|

اللغة العربية فى الجزائر.. بين الوجود والتغييب - 1
أ. عفاف عنيبة
إختيارى لهذا الموضوع أملاه على شعورى بالأخطارا لمحدقة بمصير اللغة العربية فى الجزائر، إنني لا أستطيع أن أنسى حجم الصدمة التى تعرضت لها بعد عودتى النهائية إلى أرض الوطن فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى. فقد كنت أحمل تصورا جميلا عن تمسك الجزائرين بلغتهم العربية فإذا بى أكتشف وبمجرد نزولى إلى مطار هوارى بومدين، أن عربيتى لم تكن مفهومة لدى جل من كانوا يخاطبونني. فالعامية التى كان يتحدث بها الجزائرين وا يزالون، تغلب عليها مفردات اللغة الفرنسية واللغة التى كنت أستعملها بطلاقة كانت عامية عربية خالية من أي مفردة أو لفظة أجنبية.
منذ 1987 إلى يومنا هذا تسنى لي الوقوف على فصول المحنة التي واجهت ولا تزال تواجه اللغة العربية فى بلادنا وقد لامست عن قرب وبصفة مباشرة ذلك العداء الذى صار يلاحق العربية فى بلد المليون ونصف مليون شهيد. فقد تعرضت فى مناسبتين منفصلتين الى تهديدات بمغادرة الجزائر، وهذا من طرف أشخاص يعتقدون خطأ أن العربية هى لغة قوم قاموا بغزو الجزائر وسكانها الاصليين وفرضوا عليها بقوة السلاح لغة أجنبية عنها وبتعبير أحدهم اللغة العربية هى "لغة المستعمر العربي!" كم فى هذا الوصف من تجنى على العرب الفاتحين وعلى رسالتهم الخالدة "الإسلام"!
قبل أن امر إلى الفصل الأول، أريد أن أنبه أننى عبر هذا البحث أريد أن أعبر عن إنشغالي حول تقهقر اللغة العربية فى حياتنا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وحتى السياسية مع أنها لغة وطنية دستورية وأريد من خلالها ان أظهر تقصير الهيئات الرسمية والخاصة فى تثبيتها وتجذيرها فى واقعنا المعيش.
لا يكفى أن نقول أن اللغة العربية لا خوف عليها فى الجزائر فهى لغة دستورية، فإذا ما كانت فعلا فى رأي الجميع لغة وطنية وتمثل حقا إحدى ثوابت الدولة الجزائرية علينا ان نلتزم بها مسؤولين ومواطنين على السواء.
1) تاريخ اللغة العربية فى الجزائر:
لم تأتي اللغة العربية من فراغ وبروزها جاء كاملا. إننى ممن يتحفظون فى تحديد للعربية تاريخ ميلاد معين، فهى لغة الله سبحانه وبها خاطب سيدنا آدم عليه السلام، فهى قديمة قدم الإنسانية، وقد أحسن وصفها الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم بقوله عز و جل "قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدى و بشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون اليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين (103)"سورة النحل، واللغة العربية لغة مسلمين وأقباط ومارونين وأشوريين وهى لغة دين لمسلمين ينتشرون من أقصى غرب آسيا تركيا إلى باكستان والهند مرورا بإيران إلى أندونيسيا وبعض الدول فى جنوب الصحراء بإفريقيا إلى الجمهوريات السوفياتية سابقا كأذبريجان وكازاخستان، وصولا إلى الجاليات المسلمة المستقرة فى أروبا وامريكا. قال عنها إرنست رينان(1) "إن من أغرب ما وقع فى تاريخ البشر، وصعب حل سره، إنتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادىء ذى بدء، فبدأت فى غاية الكمال سلسة أي سلاسة، غنية أى غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها إلى يومها هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة محكمة."
وعرفت أوج إشعاعها على العالم فى عصر الحضارة الإسلامية والتى دامت قرابة الألف سنة، فقد كانت إبانها لغة دين ولغة علم، إنتعشت أيما انتعاش وانتشرت إنتشارا لم يعرف له مثيل بين الكثير من الشعوب التى كانت تحت سلطة الإسلام وقد كان يدرسها المسيحيون الأروبيون فى الأندلس وكانت لغة قداسهم. وأول ما عرفت إفريقية اللغة العربية كان من أكثر من ألف سنة، أى بين عامي 76 و79 هجرية / 695 و698 ميلادية تاريخ الفتح الاسلامى النهائى، وقد فتح القائد المسلم حسان بن نعمان منطقة ما يسمى الآن بالمغرب العربى وقد حمل العرب المسلمون إلى سكانها الأصليين ومعظمهم من قبائل البربر رسالة الإسلام وتم انتشار الإسلام فى الجزائر فى بداية القرن الثامن الميلادى.
