالات الفكر والثقافة والتنمية".
في وادي الرطل
وجبران خليل جبران الذي ولد في العام 1883 في قرية "وادي الرطل" في منطقة الهرمل في البقاع الّلبناني وليس في بشري كما هو متعارف عليه، كان ذا نزعة أمومية واضحة، نلمسها في روايته الشهيرة: "الأجنحة المتكسرة"؛ كما نلمسها في سيرة حياته ورسائله للنساء الأجنبيات والعربيات اللائي عرفهنّ، وفي الطليعة بينهنّ ماري هسكل وبربارة يونغ ومي زيادة. فأمه هي التي أشرفت على تربيته وعلى دفعه إلى أن يتعلّم ويتثقّف بمساعدة قسيس الضيعة (الأب جرمانوس) الذي كان يحضر إلى المنزل ليعلمه الإنجيل والّلغتين العربية والسريانية.. في حين أن والده كان سكيراً، متهتّكاً، لا يبالي بشيء يتعلّق بابنه الصغير، ثم أدخل هذا الوالد السجن لاحقاً بتهمة اختلاس أموال أميرية، وتمّت مصادرة أملاكه المتواضعة جداً. فما كان من والدة جبران إلا أن اتخذت قراراً شجاعاً باحتضان أولادها الثلاثة: جبران وماريانا وسلطانه والسفر بهم إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الرزق والحياة الكريمة.
دانتي العرب
في رأي كثير من الدارسين إنه بالإمكان تقسيم مشروع جبران الإبداعي التساؤلي إلى مراحل ثلاث. أولاها المرحلة الرومانسية المتأملة، حيث ينتصر فيها للدين من مفسديه وللمجتمع والحياة الاجتماعية من الذئاب البشرية والظالمين. ومرحلته الثانية هي مرحلة القوّة والتمرّد والثورة على التقاليد والعادات والامتداد في الطموح الإنساني إلى التحرّر المطلق..
أما المرحلة الثالثة فكانت مرحلة جبران المتصوّف الذي أنهى دورته التقمصية وتجوهر في وحدة وجودية تشرق عليها المحبة.
يعتبر كتاب "النبي" لجبران الأهمّ بين خلاصات كتبه الشعرية والسردية كافة. ولذلك قيل إذا أردت أن تعرف جبراناً بكليته وبعمق معرفي مكثّف ونافذ، فما عليك إلا بكتابه: "النبي"، الذي صنّفه فيكتور فرنكل من الكتب الاستثنائية في العالم؛ مثل "الكوميديا الإلهية" لـ دانتي و"الفردوس الضائع" لـ جون ملتون.
يحكي الكتاب عبر 26 قصيدة إنشادية متلاحقة قصة نبيّ مختار اسمه "المصطفى"، انتظر اثنتي عشرة سنة في مدينة أورفليس مترقّباً عودة سفينته إلى المدينة لكي يبحر بها عائداً إلى الجزيرة التي ولد فيها. وفي أثناء تلك المدّة كان يعلّم أبناء أورفليس أشياء كثيرة حتى أصبح فيهم المعلم المحبوب. ولمّا وصلت السفينة وتأهّب للرحيل، خرج أبناء أورفليس ليودّعوه ويظهروا له محبتهم، وراحوا يسألونه الأسئلة الأخيرة، وهو يجيب عنها.. حتّى كانت الأسئلة والأجوبة مادة كتاب "النبي". والمصطفى هنا هو.. جبران نفسه والجزيرة هي وطنه لبنان. أما "الميترا" التي تخرج من الهيكل لوداعه فكانت ماري هسكل التي ساعدت جبران في حياته الأدبية والاجتماعية والاقتصادية. نقرأ من كتاب "النبي" هذا الجزء من نشيد المحبة:" المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. المحبة لا تملك شيئاً ولا تريد أن يملكها أحد لأن المحبة مكتفية بالمحبة".
وفي الأبناء قال جبران على لسان حكيمه: " أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة والحياة لا تقيم في منازل الأمس".
