اللغة العربية والإعلام: طموح الانتشار وتحدي الانكسار

د. العياشي أدراوي

 

إن العلاقة العضوية بين اللغة العربية، بمختلف مستوياتها، وعوالم الإعلام، وعمق التحولات التي طرأت على اللسان العربي، كل ذلك أضحى يغري بالبحث والتأمل ووضع السؤال لأجل الوقوف على معالم تلك العلاقة ومفعولاتها. إنها علاقة على قدر من الالتباس والتعقيد، ذلك أن الباحث لا يدري ما إذا كانت مستويات اللغة متاحة كي توظف لتبسيط أغراض الإعلام ومقاصده، أم أن هذا الإعلام صار وسيلة لترويج وتعميم خصوصيات وأنماط مخصوصة، مما ينعكس –بشكل أو بآخر– على سبل التواصل لدى المتلقي العربي من جهة، وعلى وعيه وإدراكه، ومن بعد ذلك على هويته من جهة أخرى.
معلوم أنه خلال العقد الأخير من العقد الماضي والعقد الأول من القرن الحالي عرف العالم العربي انفتاحاً إعلامياً غير مسبوق، تمثل أساساً في التطور المهول الذي لحق قطاع الإعلام، فضلاً عن تنوع وتغير مواقعه ووظائفه، وصولاً إلى تحول مرجعية هذا القطاع من العام إلى الخاص. ولا شك أن هذا وضع مستجد يوشك أن يكون استثنائياً بالنسبة إلى الأعراف والثوابت الراسخة في ثقافة الإعلام العربي عموماً.
ولم تدع التجاذبات السياسية، والاختلافات الأيديولوجية، والتوجهات الفكرية -سواء تلك التي يستقل بها كل قطر عن آخر بشكل عام، أو تلك التي تشكل تنوعاً داخل بلد بعينه– بعيداً عن الصراع السياسي والتصادم الأيديولوجي. بل توسله مختلف الفاعلين لتمرير الأطروحات السياسية والدعاوى الفكرية.
ومن الطبيعي أن يكون من مترتبات هذا الوضع تشرذم المؤسسات الإعلامية الرسمية القائمة وانحسار تأثيرها وفاعليتها. ومن ثمة التخلي عن مركزيتها أمام اكتساح القنوات الخاصة (التجارية تحديداً)، وانتشار الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية. كل ذلك جعل الوسيلة مقدمة على الرسالة، والربح سابقاً على الجودة (جودة الخطاب)، ومطلب الانتشار والتنافس مفضلاً على داعي تحري الدقة والإتقان في صياغة الخطابات، وصناعة الرسائل كما تقتضي أعراف وسنن اللسان الفصيح.
إن هذا (الفتح الإعلامي) الفضائي إذن، لم ينزل برداً وسلاماً على المجال اللغوي العربي. فقد ترك تأثيرات انتهكت - باسم الانفتاح وزيادة الانتشار - حرمة اللسان العربي الفصيح. فبمجيء العولمة بمطامحها الاستقطابية (التوحيدية) التنميطية، وثقافتها الاستهلاكية الفائقة دخل عامل لغوي جديد إلى فضائنا الثقافي الإعلامي, إذ غزت اللغات الأجنبية –الإنجليزية على رأسها– عوالم المرئي والمسموع، وتحديدا ألسنة مذيعي الربط ومقدمي البرامج ومروجي الإعلانات وغيرهم.
تمددت المفردات والتعابير الإنجليزية والفرنسية في رحاب المذيعين وأساليبهم، وتلونت طرائق نطقهم وتنغيمهم ونبرهم بأساليب ومقترضات واستعارات تعود إلى هذه اللغات. وباتت الأدوات اللغوية المستخدمة اليوم تشكل مزيجاً هجيناً يغرف من كل منهل من دون أن يحمل بالضرورة ملامح شخصية البيئة الثقافية والاجتماعية التي يفترض به أن يتوجه إليها أو يكون ثابتاً من ثوابت هويتها التعبيرية.
