اللغة العربية فى الجزائر.. بين الوجود والتغييب - 3

أ. عفاف عنيبة

اللغة العربية بعد الاستقلال: غداة الاستقلال فى عام 1962 إنشغل قادة حرب التحرير ومن تسلموا مقاليد الحكم بالكثير من القضايا الحيوية والمشاكل العويصة التى تعترض عادة كل دولة فتية استعادت إستقلالها للتو، وكانت إحدى المسلمات التى أرساها إستقلال الجزائر وإرادة القيادة السياسية آنذاك هى اعتبار اللغة العربية إحدى مكونات الشخصية الوطنية الجزائرية جنبا الى جنب المقوم الأساسى الآخر وهو الإسلام.

فشخصية أى أمة تتألف من عناصر ثلاث: الدين، اللغة وحب الوطن. ولكن المؤسف أن القيادة السياسية آنذاك غيبت البعد البربرى كأحد المكونات الأساسية للهوية الجزائرية المسلمة. مما أعطى للحركة البربرية، التى تنامت فى عهد الرئيس بومدين، الشرعية التى لم تكن لتحصل عليها لولا الإعتراف منذ البداية من أن المجتمع الجزائرى فى غالبيته بربرى، وبوجوب إحترام لهجاته المحلية،فيفوتوا على العدو القديم الجديد فرصة بث أسباب الفرقة على مدى أربعة عقود ،وتشجيعه وتبنيه المشبوه لحقوق الحركة البربرية الحديثة، من منطلق المطالبة بحماية حقوق أقلية عرقية مضطهدة والكل يعلم أن البربر ليسوا أقلية وهم أغلبية الشعب الجزائري، والغالبية هذه أظهرت نضجا كبيرا بعدم إنسياقها وراء مطالب أقلية من البربر المتطرفين الذين لا يمثلون إلا أنفسهم. ولا يجب أن أنكر أن القيادة السياسية غداة الاستقلال بذلت جهودا كبيرة لإعادة اللغة العربية إلى مكانتها الأصلية لتكون أداة تواصل لكل الجزائرين.

بعد ما غزت فرنسا  الجزائر، دخلت لغة أجنبية مع الغزاة. حاول الغزاة الفرنسيون أن يجعلوا من الجزائر قطعة من فرنسا. حاربوا الدين وحاربوا اللغة العربية لإرتباطها بهذا الدين. ولكنهم تعلموا من الحروب الصليبية أن الحرب الدينية طويلة المدى بطيئة النتائج، فخططوا لها على المدى البعيد. أما الحرب اللغوية فقد فرضوها فى كل مكان وبكل أسلوب ومن أساليبهم فى ذلك ما هو مباشر: أى فرض اللغة الفرنسية، وماهو غير مباشر من إحياء اللهجات المحلية وتقديمها علي أنها لغات مزاحمة ورافضة للغة العربية. بعد حرب التحرير وإنتصار الثورة كان لا بد من أن تعود الأمور الى مجراها الطبيعى أى الى أصالتها. أى أن نبدأ من حيث تشعبت الطرق، وبتعبير أوضح أن نبدأ بإعادة العربية إلى مكانتها: لغة دين وثقافة وتعامل يومى، لغة المدرسة و الحياة.

إن الإهتمام بالعربية وتأكيدها لا يعنى إغلاق النوافذ فى وجه اللغات الأجنبية، سواء أكانت اللغة الأجنبية فرنسية أم إنجيليزية أو ما شئتم من اللغات الأخرى. نريد القضاء على بقايا الاحتلال الفرنسى من حيث هى أدوات إحتلال..." الفرنسية فى ذهنى ولسانى لغة ولكنها إذا حلت محل العربية على ألسنة الأطفال والتلاميذ وفى عقول الطلاب والجامعيين فهى ليست لغة وإنما إحتلال. وقد افتقدنا مليونا ونصف مليون من الشهداء وقاسينا تاريخا طويلا من النكبات من أجل أن نطرد الإحتلال."  

