|

اللغة العربية فى الجزائر.. بين الوجود والتغييب - 4
أ. عفاف عنيبة
مآخذ علي سياسة التعريب: إن سياسة التعريب وبعد أربعين سنة من الإستقلال فشلت وهذا لعدة أسباب، منها أولا أن هذه السياسة التى دشنت غداة الإستقلال عرفت تذبذبا كبيرا، ففى نهاية الستينات وبداية السبعينات بلغت أوج عنفوانها ثم بدأت تلهث إرادة التعريب لتضعف وتخمد تماما فى نهاية التسعينات، وهذا برغم إنشاء المجلس الأعلى للغة العربية وأكاديمية اللغة الوطنية، فهاتين الهيئتين ذات طابع إستشارى وليس إلزامى كما كان قانون التعريب، فهما لا يستطيعان إلزام الإدارة الجزائرية على إستعمال اللغة العربية ولا تملكان سلطة معاقبة الإدارة الجزائرية إن لم تلتزم باللغة الوطنية وهى اللغة العربية.
السبب الثانى لفشل سياسة التعريب هو الإختلالات التى رافقت عملية تنفيذها وضعف التخطيط لها بطريقة شمولية و ذكية، فما الذى يفيد تعريب قطاع معين دون قطاعات أخرى ؟. فضرورة تعلم اللغة العربية قدمت بشكل جاف وقد جاءت بلغة الأمر، عوض أن يسلك المشرفون على هذه السياسة سبل غير الترهيب وحاولوا تقريب اللغة العربية من وجدان الإطارات والموظفين مستغلين عامل الإستقلال الحديث وتذكيرهم بوحشية المحتل الفرنسى، مراهنين على وطنية الجزائرين فباستثناء الجزائرين الذين بقوا على ولائهم للمحتل عبر لغته إننى أتصور أن غالبية الجزائرين فى بدايات الإستقلال كانوا من أبناء الشهداء والمجاهدين الذين خاضوا حرب تحريرية مريرة. ومما لا شك فيه أنهم بانتزاعهم للإستقلال كانوا يتحرقون للقضاء على كل وجود فرنسى فى بلادهم واللغة الفرنسية هى إحدى أوجه الاحتلال الثقافي الذى كان بإمكان القائمين على التعريب أن ينبهوا المواطنين إليها.
المأخذ الثالث لسياسة التعريب أنها لم تواجه العمل التخريبى الذى كان يقوم به عن نية مبيتة الموالون لفرنسا من أشباه الجزائرين، فالمشرفين والذين كانت ملقاة على كاهلهم مسؤولية التعريب هون بعضهم من عداء العملاء المبثوثين فى الإدارة وفى دواليب الحكم ومن تأثيرهم السلبى على مسيرة التعريب إن لم يكن بعضهم من الأعداء الألداء للتعريب وقد نتج عن ذلك تعاظم شوكة المعادين لثابت من ثوابت الجزائر إلى درجة أننا ومنذ 1989 نشهد الجهد المركز والخبيث لشريحة كاملة من المستلبين المفرنسين وهم يحاولون فرض اللغة الفرنسية الى جنب لهجات محلية كلغات وطنية والأخطر من هذا فهم يعبرون الآن جهارا نهارا الى جانب رفضهم للغة العربية عن رفضهم أيضا للاسلام كدين وتاريخ الجزائر الاسلامى.
والسبب الرابع وراء فشل التعريب، أن بعض المشرفين عليها كانوا من الجزائرين المتحمسين للقومية العربية، مع العلم أن القومية العربية هى رابطة توحد بين جميع الشعوب التى هى من أصول عربية والناطقة باللغة العربية وهذه الرابطة تعتمد على العرى العرقية أكثر منها على وشائج العقيدة وهى مذهب عنصرى يفرق بين العربى والأعجمى بناءا على إنتماءه العرقى وهؤلاء أيضا أضروا بسياسة التعريب فقد تجاهلوا تماما أن الشعب الجزائرى فى غالبيته من أصول بربرية، وبقفزهم على التكوين العرقى للشعب الجزائرى إستعدوا فئة من البربر للغة العربية ولعل لهذا السبب لم يتضمن دستور 1976 كأحد مكونات الهوية الوطنية البعد الأمازيغى، وحوربت اللهجات الوطنية، فالذى وحد بين الجزائرى البربرى و بين الجزائرى العربى والجزائرى المنحدر من أصول تركية والجزائرى ذو الأصول الإفريقية هي رابطة الإسلام أى رابطة العقيدة وبما أن لغة الاسلام هى العربية فجميع هؤلاء متمسكون بها.
إن القومية العربية غريبة عن عقيدتنا الاسلامية وقد قال الله عز و جل فى سورة الحجرات الآية 13 "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، إن الله عليم خبير." فلا فرق بين عربى وأعجمى إلا بالتقوى وبناءا على هذا لم تنجح سياسة التعريب فى مخاطبة عقل وروح الجزائرى.
والسبب الخامس الذى عجل فى فشل سياسة التعريب أنها لم تربطه بإنتماءه الحضارى الاسلامى، فقد كان بإمكان المشرفين عليها أن يعيدوا فتح صفحات تاريخ الجزائر قبل الإستعمار الغاشم وحث المواطنين على التعرف على تاريخ الحركة العلمية التى كانت سائدة فى دويلات الرستميين والفاطميين وبنى حماد والموحدين والمرابطين وبأى لغة كان يطلب فيها العلم آنذاك ؟
عانت اللغة العربية فى بدايات الاستقلال الى يومنا هذا من القطيعة التاريخية التى عمل عملاء الإستعمار على تكريسها. فالجزائرى اليوم يجهل كل شىء عن الجزائر فى القرن الحادى عشر ميلادى أو القرنين الثانى والثالث عشر ومعرفته لحقبة الإستعمار سطحية للغاية. لهذا نراه غير مبال، فهو لا يهمه بأى لغة يتحدث بقدر ما يهمه أن يحقق مآربه المادية التى لا علاقة لها بدور الانسان المسلم المستخلف الذى يجب أن يضطلع به والذى يهمه ان يكون عضوا فاعلا فى نهضة حضارية لبلاده وأمته الإسلامية. إن أى نهضة حضارية مستحيلة إذا ما كان إنسانها يعيش مسلوب الإرادة والشخصية وهذا هو حال المواطن الجزائرى للأسف الشديد، إننا اليوم فى 1432 هجرية الموافق لـ 2011 ميلادية نفتقد إلي نموذج المواطن الجزائرى المعتد بإنتماءه العربى الأمازيغى الإسلامى ولمتوثب إلى لعب دور أساسى فى بناء بلاده والنهوض بها ثقافيا، إجتماعيا، وإقتصاديا.
veecos net
|
|
|
|