وفي وضع كهذا يمكن القول إن حابل الإعلام أصبح مختلطاً – إلى أبعد حد – بنابل اللغة. ولم تعد، تبعاً لذلك، حدود وضوابط استخدام كل منها وتوظيفها في خدمة الآخر، واضحة المعالم. وعلى هذا الأساس فالتداخل البين بين مستويات اللسان العربي في مختلف وسائل الإعلام بالإضافة إلى الغموض الحاصل في الدور المرتقب لهذه الوسائط يحتمان وضع أكثر من استفهام على هذا المستوى، سواء في ذلك ما يمكن أن يصيب (هوية اللغة العربية الفصيحة) من تدجين وتدمير من خلال خلخلة لأركانها المبنية عليها (صوتاً وصرفاً ونحواً وتركيباً ودلالة)، وتخريب لنسقها المعياري. أو ما يمكن أن يلحق (هوية) الناطقين بها من ارتجاج ومسخ على اعتبار أن (اللغة هي صلب الهوية)، مثلما أن تحديد اللغة يقع في قلب تحديد (الهوية) وكلاهما يتبوآن موقعاً مركزياً في فهم التحولات الآخذة في البروز، كما يبدو من المظاهر الآتية:
- التداخل بين اللغة الفصيحة واللغة العامية في الخطاب الإعلامي:
 تداخل ليس بريئاً أو عفوياً وإنما هو مقصود، الهدف منه عزل اللغة العربية الفصيحة (بما تحمله من قيم ورموز وعمق تاريخي وبعد إيديولوجي)، وإحلال العاميات محلها، أي الابتعاد ما أمكن –كما يتضح في الخطاب الإعلامي– عن اللغة الأم وتكريس (النسق الدارج). و(حيث إن الإعلام بمختلف وسائله الخطية والسمعية والمرئية هو أكثر المنظومات التصاقاً بالجمهور والواقع فإن كل التركيز يقع على قنواته ووسائطه للنيل من اللسان الفصيح. لذلك فنصيب الفصحى ما انفك يتقلص، ونزعة الاستسهال بحكم قانون المجهود الأدنى ما فتئت تزرع الوهم بأن العربية لا تتلاءم مع برامج الحياة اليومية) وكأن العربية لغة مفارقة للواقع الحي المعاش، لذا يحاول هذا التوظيف الإعلامي أن يبث الإيهام والخداع بكون (لغة الواقع) (اللغة العامية) هي التي يجب أن تغدو اللغة الرسمية، وهذا معناه جعلها لغة تعليمية أولاً، ثم لغة إبداعية حتى ينتج بها الفكر ثانياً، ومن هنا تجد أطروحات تحطيم اللغة الفصيحة مداخلها المبتغاة!
ولا يبعد أن يكون المقصد الأساس – من وراء كل هذا – أن تلقى لغة الضاد المصير نفسه الذي لقيته اللغة اللاتينية بأن تنحل وتتفتت إلى لهجات تتطور إلى لغات قائمة الذات.
إن هيمنة (ثقافة الصورة) (الثقافة البصرية) في مقابل تراجع (ثقافة الكلمة) (ثقافة المقروء)، وطغيان مبدأ الإغواء المشهدي في شكل من أشكال تفشي (لعبة الإغراء) (The game of seduction)، كل ذلك شجع على انتشار الثقافة الجماهيرية بمختلف مظاهرها ووجوهها، وانحسار ثقافة النخبة بشتى تجلياتها وصورها. لذا من البديهي -في مثل هذا الحال– أن يتوسل الإعلام بالعاميات بدءاً بلغة التخاطب التي يستعملها المنشطون والمنشطات للبرامج التلفزية والإذاعية.
وقد تضاعف (المد اللهجي) بحكم السعي إلى إشراك الجمهور في البرامج والنقاشات عبر وسائط الاتصال الحديثة. واشتهرت في الآن نفسه المسلسلات التي تكرس اللهجات العامية حتى لو كانت مضامينها ومقاصدها نخبوية عالية. وقد كان القطاع الخاص سباقاً إلى تكريس العاميات. بل حتى فضائياته -التي انطلقت بتوازن لغوي مقبول بين العامية والعربية- سرعان ما تخلت عن خيارها اللغوي وركبت موجة التداول اللهجي. وانساق القطاع العمومي شيئاً فشيئاً إلى الظاهرة نفسها. وأصبح للتداول بالعاميات النصيب الأوفر.
ولعل ما يزيد في استغراب المتابع للوضع الإعلامي أن البرامج الدينية قد انجرت –في شكل من أشكال تحول الوعظ والإرشاد الدينيين من المنبر إلى الشاشة أو من المسجد إلى الأستوديو– إلى المآل عينه. بل إن جمهور العلماء والدعاة والوعاظ أضحوا يميلون إلى التداول اللهجي عبر البرامج الإعلامية حتى الذين يتناولون منهم قضايا على قدر من التعقيد والدقة في علم القراءات أو علم الأصول أو غير ذلك. بل للأسف حتى في علم اللغة.
