|

اللغة العربية في كازاخستان جسر التواصل بين العرب والقازاق
أ. سمير حسين
في الوقت الذي تعانيه اللغة العربية من ضعف وتدنٍ وتدهور على ألسنة أبنائها وكتاباتهم، يظهر بجلاء فيما يكتبون وينطقون، ينتاب القلق إخوة لنا في كازاخستان ـ أكبر دول آسيا الوسطى مساحةـ خوفًا على اللغة العربية في بلادهم أمام زحف اللغة الإنجليزية التي باتت تمثل خطرًا على مكانة العربيةـ على حد تعبير بعض الأساتذة القازاق- ومن هنا أصبح من الضروري أن يلتفت أحفاد الفارابي إلى اللغة العربية تدريسًا ونطقًا، لدرجة أن سفير كازاخستان في القاهرة لا يتحدث إلا بالقازاقية أو العربية، وهذا بدوره يدعم التواصل بين أبناء الأمة الإسلامية والعربية، من خلال الوعاء اللغوي الذي كسرته الحقبة السوفيتية، فعاد للحياة مرة أخرى ليرسم جسور التواصل بين أبناء الدين الواحد، فكيف تم ذلك؟
السطور التالية تضع النقاط على الحروف..
إعادة اللسان العربي :
في البداية يجب الإشارة إلى أن فكرة نشر اللغة العربية وثقافتها في كازاخستان تعود إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، وأن لمصر دورًا مهمًا في هذا المجال، كيف كان ذلك؟
يجيب على هذا الدكتور محمود فهمي حجازي- رئيس أول جامعة مصرية بالخارج تستخدم اللغة العربية لغة للتدريس- في حديثه لصحيفة الأخبار المصرية الصادرة يوم الاثنين30/7/2001 فيقول: بدأت فكرة هذه الجامعة أثناء زيارة رئيس جمهورية كازاخستان لمصر في عام 1993، ووافق الرئيس المصري حسني مبارك على التعاون في هذا المجال, ومنذ عام 2000 بدأت مهمتي، وبدأنا المشاورات مع الجانب القازاقي. ومن خلال اتصالات عاجلة مع المسئولين هناك تم التخطيط للجامعة، والاتفاق علي مهامها وطبيعتها، وأنها شكل من أشكال لقاء الثقافات، واتفقنا أيضًا على المجالات التي تبدأ بها عملها، من كليات ومراكز متعددة، كما اتفقنا على طبيعة عمل مراكز التدريب والبحث، والتخصصات العامة والمجالات والدرجات العلمية التي تمنحها، ولتكون في نسق نظام التعليم العالي في كازاخستان.
ثم أعقب ذلك حضور وفد من كازاخستان إلى القاهرة أثناء انعقاد المؤتمر السنوي للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، واستمرت المفاوضات حول لائحة تنظيم الجامعة, وبعد ذلك تم التوقيع على اتفاقية تشغيلها، وانعقد مجلس الأمناء الذي يتكون من ممثلي الحكومتين.
وقد بدأت فور تعييني رئيسًا للجامعة التشاور مع نائب الرئيس المستشرق الدكتور شمس الدين كريموف؛ لترتيب قبول الطلاب، لتبدأ الدراسة في أول سبتمبر 2001.
ويضيف الدكتور حجازي: نحن الآن في عصر لقاء الثقافات، ومن شأن وجود الجامعة النهوض بتعليم اللغة العربية في الدولة كلها، وتقديم الرأي والمشورة في الدراسات العربية والإسلامية، وتكوين جيل من المتخصصين في هذه المجالات، وفي الترجمة والمخطوطات والحاسب الآلي والتربية، وتاريخ الحضارة، وإدارة الأعمال والعلاقات الدولية؛ للقيام بكل ما يدعم صلة هذه المنطقة الكبيرة بمصر والعالم العربي.
وستكون الجامعة مركزًا للتعاون مع جامعات كازاخستان، وهادفة إلى دراسة التاريخ الثقافي للمنطقة، ودعم العلاقات مع مصر، وقد تم تسليم المبنى الذي أقامته مصر هدية إلى الحكومة الكازاخستانية لتستعيد اللغة العربية سالف مجدها في هذه المنطقة التي أنجبت العديد من العلماء الفلاسفة مثل الفارابي الفيلسوف، والفارابي اللغوي، والجوهري مؤلف الصحاح.
