|

إلى متى ستبقى التاء المربوطة.. مربوطة؟
د. صبري صيدم
كتب أحد الأصدقاء ذات يوم عنوان هذا المقال على صفحته على شبكات الإعلام الاجتماعي متهكماً على حال الدنيا في عالمنا العربي جامعاً ما بين الطرفة والحسرة.
خفة الروح دفعت الصديق الصدوق ليطرح أسئلة ظريفة أخرى متسائلاً: إلى متى ستبقى حروف العلة معتلةً؟ ومتى ستنتهي حروف الجر من جرها؟ أما تعبت؟ ومتى ستخرج الحروف الساكنة عن صمتها وتتحرك؟
رغم الضحكات البسيطة التي صدرت مني بعد قراءة تلك الأسئلة عدت وبلحظات بسيطة وتذكرت انتحار اللغة العربية أمام وقع الانفجار المعلوماتي الذي نعيشه، وسواد السيطرة المطلقة للغة الإنكليزية على عالم الإنترنت أي بواقع 68′ من المحتوى الرقمي وتراجع اللغة العربية إلى المرتبة الثانية عشرة بنسبة لا تتخطى حاجز الواحد بالمئة.
أما تأثير التداخل بين العربية والإنكليزية فقد ولّد وبصورة شائعة اليوم ما اصطلح على تسميته ‘بالعربيزية’. ومع ولادة ‘العربيزية’ فقد دخلت الحروف على الخط لتشير إلى أحرف عربية مفقودة في اللغة الإنكليزية كحرف العين الذي استُخدم الرقم ثلاثة للدلالة عليه، وحرف الخاء الذي استُخدم الرقم خمسة للدلالة عليه، والقائمة تطول من حروف واشكالٍ وإيماءات ورموز.
التطور الخطير ومن شدة استخدام الرسائل النصية والبريد إلالكتروني والخواطر المنشورة على صفحات الإعلام الاجتماعي و’المعربزة’ شكلاً ومضموناً، بات كامناً في تدهور قدرة الناس على كتابة اللغة العربية بصورة سليمة.
فالتاء المربوطة لم تعد كذلك لا مزحاً بل فعلاً، والألف المقصورة باتت ممدودة، والثاء استبدلت بحرف السين، والتاء تحاربها الطاء، والقائمة باتت تطول وتطول كل يوم إلى أن أشارت أحدث الأرقام التي نشرتها صحيفة ‘الغارديان’ البريطانية إلى تراجع القراءة في العالم العربي، بدون تحديد الأسباب، التي بدون شك لا تعزى فقط إلى دخول ‘العربيزية’ بالصورة الرئيسية، بل أيضاً جراء تراجع التعليم وتأثير ما يسمى بالربيع العربي على عمل المدارس وانتظامها وما واكب ذلك من تقهقر لمسيرة التطوير والتحديث.
إذن ما بدا مزحاً بات واقعاً، وما قيل عن ‘أمة تقرأ’ بأنها لا تقرأ هو حقيقة يومية. القراءة في العالم العربي في تراجع، التعليم في تراجع، الرياضيات والفيزياء في تراجع ورغبة الناس في التعلم باتت قليلة في حالٍ يبدو أكثر إيلاماً، خاصة مع هذه المجرة المعلوماتية التي تتكشف كل يوم وما تحمله من كنوز معرفية مهمة.
هذا التراجع عانى أيضاً من غياب الاستخدام الأنجع للفضائيات العربية التي لم تعد منصاتٍ معرفية وإنما حلباتٍ للمصارعة السياسية يتغير فيها مقدم البرنامج بدون تغير الموضوع. والموضوع حدث ولا حرج: قتل وضرب وتفجير ومؤامرة وصياح وعويل ومصارعات لا تنتهي.
وعليه فقد هجر معظم الشباب العربي تلك الفضائيات بصورة جزئية ليبحثوا عن التغيير، مما ساهم في انتعاش النشاط الإلكتروني والفضائيات ذات البرامج الترفيهية.
الحل لا يكمن في اغتيال اللغة الإنكليزية ولا في الابتعاد عن عالم الإنترنت والمعلوماتية، ولا في طلاق الاهتمامات التكنولوجية والإنجازات العلمية. الحل يكمن في وقف نزيف التعليم والاهتمام بعالم المعرفة وإيلاء المشاريع الريادية المنتجـــــة للمعــــرفة الأولوية وتأهيل المنظومة البنكية لرعاية المشاريع الناشئة، خاصة المرتبطة بالمعرفة وتذليل المعوقات أمام الشباب، وتعزيز المحتوى الرقمي العربي، وإصدار مجمل القوانين الداعمة والرافدة للريادة والتحول الرقمي وتشجيع المشاريع التي تصب بهذا الاتجاه.
إن العرب لا يستطيعون وقف عجلة التاريخ وتسارع الأحداث، لكنهم يستطيعون وببعض الحنكة أن يستفيدوا من طاقة أبنائهم باتجـــــاه تطــــوير التعليم وحماية الإرث المعرفي العـــــربي وإنتاج الريادة المثمرة، خاصة في عالم المعرفة وتطوير الاقتصاديات الرقمية والنهوض بجامعاتهم وتطبيق تعاليم الأديان في الانتصار للإنسان والحياة وإلا فإن التاء المربوطة ستصبح معتلة، وسيموت حرف الضاد مجروراً ومسحولاً ومقهوراً من أمة ملكت الأرض ذات يوم لأمة غادرت الحياة والأرض وكل الحروف الأبجدية..
القدس العربي
|
|
|
|