وهذه الفقرة التى إستقيتها من حوار أجرى لوزير الثقافة والاعلام الجزائرى فى 1973 الدكتور أحمد طالب الابراهيمى تظهر لنا التصور الذى كان قائما فى أذهان المسؤولين السياسين بعد الإستقلال، فقد كانت تجابههم تحديات كثيرة منها تعريب اللسان الجزائرى الذى إعتاد التحدث باللغة الفرنسية أيام الإحتلال الفرنسى إلا أن العملاء الذين تركتهم فرنسا خلفها حاربوا كل الإجراءات التى إتخذت على مستوى الدولة لإعادة الإعتبار إلى اللغة العربية وعرقلوا مسيرة التعريب بشتى الطرق، مدعين أن اللغة العربية ليست لغة علم! فهى فى نظرهم لغة ميتة وطالبوا بالحفاظ على نظام الإزدواجية اللغوية أى التمسك بلغتين الفرنسية والعربية وطبعا تكون الغلبة للغة الفرنسية. إعترض على ذلك القائمون على شأن التعريب ودائما حسب قول الدكتور الإبراهيمى "نحن نفهم الازدواجية بمعنى أن يكون الشاب الجزائرى متقنا للغة العربية متفتحا على لغة من اللغات الأجنبية أو على أكثر من لغة... حركة التعريب إذن عودة الى الأصالة. إنها تعنى إستعمال اللغة العربية وتعميمها وإتقانها، وذلك أمر لا يسد الطريق على اللغة الأجنبية ولكنه لا يشترط الإزدواجية شرطا ولا ينطلق منها ولايحتم أن تكون اللغة الثانية هى اللغة الفرنسية."

ودائما فيما يخص الازدواجية أنقل لكم هذه الفقرة للسيد مساعدية رحمه الله والذى يبين فيه عدم لزوم الازدواجية التى تضر بمقومات الشخصية الوطنية: "أما الإزدواجية، فإننا نبدأ بالتساؤل عن المقصود منها والإلحاح عليها من قبل البعض، فإذا كان المقصود منها الإيحاء بعجز اللغة العربية عن أداء دورها الوظيفى فى جميع مجالات الحياة، فإن النقاش فى هذا التحفظ أو هذا الإتهام الذى تجاوزته الاحداث يصبح نوعا من السفسطة. أما إذا كان المقصود إكتساب وإتقان لغة أجنبية أخرى وتمكين ذو الثقافة العربية من الإنفتاح على الخارج فنحن لسنا مع الإزدواج فقط وإنما نحن من أنصار التعدد ولماذا نقصر هذا الإزدواج على اللغة الفرنسية وحدها، فالجزائر اليوم لها علاقات واسعة مع العالم أجمع وبهذا الإعتبار فإننا يجب أن نهتم لا باللغة الفرنسية فقط وإنما باللغات الأخرى الإنجيلزية، والإسبانية... والإهتمام بهذه اللغات يجب أن يتم فى مرحلة لاحقة من التعليم ولا ينبغى أن تعامل على قدم المساواة مع اللغة العربية ولكن لو حللنا هدف الإزدواجية فى إطارها المحدود، لوجدنا أنه لا يخرج عن طريق مقاسمة اللغة العربية لسيادتها فى عقر دارها، وترسيخ التبعية الثقافية التى نعمل للتخلص منها."

إذن قاطرة التعريب فى الجزائر غداة الاستقلال بدأت كإرادة سياسية جسدها المرسومين الرئاسيين الأول الصادر فى 22 مايو 1964 ويقضى بتأسيس مدرسة عليا للترجمة تتولى تكوين المترجمين والتراجمة ومهمتهم مساعدة المثقفين باللغة العربية والمتعلمين بلغات أجنبية على التفاهم وفى خطوة تالية تنهض لترجمة تراثنا المكتوب باللغة الأجنبية إلي اللغة الوطنية وفى مرسوم ثانى ويحمل رقم 68-92 المؤرخ فى 28 محرم عام 1388 هـ الموافق لـ 26 ابريل سنة 1968م يقضى بإجبارية معرفة اللغة الوطنية على الموظفين ومن يماثلهم وقد أمضاه الرئيس هوارى بومدين رحمه  الله. والعديد من المراسيم الأخرى صدرت لتدعيم نشر وتعلم اللغة العربية على جميع المستويات وقد إشترطت إحدى الإجراءات المشجعة للغة الوطنية أن يحصل كل موظف فى الدولة على شهادة السادسة ابتدائى باللغة العربية لكى يبقى فى منصبه أو كشرط للتوظيف فى القطاع العمومى. لكن أعداء العربية كانوا بالمرصاد لها، فالاطارات المسؤولة التى كانت تقع عليها مهمة التعريب كان بعضها مفرنسا وهؤلاء  إعتبروا  أن سياسة التعريب إجراء عدائى لهم، هذا بالإضافة إلى تقصير بعض الأجهزة فى الدولة التى لم تحفز بشكل كاف الموظفين فى مختلف الإدارات على تعلم اللغة العربية، ولم تشترط إتقان اللغة الوطنية كشرط من شروط الإرتقاء فى المراتب الوظيفية، و مما زاد طين بلة قرارات وزارية تطلب من موظفى الوزارات عدم أخذ مأخذ جد المرسوم الرئاسى الصادر فى 1968 وإدعاء اللوبى العميل والمستلب أن اللغة العربية عاجزة عن مواكبة متطلبات العصر!

