العامية بين الانكليزية والروسية تزاحم العربية في عقر دارها السورية

أ. يحيى الأوس

لطالما شكلت اللغة العربية للحكومة السورية الكثير كونها إحدى الوسائل التي تعينها كدولة ترفع شعار القومية العربية. لذا فقد أطلقت ومنذ أعوام خطة وطنية لتمكين اللغة العربية من خلال تشكيل لجنة متخصصة من مهامها تنظيم دورات متعلقة باللغة العربية تطبيقاً وتاريخاً، لتعميمها كأسلوب للمخاطبة في المدارس وفي مناحي وقطاعات المجتمع كلها، ومن أجل إبرازها في المرافق العامة، مثل تحويل عناوين المحال التجارية والسياحية والفنية وغيرها من الأسماء الأجنبية إلى العربية، وكذلك تسمية الشوارع والساحات والمواقع التي يقضي الأمر تعريفها، بحيث تكون باللغة العربية وبأسماء عربية.

وقد قوبلت هذه الخطة بتنديد من قبل القوى الكردية التي اعتبرتها خطوة إلى الوراء. فتعريب أسماء المحال التجارية برأي هذه القوى لا يغيّر من واقع اللغة العربية نحو الأفضل، أو يعزز من موقعها بين لغات العالم، فهي في نظرهم «بعيدة من روح العصر، وغير منخرطة في صناعة الحضارة المعاصرة، وغير قادرة على الاستجابة للمتغيرات الحاصلة في العالم وفي المحيط المجاور لسورية».

مظاهر تردّي اللغة

إلا أن هذه الاتهامات للغة العربية لم تمنع اللجنة من أن تمضي في عملها حتى وقت قريب، عندما بدأت هذه الجهود بالتناقص تدريجاً بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها سورية. ويمكن ملاحظة قلة الاهتمام باللغة العربية من خلال مظاهر، منها تزايد استخدام اللهجة العامية من قِبل عدد من مقدمي ومقدمات البرامج في وسائل الإعلام الرسمية التي كانت ركناً من أركان اللغة العربية لا تكاد تحيد عن عيون خبراء اللغة ومتصيدي الهفوات والأخطاء اللغوية. وكذلك تفشّي الكتابة باللهجات العامية في غالبية الحوارات التي تحفل بها أجهزة الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج المحادثة الإلكترونية. كما أن الدور الذي كانت تلعبه المساجد والحلقات الدينية في تعزيز اللغة العربية بات في حده الأدنى مع ندرة هذه النشاطات حالياً وتحاشي الفتيان من الالتحاق بها. ولا ننسى مئات الأعمال الدرامية بلهجاتها العامية التي تنتشر بين الناس كالنار في الهشيم، بعد أن باتت الأعمال التي تعتمد اللغة الفصحى نادرة وتقتصر على الأعمال التاريخية فقط.

مجرّد مقرر

يقول ماجد وهو مدرّس لغة عربية: «من المعروف أن سورية صاحبة تجربة رائدة في تعريب مناهج التعليم العالي لا سيما مقررات الفروع العلمية في الجامعات كالطب والهندسة وغيرها، لكننا اليوم نعتقد أن هناك تراجعاً في الاهتمام بالعربية في صفوف الطلاب، والأخطر هو تراجع الاهتمام بها عند الأهالي الذين وللأسف بدأوا يعتبرونها مجرّد مقرر مدرسي كباقي المقررات، على أبنائهم اجتيازه بنجاح لا أكثر. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال إقبال الأهل على تعليم أبنائهم لغات أجنبية باتوا يعتبرونها الوصفة السحرية لدخولهم مجال العلوم الحديثة أو عالم الأعمال. ويتابع ماجد: «هناك مؤشرات مختلفة تمكننا من قياس المستوى العام للعربية عند الطلاب، كالمشاركة والتفاعل في دروس اللغة العربية والدرجات التي يحصل عليها الطالب، والأهم الدروس الخصوصية لمادة اللغة العربية حيث يسجل ارتفاع مضطرد في نسبة العائلات التي تلجأ إليها لتدارك الضعف في مستوى أبنائهم».

من البديهي أن تلعب اللغة الأم دوراً جامعاً بين أبناء المجتمع الواحد، لكن ما تشهده سورية من اقتتال ودعوات للفرقة يفرّغ اللغة من هذه الخاصية تماماً. فالدولة وبدلاً من السعي للحفاظ على مستوى لائق للغة العربية تجهد في إلحاق نفسها بالفلك الروسي بشتى الوسائل، والتي كان آخرها إدراج اللغة الروسية في المناهج التعليمية بدءاً من العام المقبل، كلغة ثانية تحل محل الفرنسية للراغبين في تعلّمها من الطلاب في سن الثالثة عشرة. وهي خطوة إيجابية لو جاءت في سياق مختلف عما يجري اليوم بما يفسرها على أنها في سياق التحالف السياسي للنظام مع موسكو.

تزاحم اللغات الأجنبية اللغة العربية في عقر دارها، فتزدهر المعاهد اللغوية التي تعلم اللغات على اختلافها، إنكليزية، فرنسية، ألمانية، وحتى روسية يدفعها في ذلك أمنيات آلاف الشبان السوريين في أن تكون اللغة البديلة هي الخطوة الأولى في طريقهم للهجرة من بلادهم.

الحياة