الخطاب بما لا بفهم الناس

الشيخ بهاء الدين سلام

 يقول تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ومن مقتضيات اللسان مخاطبة الناس بما يفهمون، ووسيلة التعبير عن الموضوع هو اللغة العربية التي بارك الله فيها وكرَّمها وجعلها وعاء القرآن، ولذلك وجب على الداعية أن يختار الأسلوب السهل الواضح ما أمكن، وذلك لأن أكثر مستمعيه هم من العامة، أو من متوسطي الثقافة غالباً، وقد قيل قديما: «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليٌّها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ»...
ولكن للأسف ابتلي مجتمعنا، وخاصة في مجال الدعوة الإسلامية للأسف، بأناس قد شغفوا حباً بأسلوب التكلّف والتقعر عند الكلام حتى باتوا يتحدثون في خطبهم ودروسهم دون أن يفهم كلامهم أحد..؟!، ولا يفهم أحد من كلامنا أننا ننادي باللغة العامية في خطبة الجمعة أو دروس العلماء والدعاة، أبداً ليس هذا مرادنا، ولكن ما نقوله أنه لا بد للداعية أن يختار من اللغة ما كان فهمه عند الناس يسيراً مع المحافظة على أصول النحو وجزالة التراكيب اللغوية.
نعم.. لا شك ان الأولى أن يكون الكلام باللغة الفصحى ولكن إذا استلزم الأمر فلا مانع أبداً من استخدام لغة تمزج الفصحى بالعامية، ما دامت تحافظ على البلاغة والرصانة والاحترام ولا تنزل بمستوى الكلام إلى (سوقية) القول.
ولكن في الوقت عينه نقول ونشدد أن الدروس والمنابر ليست مكاناً لإظهار البراعة اللغوية عند الداعية، ولا مكاناً للتنافس في إمكاناتهم اللغوية، لأن الضحية دائما يكون المصلي، وإلا فأين هذا الداعية وأمثاله من القدوة الحسنة (صلى الله علية وسلم) الذي كان ألين الناس وأيسر الناس وأسهل الناس وأبلغ الناس تعاملاً وكلاماً...
إن الداعية الناجح هو الذي ينزل إلى مستوى الناس ليرفعهم معه إلى مستوى أعلى وليس الذي يظل متربصاً في برجه العاجي ويريد منهم أن يلحقوا به...
ومن غريب ما رأيته عبر شاشات الإعلام داعية يلقي محاضرة علمية فإذا به يتحدث بلغة يعجز ربما (سيبويه) شخصياً عن فهمها.. لغة معقدة.. منفرة.. مقعرة.. متصنّعة.. تحتاج الى قواميس اللغة كلها حتى يفهم السامع مراد المتكلم إن استطاع ذلك..؟! فإن الداعية أو الخطيب الذي يلتزم هذا الأسلوب كأنه يتحدث مع نفسه، فلا أحد يفهم كلامه ولا أحد يستوعب حديثه، ولا أحد يقدّر أفكاره.
ومن هنا ندعو إخواننا الدعاة جميعاً إلى التدبّر في الأثر الوارد «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».. أي تكلموا معهم وفق مستوياتهم وظروفهم وأحوالهم حتى تتمكنوا بعد ذلك وبالتدريج من الارتقاء بهم إلى المستوى المطلوب، وإلا فسيكون المتكلم في وادٍ والمستمع في وادٍ آخر... وتفقد الكلمة قيمتها وأثرها ويضعف دور الداعية.
فيا إخواني الدعاة.. إن الإسلام قد أتى بلغة العرب وبلسانهم ووفق أساليبهم اللغوية ومصطلحاتهم ومفاهيمهم.. فلا تعتقدوا أن التقعر في الكلام دليل تفوّق أو نبوغ.. ولا تعتقدوا أن تلك اللغة (الميتة) دليل ثقافة.. لا والله.. بل هي دليل جهل كبير أراحنا الله منه.

اللواء