لهذا فقد بقيت جهود التعريب دون المستوى وهذا رغم قانون تعريب التعليم بكافة مستوياته (المتمخض عن مؤتمر التعريب الثانى الذى إنعقد فى دسمبر 1973 بالجزائر، والذى أشرفت عليه الجامعة العربية الإدارة الثقافية أولا ثم المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة ومن أبرز توصيات هذا المؤتمر توصية يناشد فيها الحكومات العربية جميعا أن تباشر بتطبيق برنامج مرحلى مرسوم لتعميم التدريس باللغة العربية فى مراحل التعليم كلها للمواد العلمية والأدبية بدءا من العام الدراسى الموالى أى 1974)، إلا أن العديد من الفروع الجامعية في الجزائر حافظت على  اللغة الفرنسية كلغة تدريس فى الفروع العلمية من رياضيات وطب وقد كان المتخرج من الجامعة الجزائرية آنذاك وعندما يجد منصب عمل فى القطاع العمومى، كان يجابه بمطلب مخالف لقانون التعريب ألا وهو إتقانه اللغة الفرنسية وإستعمالها لغة عمله وعليه أن يقدم بالإضافة إلي ذلك شهادته باللغة الفرنسية !  هذا ولم تصل اللغة العربية إلى لسان الشعب الذى بقى يتحدث عامية يصفها بالعربية، وماهى بالعربية كونها تتضمن ألفاظ فرنسية وأخرى من إختراع المخيلة الشعبية والتى لا تمت بصلة إلى لغة القرآن ونسبة هذه الالفاظ تتجاوز 60 % وبقية الحديث الذى تستعمل فيه العربية تبدو فيه لغة الضاد مشوهة لأن اللسان الشعبى و لمحدودية معرفته باللغة العربية لا ينطقها صحيحة. ومن جانب آخر لم يكتفى أذيال الإستعمار فى بلادنا من محاربة اللغة العربية فى سائر الميادين الحيوية ومحاولاتهم المتكررة والعنيدة فى فرض الفرنسية وإدامة وجودها فى أرض المليون ونصف الشهيد، بل دأبوا على إثارة الفتنة بزعمهم أن اللغة الأصلية للبلاد ليست العربية وإنما اللهجات المحلية لكل منطقة وقبيلة فى التراب الوطنى ورفعوا من شأن هذه اللهجات إلى حد أن اعتبروها لغة وإمعانا فى معاداتهم للغة العربية ضمنوا هذه "اللغة "التى سموها بالامازيغية أبجدية لاتينية!

وقد حسمت القبائل البربرية فى الجزائر منذ أكثر من ألف سنة موقفها من اللغة العربية بتبنيها لها والعمل بها وأما الأصوات الصاخبة التى بدأ ضجيجها يتعاظم بعد دستور 1989 والتى تطالب بدسترة الأمازيغية مدعية أن العربية هى لغة المستعمر العربى وأن العنصر العربى فى الجزائر دخيل عن مجتمعنا وأنه آن الآوان لتصفية الحسابات مع العربية والعرب فهي تتآمر علي المكشوف ونواياها الخبيثة لا تخفي علي العاقل ولا حتي على السفيه !!

لماذا تدستر اللهجات المحلية وهى لهجات وطنية معترف بها كبديهة من البديهيات وهل نقارن لهجة ونضعها فى نفس المستوى للغة الإعجاز القرآنى ومن منع القبائلى أو الشاوى من تحدث  لهجته؟ فإن حصل منعا فعلا فقد كان لمدة قصيرة من تاريخ الجزائر الحديث. والآن ف مسموح لكل  البربر أن يتحدثوا لهجاتهم دون أدنى حجر، ألم ينص الدستور الوطنى بعد تعديلات على الاعتراف بأن إحدى مكونات الشخصية الجزائرية المسلمة هى الأمازيغية ؟! للأسف الشديد هذه الأصوات الناشزة لم تجد من يتصدى لها بحزم من طرف السلطات، وأما الوطنيين من أبناء هذا البلد فردة فعلهم بقيت وتبقى ضعيفة جدا بالمقارنة للنشاط المكثف للحركة المعادية لإحدى ثوابت بلدنا.

وقد يتساءل الواحد منكم، لماذا لم ينص دستور 1976 عن رافد الأمازيغية وتأخر الاعتراف بها فى الجزائر المستقلة الى دستور عام 1989؟ الجزء الأول من الرد عن هذا السؤال  قد أعطيته فى مقدمة  هذا الفصل والجزء الثانى من الرد سأوافيكم به فى  الفصل الموالى ان شاء الله.

veecos net