نورـ مبارك :
ويتحدث أيضًا الدكتور عبد الله التطاوي- نائب رئيس جامعة القاهرة- عن دور مصر الريادي في نشر اللغة العربية في آسيا الوسطى، وفي التقريب بين الشعوب الإسلامية، فيقول: يعكس تاريخ مصر وعلاقاتها الحميمة بجمهوريات وسط آسيا صورة حضارية من صناعة التلاقي والتفاعل البناء الذي تأسس على ضمانات التواصل الفكري والوجداني، الذي يحكي فصولاً من دعم الجسور وتأصيلها، وفتح القنوات وتعميقها؛ لبناء مشروع التكامل مع الشعوب الصديقة التي شارك علماؤها وروادها في نشر الثقافة العربية الإسلامية عبر أرجاء الأرض، منذ ضمت في عباءتها كل المذاهب والملل تحت مسمى كونها عربية تضم كل الأديان والمذاهب, كما احتوت كل الجنسيات والانتماءات تحت مظلة (إسلامية)، فتميزت برحابة وعمق ضمنا لها الاستمرارية والبقاء على مدى ثمانية قرون من عمر الزمان تحدث فيها العالم بالعربية.
ويضيف التطاوي في جريدة الأهرام الصادرة بتاريخ 5/11/2006: يتجدد عطاء مصر من خلال البرامج التدريبية التي يتبناها الصندوق المصري للتعاون الفني مع دول الكومنولث بالخارجية المصرية, وينفذها مركز جامعة القاهرة للغة والثقافة العربية، بحكم مهمته في ترسيخ الطبيعة الحضارية للرسالة القومية للمركز حول تصحيح صورة الثقافة العربية الإسلامية لدى الآخر, وما يدعم تلك الرسالة الفكرية من معطيات وزيارات ثقافية لكبرى المؤسسات الثقافية على غرار مجمع اللغة العربية, ومؤسسة الأهرام, والمجلس الأعلى للثقافة, وجمعية الرعاية المتكاملة, ومركز التنمية والتخطيط التكنولوجي, ودار الكتب والوثائق المصرية, والهيئة المصرية العامة للكتاب، ومكتبة مبارك العامة وغيرها من مصادر الإشعاع المعاصر في جامعة القاهرة من مراكزها ووحداتها البحثية.
جامعة إسلامية عصرية :
وقد تعمقت جذور التعاون بين مصر وكازاخستان، ثم امتدت جسوره عبر خطوة جادة نهضت بها مصر من خلال جهود وزارة الأوقاف المصرية التي أسست جامعة (نورـ مبارك) بالعاصمة القديمة "ألمآتا"؛ لتكون جامعة إسلامية عصرية تضم التخصصات الإنسانية في العلوم العربية والدينية، والتي انطلقت لوائحها التعليمية من رحم جامعة القاهرة, إلى جانب التوسع في مجالات التعاون المصري القازاقي في تبادل الطلاب والأساتذة في العلوم التطبيقية، تنفيذًا لبنود الاتفاقيات الجامعية التي تشارك فيها جامعتا الأزهر والقاهرة, ويبدو أن جامعة القاهرة كانت من أكثر الجامعات العربية حظًا وتفاعلاً مع كازاخستان، بدءًا من تعاونها الكامل مع جامعة الأزهر لتأسيس جامعة (نورـ مبارك) للعلوم الإسلامية والعربية بدءًا من مرحلة الإنشاءات المعمارية, وتتويجًا بالمشهد الحضاري الذي تمثله جامعة (نورـ مبارك)، حيث يظل علامة مضيئة على طريق التعاون المصري القازاقي التي طالما جاء طلابها وغيرهم زوار لجامعة القاهرة، ليعبروا دائمًا عن حرصهم على إحياء العلاقات التاريخية الوطيدة بين البلدين، وليحرص أساتذتهم على دعم تعليم العربية في بلادهم، وليحرص سفير كازاخستان بالقاهرة على حضور حفلات تخريج الدورات مع إدارة المركز والجامعة متابعًا حصاد تلك الجهود القومية، التي كثيرًا ما أصلت لديهم المفاهيم, وصححت عندهم المشهد الثقافي، ودفعت بهم دفعًا إلى التهيؤ الوجداني لإنشاء جامعة إسلامية بعقول مصرية تنشر الإشعاع كما نشره الرواد الشوامخ من لدن الفارابي والكندي، وغيرهما من علماء وسط آسيا الذين احتضنتهم الثقافة العربية الإسلامية على غرار ما انتشر من علوم الرازي والخوارزمي والجرجاني، وغيرهم ممن تركوا من الأثر والمخطوطات ما يستحق المراجعة والتحقيق في صورة جديدة من ذلك التعاون المنهجي بين البلدين، بحكم ما يجمعهما من أصالة يحكيها عبق التاريخ وطموحات المستقبل.