جبران ثورة في الّلغة العربية
لغة جبران خليل جبران متميّزة جداً، اشتقاقاً وتفجراً أسلوبيّاً جديداً في دلالته وألفاظه وتقطيعه الموسيقي وكذلك في الصور المبتكرة التي تحملها الكلمات بسهولة وعذوبة أخّاذة. ولذلك اعتبره الشاعر أدونيس بوابة الشعر العربي الحديث: "مع جبران تبدأ في الشعر العربي الحديث الرؤيا التي تطمح إلى تغيير العالم، فيما تصفه أو تندبه أو تفسره. مع جبران يبدأ بمعنى آخر الشعر العربي الحديث. ففي نتاجه ثورة على المألوف آنذاك من الحياة والأفكار وطرائق التعبير". أما الشاعر أنسي الحاج فاعتبر جبراناً "أول المحدثين، والتي لا تزال لغته إحدى أمهات لغات الحداثة".
من جانب آخر يرى البعض أن الّلغة العربية في أسلوبية جبران تمثّل حدثاً اجتماعياً، وقعاً جديداً، حيث وقف جبران على أسرار هذه الّلغة وغناها وتفاعلها الاجتماعي ومضمونها المعرفي، الأمر الذي جعله يعتبرها إحدى أكمل الّلغات في العالم.
وهذا سرّ نجاحه في إنتاج أدب متجدّد بتجدّد الجماعة الثقافية عينها، فابتكر جبران من داخل الّلغة، أضاف إليها ولم يتجاوزها. جدّد وطوّر في متحوّلاتها المطلوبة اجتماعياً وتمسّك بثوابت بنيانها المرصوص تاريخياً.
لقد أفصح جبران عن وعيه بدور الّلغة العربية في أدبه وثقافته قائلاً في معرض ردّه عن أسئلة مجلة "الهلال" حول "مستقبل الّلغة العربية"، (في عددها الـ 23 الصادر في العام 1920 من القرن الفائت): "ففي الّلغة العربية قد خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد وصلت حدّاً بالغاً من الكمال". وقال: "لم ابتدع مفردات جديدة بالطبع، بل تعابير جديدة واستعمالات جديدة لعناصر الّلغة".
ويتساءل جبران عن هذه القوة التي يدعوها قوة الابتكار فيحدّدها بأنها في الأمة "عزم دافع إلى الأمام". وفي الأفراد "هي النبوغ، وفي الجماعة هي الحماسة، وما النبوغ في الأفراد سوى المقدرة على وضع ميول الجماعة الخفيّة في أشكال ظاهرة محسوسة".
وانحياز جبران للغة الضاد والتجديد الإحيائي فيها لا يعني في المقابل أنه كان يتنكّر للهجات العامية في الأقطار العربية، معتبراً أنها "مصدر ما ندعوه فصيحاً من الكلام ومنبت ما نعدّه بليغاً من البيان"، مؤكّداً "أن الّلغات تتبع مثل كلّ شيء آخر، سنّة بقاء الأنسب؛ وفي الّلهجات العامية الشيء الكثير من الأنسب الذي سيبقى، لأنه أقرب إلى فكر الأمة وأدنى إلى مرامي ذاتها العامة. قلت إنه سيبقى، وأعني بذلك أنه سيلتحم بجسم اللغة ويصير من مجموعها".
وبخصوص مسألة إحياء الّلغة العربية قال جبران لـ "الهلال": "إن الوسيلة الوحيدة لإحياء الّلغة العربية إنما تكمن في قلب الشاعر. فالشاعر هو أبو اللغة وأمها. وإذا ما قضى جلست على قبره باكية منتحبة حتى يمرّ بها شاعر آخر ويأخذ بيدها".
وقال أيضاً بخصوص انتشارها ورسوخها: "لا يعمّ انتشار الّلغة العربية في المدارس حتى تصبح المدارس ذات صبغة وطنية مجرّدة، وحتى تُعلّم بها جميع العلوم وحتى تنتقل المدارس من أيدي الجمعيات الخيرية والّلجان الطائفية والبعثات الدينية إلى أيدي الحكومات المحلية".
هذا هو جبران خليل جبران.. خلطة عجيبة من الشعر، والإحياء الّلغوي، والتصوّف الأسطوري، والفلسفة المؤسّسة على بناء الروح، وهندسة المحبة، ودمج اللوغوس ( العقل الكلّي) بالكاوس ( العالم الفوضوي الخام).. علاوة على المعرفة الحدسية الرؤيوية الآيلة إلى تجديد الحياة بإنسانها وكائناتها ومظاهرها كافة.
قبل موته في العام 1931 كان جبران قد أوصى أن يُكتب على شاهدة قبره ما يلي:
" أنا حيّ مثلك، وأنا واقف إلى جانبك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك".
أفق
|
|
|
|