وفى هذا السياق أستقي لكم فقرة من كتاب الجزائر للسيد أحمد توفيق المدنى رحمه الله والذى وصف فيها أول عهد البربر بالعرب المسلمون الفاتحين قال فيها ما يلى(2): "جاء المسلمون هذه البلاد يريدون إخراجها من الظلمات الى النور وكان البربر فيها لا يزالون رغم تقادم العهد مصطبغين بالصبغة التي إكتسبوها من مجاورة الكنعانيين أبناء عم العرب؛ فلما إنتهت الوقائع الأولى التى وقعت بين العرب والبربر وهى تصادم طبيعى بين قوتين لم تختلطا بعد، رأى البربر أنهم يقفون أمام نوع جديد من الفتح الروحي، جاء العرب وبين أيديهم دستور محكم لا يخرجون فى أحكامهم عنه، هو كتاب الله، وأتوا بقاعدة جديدة هي: من أسلم فقد أصبح منا، له ما لنا وعليه ما علينا". وقد قال الأستاذ "كان البربر مثل العرب يحبون الاستقلال وكانوا معا رعاة متجولين؛ ولكلا الفريقين أميال واحدة وعواطف واحدة؛ شركاء فى حب الفخر وتعشق الحرية وإحترام الضيوف وإكرامهم. وأن هذا الاشتراك فى العواطف والأخلاق قد كسر الحواجز التى لم يستطع إختراقها لا الرومان لا الوندال ولا الروم وأصبح البربر أشد رجال الجند الاسلامى" هكذا أصبحوا حقا وهكذا يبقون بحول الله أبد الآبدين و دهر الداهرين.
نلحظ من خلال هذه الفقرة أن البربر ابدوا عدوانية ناحية العرب المسلمين فقط فى أول اتصال بينهم وبين العرب الفاتحين وعندما تمكنوا من التعرف عن كثب على مضمون رسالة الإسلام، أقبلوا على إعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية من منطلق أنها لغة دينهم ولغة الله سبحانه وتعالى، وأستعين هنا بفقرة من مقالة للاستاذ عبد المجيد مزيان رحمه الله والذى تدعم هذه الحقيقة التاريخية(3): "إن البربر الجزائرين عرفوا منذ الفتح الاسلامى بإقبالهم على تعلم اللغة العربية كونها الرافد الأساسى لعقيدتهم وثقافتهم الاسلامية" إلى قوله "كانت تبذل كل جماعة فى الحصول على قدر أدنى من الثقافة العربية الإسلامية لتنتسب للأمة. وتركت الكثير من القبائل لهجاتها الأصلية للأخذ باللسان العربي العامي كخطوة أولى للوصول إلى لسان الثقافة الإسلامية الذى هو اللسان العربي الفصيح. ولا تتنافي هذه الحقيقة مع تمسك كثير من الجماعات بلغاتها المحلية غير أن اللغات المحلية لم تزاحم فى يوما من الأيام لغة الأمة ولغة الثقافة الإسلامية التي كانت تحل محل البنية العليا منذ ظهور الإسلام بهذه البلاد وسواء تعرب الناس عن طريق المدن، أو عن طريق البوادى، سواء تركوا لهجاتهم الأصلية نهائيا أو حافظوا عليها مع إكتساب العربية كلغة للأمة الإسلامية التى ينتسبون إليها من أعماق شعورهم، فإن أنواع التعريب كلها راجعة إلى الثقافة الإسلامية".
ودائما حسب المؤرخ الراحل توفيق المدنى "أخذ البربر عن الجند العربى ورجال العلم دين الاسلام واللغة العربية وأرسل اليهم فيما بعد (الخليفة) عمر بن عبد العزيز (رضى الله عنه) عشرة من أكابر الفقهاء لتعليمهم أصول الديانة الإسلامية وتثقيفهم بالثقافة الاسلامية."