العربية أهم اللغات :
وعلى الجانب الآخر، فإن اللغة العربية في كازاخستان تواصل انتشارها بشكل منتظم بين الشعب القازاقي باعتبارها لغة القرآن من ناحية، ولغة تراث للقازاق من ناحية أخرى، وفي ذلك يقول وزير الإعلام والثقافة القازاقي: إن اللغة العربية يدرسها الراغبون، بالإضافة إلى المختصين، وفي كازاخستان تنتشر اللغة الروسية والإنكليزية، لكنني أعتقد أنه يجب علينا دراسة اللغة العربية كونها أحد أهم اللغات في العالم. لقد كانت اللغة العربية منتشرة في وسط آسيا، وكازاخستان بشكل واسع قبل الثورة البلشفية، وأعتقد أن انتشار الإسلام سيساعد على تعلم اللغة العربية. وقد سعدنا بمبادرة مصر بإنشاء جامعة نور- مبارك التابعة لوزارة الأوقاف المصرية في "آلمآتا" بكازاخستان قبل ثلاث سنوات، وذلك خلال زيارة الرئيس القازاقي إلى مصر، كما ساهمت مصر في تمويل المرحلة الثانية من الجامعة بهدف توسيعها، وإضافة أقسام أخرى علمية علاوة على اللغة العربية والدراسات الإسلامية مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد والإعلام الدولي والتاريخ وعلم البلدان.
الفارابي بالعربي :
ولأن أبا نصر الفارابي يشكل عامل ذخر وفخر ثقافي وتاريخي لكازاخستان وللفلسفة الإسلامية- منع الحديث عنه لسنوات طويلة أثناء الحقبة السوفيتيةـ فإنه اليوم يُبعث من جديد مع اللغة العربية من خلال تدرس أعماله بلغة القرآن في كل الجامعات القازاقية ولجميع التخصصات, وكانت قد ترجمت أعمال كثيرة للفارابي إلى اللغة الروسية بعد حصول كازاخستان على الاستقلال.
الفارابي كان يحلم بتنظيم العالم تنظيمًا شاملاً يجعل منه دولة مثالية على غرار جمهورية أفلاطون،. وقد كشف رئيس جامعة الفارابي لمجلة الأهرام العربي الصادرة يوم السبت 24 فبراير 2007، أن كازاخستان تسعي لأن تعيد اللسان العربي إلى أحفاد الفارابي عبر نشر أفكاره الإسلامية, مشيرًا إلى أن جمهورية كازاخستان تعتز بهذا الفيلسوف العظيم الذي لقب "بالمعلم الثاني"ـ المعلم الأول كان أرسطوـ و"أرسطو الشرق". وأوضح أن اللغة العربية كانت منتشرة في وسط آسيا وكازاخستان بشكل واسع قبل الثورة البلشفية في عشرينيات القرن الماضي, وساهم انتشار الإسلام في تعلم اللغة العربية؛ لأنها لذا نحن نسعى إلى نشر دراسة اللغة العربية للنهوض بها، وتكوين جيل من المتخصصين في هذه المجالات، وفي الترجمة والمخطوطات، والحاسب الآلي والتربية، وتاريخ الحضارة، وإدارة الأعمال والعلاقات الدولية؛ للقيام بكل ما يدعم صلة هذه المنطقة الكبيرة بالعالم العربي.
آسيا الوسطى
|
|
|
|