- اللسان الفصيح واللسان الدارج وسؤال المرجعية في الفضاء الإعلامي:
لقد باتت وسائل الاتصال والإعلام العربية والأجنبية، على حد سواء، بفعل قوة انتشارها وازدياد تأثيرها على المتلقي العربي تمثل شبه مرجعية ثقافية ولغوية لا تقل أهمية عما سواها من المرجعيات القائمة المورثة. ولعل المقلق –فيما نحن فيه– الشكل الموصول بفعالية هذه (المرجعية الجديدة) وقدرتها على القيام بتوجيه جمهورها وتطويره لغوياً. ذلك أن أهدافها التسويقية وخلفياتها الاستهلاكية ومنطقها الربحي وفلسفتها التجارية، غير المنفكة عن تجديداتها وإبداعاتها اللهجية الغربية، تكاد تطغى على همومها اللغوية. فمبدأ (الغاية التوصيلية) (النفعية) مقدم على العناية بالوسيلة اللغوية (وما تقتضيه من ضبط وإتقان). إن لم نقل إن غاية حفظ شد المتلقي للوسيلة الإعلامية أكبر وقت ممكن، تبرر انتهاك حرمة اللغة الفصيحة واللسان الرصين.
أما ما يرتبط بالتأثير والتأثر المتبادلين بين مستويي الفصحى والعامية في اللسان العربي المعاصر؛ فيوجب التذكير بأن العرف اللساني يؤكد أن المستوى الفصيح ينحو منحى التكيف مع المستوى التعبيري اليومي. بمعنى أن التلاقي والتفاعل يحدثان انطلاقاً من المستوى الفصيح وصولاً إلى المستوى العامي، بينما العكس هو الصحيح في حال اللسان العربي الذي تتطور عاميته تدريجاً بفعل الاحتكاك والاستعمال الإعلامي تحديداً، (نحو الشكل المفصّح).
وإذا تبين هذا تبين معه كذلك أن (الانحراف) في المجال الإعلامي نحو التوظيف اللهجي (استعمال العاميات) على حساب اللسان الفصيح إنما هو (انحراف) على مستوى المرجعية اللغوية بما هي مرتكز الهوية العربية وأساس الانتماء الحضاري للأمة الناطقة بلغة الضاد. وليس من نافلة القول التذكير في هذا السياق بأن اللغة العربية تنفرد عن غيرها من اللغات العالمية بأنها كانت، وما تزال، تشكل المحور الذي تلتصق به هوية الفرد العربي وهوية الجماعة على حد سواء. وبين هذه وتلك هوية الدين. كما أنه غني عن البيان أن هوية الدين ترتبط ارتباطاً وثيقاً باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة الحديث النبوي الشريف.
وبناء على هذا فإن التفريط في هذه اللغة في المجال التداولي الإعلامي –من حيث إن الإعلام هو الصانع الأساس للتصورات والتمثلات، والمشكل الأبرز للوعي والإدراك– إنما هو تفريط في المرجعية الحاضنة لها، والتي قوامها الامتداد في العمق التاريخي، والامتلاء الحضاري، والانسجام بين العناصر المكونة لها، وما يستتبع ذلك من أصالة وثبات، على نقيض ما تحيل عليه (اللغة الهجينة) التي أضحت –كما تبين– العلامة المميزة للخطاب الإعلامي المعاصر، بما هي (لغة) لا هوية حقيقية لها، ولا مرجعية محددة تحضنها. أو أنها – في أحسن الأحوال – ذات (هوية هجينة مدجنة): (عامية– عاميات– لغة فصيحة– إنجليزية– فرنسية، إلخ).
وأي لسان بهذه المواصفات لا يمكن أن يسهم في خلق الإبداع، أو بناء فكر، أو صناعة ثقافة (بالمعنى الإيجابي العميق). بل ليمكن القول إن وضعاً لغوياً كهذا من شأنه أن يقوض الإبداع الثقافي والإنتاج الفكري. ذلك أن اللسان الغريب عن التربة الحضارية للأمة لا يمكن أن يولد إلا (ثقافة غريبة) و(فكراً مغترباً)، بل إنساناً مغترباً عن محيطه المحلي والكوني، لكونه يفقد صاحبه حقيقة وجوده وصميم هويته (أي اللغة الأم). لهذا (فالنظرة إلى اللغة ينبغي ألا تقصر على أنها مجرد سوق استهلاكية جديدة، أو سوى فتح تلفزيوني إعلامي يتجلبب بالعباءة العربية، وإنما من جهة كونه يرطن بلغة هجينة مغربة)، لها تداعيات مخيفة على الإنسان والفكر والثقافة والحضارة.