و بعد عصر الولاة المسلمين الذين كانت تعينهم الدولة الأموية فى دمشق جاءت سلطة الرستميين فى غرب الجزائر فى 777م وبسطت الدولة الأغلبية نفوذها على منطقة شرق ووسط الجزائر وبنى مزاب، "ولقد بلغ التسامح الدينى فى دولة بنى رستم مبلغا سمح لليهود بمزاولة العلم كالمسلمين والتبحر فيه. حتى نبغ من بينهم يهوذا ابن قريش الذى ترك كتابا عجيبا لايزال الى اليوم موجودا بمكتبة أكسفورد وقد نظر فى كتابه هذا بين العربية والعبرية والبربرية وأثبت أن أصلها واحد." وبعد الدولتين الرستمية والأغلبية تمكن الفاطميون فى 911م من تأسيس دولة لهم فى الجزائر، وأعقبت الدولة الفاطمية فى 1062م دولة بنى حماد فى القلعة ثم فى بجاية وبعدها إمتدت الى كامل التراب الجزائرى، وقد كان دينها الإسلام ولغتها العربية، وبالنفي القسرى لبنو هلال إلى شمال إفريقية وهم قبائل عربية وجدوا الترحاب من إخوانهم البربر واندمجوا شيئا فشىء فى المجتمع البربرى المسلم للمغرب الأوسط، وبإحتكاك البربر ببني هلال ذوي اللسان العربى، تعزز شأن اللغة العربية لدى البربر المسلمين وأخذت تعم.
إذن صارت اللغة العربية لغة جل سكان الجزائر من بربر وعرب وهذا إبتداءا من القرن التاسع الميلادى أي فى عهد دولة بنى حماد، ويجب أن ننوه بأمر أراه جد مهم ولنا أن نثبته فى هذا الموضع وهو أن العرب الفاتحين بقيادة موسى بن نصير وعقبة بن نافع وحسان بن نعمان يوم فتحوا إفريقية حرصوا على عرض الاسلام على البربر دون إلزامهم بتعلم اللغة العربية تاركين لهم الخيار فى تعلمها عن طواعية أو الحفاظ على البربرية. وقد سبق لي وأن اشرت بأن إقبال البربر على العربية كان من تلقاء أنفسهم ورغبة منهم فى معرفة دينهم الإسلام معرفة صحيحة، ووفود قبائل بني هلال فى القرن التاسع الميلادى إلى مناطق حكم دولة بنى حماد ضاعف إنتشارها فى أوساط السكان الأصليين، باستثناء البعض الذين فضلوا التمسك بالبربرية ولم يعترض البربر ذوو اللسان المعرب على إخوانهم البربر المتمسكين بلهجاتهم.
وتلا حكم بنى حماد من القرن التاسع الميلادى إلى القرن الثالث عشر حكم الموحدين والمرابطين الذين أسسوا دولتين قويتين ومزدهرتين، وبعد أفول نجمهما جاء دور الزيانين فى تأسيس دولة لهم عاصمتها تلمسان إلا أن القوة المتعاظمة لإسبانيا فى بداية القرن الرابع عشر خاصة بعد قضاءها على دولة الأندلس المسلمة باتت تقلق الجزائرين شعبا وحكاما، ومع بدايات النهضة الأروبية وعصر الاكتشافات الجغرافية، شرع الإسبان فى الهجوم على سواحل الجزائر واشتدت هجوماتهم تلك بعد ما إحتلوا مواقع هامة من الساحل الجزائرى، فاستنجد الجزائريون فى عام 1518م بالإخوة بربروس العثمانيين الذين لبوا ندائهم وطردوا الغزاة الإسبان. فالذى يلفت الإنتباه أن جميع هذه المماليك والدول الاسلامية التى تعاقبت على أرض الجزائر منذ فتح البلاد على أيدى القائد حسان بن نعمان الى فترة الحماية العثمانية، أنجبت العام تلو العام والقرن تلو القرن علماء وأدباء ومؤرخين أفذاذ وإن ذكرت أسماء بعضهم لن أوفي حق جميعهم، مثل القاضى محمد بن عبد الله إبن الشيخ، والعلامة أحمد بن على بن أحمد البغائى، وبلقاسم بن على بن خويلد البسكرى وكان من علماء العربية، والعلامة دونش بن تميم الطبيب الفيلسوف اللغوى، والجغرافى محمد بن الوراق، والطبيب العالم أحمد بن الجزار، ومن العلماء والأدباء الذين عاشوا فى كنف دولة بنى حماد الشاعر والمؤرخ أبو عبد الله