بعض الخليجيين يعجبون من رمستنا!

أ. جمال بن حويرب المهيري



اللهجات العربية ظهرت بعد انهيار قواعد اللغة العربية الفصيحة وابتعاد الناس عن قواعدها التي توارثوها منذ العصور الماضية وحافظوا عليها عندما كانوا يعيشون في مجتمع مغلق في صحراء موحشة حتى جاء الإسلام وأظهر الله دينه وانتشر في الأصقاع وخرج العرب الفصحاء في الجيوش الإسلامية، وعاشوا في بلدانٍ مزجتها أعراق شتى ودخلت في دين الله أفواج من المؤمنين فخالطوا العرب الأقحاح فتم هدم القواعد واختلت السليقة الصحيحة وانقطع الإعراب إلى الأبد، وهي حركات العوامل اللغوية من فاعل ومفعول ومبتدأ وخبر وغيرها، فلما رأى العلماء ما أصاب لغتنا هرعوا لوضع قواعد الفصحى وتقسيم هذا العلم العظيم إلى نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ لتعليم العرب والمسلمين لغتهم ولغة دينهم، فوا أسفى على لغتنا العزيزة التي ضاع أكثرها ولم يبق إلا ما دوّنه علماء اللغة في القرون الأولى، وورثت اللهجات المحلية من المغرب حتى عمان الفصحى واحتفظت بمفرداتها دون إعرابها وأدخلت عليها مفردات أخرى كثيرة من محيطها الذي ولدت فيه إما من باب المجاز وهو الغالب عليها أو من تأثير الدول المجاورة الأعجمية أو بسبب الاستعمار الأوروبي في العصور الصليبية وفي العصر الحديث.

أحد المغردين الخليجيين في "تويتر" ناقشني عن مفردة نستخدمها في لهجتنا وهي تسميتنا لغطاء الرأس "سفرة" فضحك منا وقال لي: لتقل شماغ أو غترة أما السفرة فهي سفرة الطعام! قلتُ له: أخبرني ما معنى الغترة والشماغ إن كنت من العالمين؟ فحار في جوابه ولم يجد لها معنى، فأخبرته أن الغترة أصلها "قترة" وهي قترة الصائد التي يختبئ فيها ولا يمكن أن تكون بمعنى غطاء الرأس لأنها حفرة، أما الشماغ فهي كلمة أعجمية لم أجد لها أصلاً واحداً صحيحاً وبعضهم يقول إنها تركية من "ياشماك Yashmak" بمعنى الخمار وقد دخلت في المعجم الإنجليزي منذ فترة طويلة، ولكني أشك في أصلها وهي مفردة مستخدمة في الجزيرة العربية ولم يعبها أحد، فكيف تعيب السفرة وهي أقرب كلمة للعربية؟ فقال لي: كيف ذلك؟ قلت له: يقول أصحاب المعاجم العربية إنّ السفرة التي يؤكل عليها سُميت سُفْرَةً لأَنها تنبسط إِذا أَكل عليها، وعلى هذا فمفردتنا الإمارتية فصيحة وغترتكم وشماغكم غير فصيحتين، فما كان من هذا "التويتري" المجادل إلا أن انسحب بصمت ولم يجادلني بعدها.

تحتوي لهجتنا الإمارتية على نسبة عالية من المفردات الفصيحة التي ذكرت في كتب المعاجم اللغوية ولا يستخدمها أهلنا في باقي دول الخليج العربي ولهذا إذا سمعوا مفردة ليست في لهجتهم أنكروها وقالوا إنّ لهجتكم غريبة وبعضهم يتمادى ويقول: أنتم أبعد الناس عن الفصاحة! ونرد عليهم بأنّنا فصحاء جداً ولدي أمثلة كثيرة على ذلك لا تسعها هذه المقالة، ووجدت أكثر ما ينتقدون قولنا: "نرمس مع فلان"، وهي مفردة موجودة في العربية استخدمها أهلنا قديما للكلام الخاص بين اثنين أو مجموعة وبصوت خفيٍّ ثم جاء الجيل الحديث ولم يفرقوا بين الرمسة والكلام فجعلوا الرمسة لكل كلام، وهذا كما تعلمون جائز في تطور اللغات، يقول صاحب لسان العرب: "الرمس الصوت الخفي ورمس الخبر إذا كتمه" وهذا هو المعنى المستخدم قديماً، وقد أضيف عليه أنّ الرمسة تكون ليلا حيث يجتمع الناس فيسمرون وقد يكون أصلها من الطيور الروامس وهي التي تطير ليلاً وهذا من باب المجاز أيضا الذي اشتهرت به جميع اللهجات العربية.

علينا أيها الأعزاء أن لا ننتقد أو نعجب أو نسخر من أي لهجة عربية فقد تكون هي الصواب ولهجتنا هي الخطأ وعلينا أيضا التأكد من معاجم العربية قبل الوقوع في الانتقاد الذي لا يجوز ونحن جميعا نحمل الهُوية العربية.


البيان