من هنا يمكن التنبيه إلى أنه بدل أن تمارس وسائل الإعلام في المجتمع العربي دورها في التحصين الثقافي والوعي الحضاري، وتقدم النماذج التي تبني الشخصية وتحمل الرسالة، وتثير الاقتداء، وتحسن التعامل مع الإعلام الغازي وتواجهه، وتشعر الأمة بالاستفزاز والتحدي الذي يجمع طاقاتها ويبصرها بطريقها ويساهم في صمودها؛ بدل كل ذلك تحولت (جلها) إلى وسائل هدم تسهم في تكسير أسلحة الأمة (وعلى رأسها اللغة ومن بعدها القيم والأخلاق) وإلغاء حدودها الفكرية والثقافية لتمكن لمرور (الآخر) واختراق الهوية العربية الإسلامية، وقد تتجاوز أكثر من ذلك حيث تغدو أداة (للآخر) فتبرز (العمالة الإعلامية) كتجل من تجليات العمالة الثقافية والسياسية في مراحل تطور الدولة التاريخي.
وإذا تبين هذا تبين معه كذلك أن الأزمة التي تعيشها اللغة العربية الفصيحة اليوم إنما هي أزمة متعددة المداخل وفي مستويات كثيرة لم تعد محتملة؛ أزمة وضع (في التعليم والإدارة والاقتصاد) أو مأسسة لغوية غير مناسبة ولا مجدية، وحقوق لغوية مجهضة، وقانون يتنافى والواقع، وأزمة متن (معاجم وقواعد ونصوص) ووظيفيات (في الحياة العامة والإدارة)، واقتصاد وسياسة واجتماع وإعلام إلخ. الأمر الذي يعكس مدى هشاشة الوضع اللغوي العربي، وحدة الأخطار المحدقة به، لما يعيشه من حصار بين اللغات الأجنبية الكاسحة من جهة والعاميات المتنامية من جهة أخرى، فضلاً عن التحامل المشهود على لغة الضاد، بشكل مباشر أو غير مباشر، محلياً وكونياً. لذا فالمعالجة الملحة والعقلانية صارت أمراً لا يتحمل مزيد إهمال ولا تأجيل، لأن إصلاح الشأن اللغوي المتردي وتقويم اعوجاجاته هو في الآن نفسه (ترميم) وإصلاح للهوية العربية، لكون الأزمة واحدة، والمآل واحد على سبيل اللزوم والتعدي. ومعنى هذا أنه لا فصل ممكن بين أزمة اللغة العربية القائمة فعلاً وأزمة الهوية العربية الموجودة حقيقة، فاندحار اللغة اندحار للهوية الموصولة بها، كما أن تآكل هوية جماعة بشرية ما ينعكس على صفحات اللغة التي يتحدثونها.
 وإذا كانت من مزايا للإعلام المعاصر، إنما تتمثل في كونه –من خلال توظيفاته اللغوية وتكريسه لنمط لغوي متهرئ- جعلنا نشاهد، على شاشات القنوات الفضائية وصفحات المواقع الإلكترونية، حقيقة هويتنا المأزومة، ونقرأ على صفحات الجرائد والمجلات معالم ضعفنا البارزة ونعرف مدى تفريطنا في هويتنا ولغتنا معاً. لذا فالمطلوب تبعاً لهذا الاجتهاد في محاصرة الأزمة بتقويم ما اعوج في لغتنا وهويتنا على حد سواء، على نحو يمكنهما من الابتعاد عن منطقة الغربة ووضع الاغتراب، ونقلهما من حال الضعف والهامشية إلى حال القوة والمركزية أو على الأقل، رفعهما إلى منزلة التميز (الطبيعي) والاستقلالية، بما يضمن قدراً من الأمن اللغوي العربي ونصيباً من المتانة والتماسك للهوية العربية، في زمان صار فيه تهديد الأمن اللساني وفقدان التوازن (الهوياتي) يعني الانصهار في الثقافة الغربية المسيطرة، والذوبان في الفكر (المؤمْركْ) المهيمن وتبعاً لذلك انتفاء الوجود الاعتباري واستحالته عدماً.

المجلة العربية