محمد بن على الصنهاجى، والمؤرخ إبن حماد، ومطرف على بن حمدون العالم الفقيه، وأبو الحسن على بن شكر القلعى، وإبن عفراء النحوى اللغوى الشهير، وإبن الرماح محمد ابن عبد المعطى العلامة الدينى، والعالم والمصلح الكبير الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسى، ونبغ فى القرن الحادى عشر أمير الحاج الجزائرى، والشيخ محمد بن عبد الكريم الفكون القسنطينى، ويحى بن صالح الشاوى المليانى العلامة الفقيه، والعلامة سعيد المقري الذى كان مفتيا بتلمسان لمدة ستين عاما وأعظم من إشتهر فى القرن الثانى عشر سيدى عمر بن محمد المنقلاتى القبائلى المتوفى فى سنة 1105 ونابغي القرن الثالث عشر محمد بن المسبح القسنطينى مفتى الحنفية بقسنطينة وسيدى محمد بن عبد الملك الراشدى مفتى المالكية بالعاصمة فى 1233 والأمير عبد القادر الهاشمى الذى تميز فى العلوم والفنون، والقائمة طويلة وهؤلاء العلماء الأجلاء كلهم تتلمذوا وتلقوا العلم واجتهدوا ونهضوا لمهمة طلب العلم وتبليغه باللغة العربية، فقد كانت الرافد الأساسى الذى من خلاله إستطاعوا أن يضمنوا الصيرورة الحضارية للجزائر وشمال إفريقيا كلها، فى الوقت ذاته التى كانت أروبا تغط فى نوم عميق وهذا بسبب سطوة الكنيسة فى العصور الوسطى على حياة شعوبها وقد كانت تحرم طلب العلم على شعوبها وتحتكر حق الاجتهاد فى علم الكهنوت على مجموعة قليلة من كبار قساوستها.
إننا إن أمعنا النظر فى الفترة الممتدة بين 698م إلى 1554م تاريخ انضمام الجزائر إلى الإمبراطورية العثمانية وهذا بعد تولى أحد الإخوة بربروس الحكم فى الجزائر كممثل للباب العالي وأشحنا بنظرنا بعد ذلك إلى شمال البحر الابيض المتوسط أى إلى أروبا فى نفس الفترة لوقفنا على الفوارق العظيمة التى كانت قائمة آنذاك بيننا وبين الأروبيين، فقد كنا متفوقين عليهم حضاريا ومتقدمين عليهم علميا وهذا فى كل المجالات.
إن عصر النهضة الأروبية بدأ فى القرن الرابع عشرميلادى فى إيطاليا وشاع فى باقى أوروبا فى القرن السادس عشر، وأى كانت حجة المدرسة التاريخية والفكرية الغربية التى تنسب هذه النهضة إلى إعادة إكتشاف أروبا لتراثها الإغريقى، فالذى لا يخفى على أى ملاحظ منصف أن تراث الإغريق أخذه الغرب من المسلمين الذين قاموا بعملية ترجمة إلى العربية لجل أعمال الإغريق وعلومهم وانطلقوا من ترجماتهم لتراث الإغريق فى طلبهم للعلم ليضيفوا عليه الكثير والكثير، فتلقى الأروبيون بالإضافة إلى تراث الإغريق السهم المسلم من التقدم العلمي، فالمسلمون لم يكتفوا بنسخ ما توصل إليه فلاسفة وعلماء الإغريق بل أعملوا فكرهم وعقلهم لقطع أشواط كبيرة فى التطور الحضارى، وتم لهم ذلك باللغة العربية التى بمقتضى ذلك صارت أكثر اللغات العالمية إزدهارا و شيوعا. وقد أعطت الجزائر ومنذ أيام الفتح الإسلامى إلى الشهور الأخيرة قبل الاحتلال الفرنسى لها فى 1830م أمثلة رائعة عن تمسك البربر بلغة دينهم العربية.
إن تراث المخطوطات التى أورثنا إياه المسلمون الجزائريون عبر ألف سنة دليل آخر عن تمسكهم بلغة القرآن، والدارس لتاريخ الجزائر على مدى عشرة قرون لن يجد أى ذكر لنزاع قام بين العرب والبربر حول اللغة العربية، مع العلم أن العرب كانوا أقلية بالنظر الى غالبية السكان البربر ومن غير المعقول أن تفرض أقلية عربية مسلمة اللغة العربية على غالبية بربرية، فقد كان إقبال البربر على العربية بملىء إرادتهم الحرة.
veecos net
|
|
|
|