|

معاناة اللغة العربية بين العامية والفصحى
أ. محمد عبد الرحيم
اللغة العربية أم لأكثر من مئتي وخمسين مليون نسمة.. ومهما تعددت اللهجات واختلفت وتميز بعضها عن بعض، فهي تبقى تاريخ الأمة العربية التي ناضلت في سبيل إحيائها، وقد كرمها الله بأن أطلقها في قرآنه الكريم وجعلها من أفضل اللغات على الأرض، ومهما تعددت تلك المواثيق تبقى القدرة الإبداعية فيها وفي استعمالاتها ومعانيها، ويبقى الصوت والمعنى فيها الصوت الإنساني الإرادي المنظم، فهي إرثنا ومستقبلنا ومستقبل أطفالنا، ومع ذلك يعود الفضل للقرآن الكريم والمعاجم التي حفظت هذه اللغة من الاندثار وحفظتها أيضاً من القيل والقال، والمعاجم اللغوية تنفرد بعناصر أساسية لها أولوية دراسة اللغة.
فالمعجم اللغوي لأمة ما هو في الوقت نفسه صورة لما تعرفه هذه الأمة في حياتها في جميع المجالات، وكل تغير يحدث في أي جانب من هذه الجوانب يتردد صداه في اللغة، بل يبدأ من اللغة ولذلك فإن اللغات الإنسانية، تعد أصدق سجل لا يمكن تزويره لتاريخ الشعوب.
وبناء على هذا الفهم لحقيقة اللغة ووظائفها أجمع علماء اللغة المعاصرون على عدة حقائق حول اللغة الإنسانية ينزلونها منزلة القوانين العامة التي يمكن إجمالها فيما يلي:
اللغات تختلف ولكنها لا تتفاضل فليس هناك لغة أفضل من لغة ولا لهجة أفضل من لهجة طبقا للمعايير اللغوية الخالصة الصوتية والصرفية والنحوية، والمعجمية
فاللهجة السورية ليست أفضل من اللبنانية أو المصرية أو أي لهجة عربية أخرى من الناحية اللغوية، ولا اللغة الانكليزية الآن أفضل من اللغة العربية، لأن كل لغة أو لهجة مهما اختلفت عن غيرها من اللغات واللهجات الأخرى، تقوم بوظائفها الاتصالية في مجتمعها، ويترتب على ذلك القول بوجود لغة أو لهجة متحضرة أو أخرى أقل تحضراً أو بدائية.
إن كل اللغات واللهجات تقوم على عنصرين أساسيين هما الصوت والمعنى، والصوت هنا هو الصوت الإنساني الإرادي المنظم.
اللغة الإنسانية لها قدرة إبداعية ، بمعنى إننا نعبر؛ فالمحدود عن اللامحدود.. فتقدر الأصوات اللغوية المستخدمة في اللغات الإنسانية حوالي أربعين صوتاً، وبهذا العدد المحدود نمارس حياتنا الإنسانية والاجتماعية بكل جوانبها ونكوّن جملاً وكلاماً لا نهاية له.. وهذه القدرة الإبداعية هي التي تمكن الطفل من التحكم في اللغة واستعمالها وهو في سن الثالثة أو الخامسة على الأكثر.
هناك فرق كبير بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، فنحن نتكلم بنظام ونكتب بنظام آخر والأصل في اللغة هو النطق لا الكتابة؛ ولذلك أجمع علماء اللغة على أولوية دراسة اللغة المنطوقة.. أما اللغة المكتوبة فتأتي في مرتبة تالية لأن الكتابة تختصر وتتجاهل ملامح لغوية على جانب كبير من الأهمية، مثل النبر والتضخيم والفواصل والسكوت وكلها لها وظائف اتصالية ودلالية لا يمكن تجاهلها.
اللغة ليست شيئا متجانساً ولكنها في الوقت نفسه تعمل من خلال نظام يقوم على الاختلاف والتقابل فيما يطلق عليه علماء اللغة القيم الأخلاقية.
اللغة مستويات، سواء الفصحى أو العامية، وللفصحى والعامية مستويات أيضاً، فكل لغة تميل إلى أن تنحل إلى لهجات.. وكل لهجة إذا توافرت ظروف اجتماعية وسياسية أحياناً عرقية تسعى إلى أن تصبح لغة وهو ما حدث بالنسبة إلى اللغة اللاتينية عندما تحولت لهجاتها الإيطالية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية إلى لغات.
اللغة شيء وقواعد اللغة شيء آخر، ونحن نخلط كثيراً بين قواعد النحو والصرف وبين اللغة العربية فيظن كثير من الناس أنهما شيء واحد وهذا غير صحيح، اللغة سليقة واكتساب، وأما القواعد اللغوية المستنبطة فتخضع لنظريات علمية ومصطلحات وطرق تحليل، وابن اللغة لا يحتاج إلى شيء من هذا لأنه يتكلم لغته بقواعد غير واعية، أو كما نقول بالسليقة
يظن كثير من الناس أن اللهجات العامية لا قواعد لها وإنها بلا نظام وعشوائية وتفتقر إلى النظام الذي تسير عليه الفصحى، وهذا غير صحيح أيضاً، إذ لا يوجد في أي لغة مستوى من مستوياتها سواء الفصحى أو العامية بلا قواعد أو نظام يمكن دراسته واستنباطه، وربما كان السبب في ذلك في عالمنا العربي أن دراسة اللهجات أحاطت بها شبهات متعددة، ولذلك فإن دراستها واستنباطها من قواعدها هو مقدمة لإحلالها محل الفصحى، وأكد ذلك في وجدان الناس الدعوات التي نادت في بداية هذا القرن.
اللغة العربية
إن اللغة العربية لا تختلف عن أي لغة أخرى غير أنها من أقدم اللغات، إذ لا نعرف على وجه الدقة متى بدأت حياة هذه اللغة، وكل ما نعرفه عن ذلك لا يتعدى قرناً ونصف أو قرنين على وجه التقدير قبل الإسلام، حيث جاءت لنا على صورة الشعر الجاهلي وكانت ناجحة بصورتها، وليس هذا في بدايات اللغة أو صورتها الأولى، حيث يشق الوضوح على أنها دراسة علمية وأنها فرع من عائلة لغوية أكبرهن العائلة السامية، أو لهجة من لهجاتها، وقد تحولت إلى لغة في ظروف وملابسات لا نعرف الكثير عنها.
المرحلة الحاسمة في حياة هذه اللغة، هي ظهور الإسلام ونزول القرآن، فأصبح لهذه اللغة مستوى مثالي ليس من صنع البشر،..واللغة العربية تختلف عن اللغات الأخرى إنها وجدت لنفسها وجه الإعجاز بوساطة القرآن وبمستوى عال جداً عن اللغات الأخرى.
وهنا نجد مستويين متميزين يستخدمان لغة واحدة هي العربية، لغة القرآن المعجز، وكلام العرب حيث لم يكن على مستوى واحد متجانس، إنما كانت الفصحى التي وصل إلينا بها الشعر الجاهلي، وهذه الفصحى التي استخدمها العرب في الشعر والخطابة، لا نعرف على وجه الدقة متى تكونت ولا كيف، وعلماء العربية القدماء يكادون يجمعون على أنها لغة قريش، وأغلب الظن أنه قبل الإسلام بثلاثة قرون على الأقل، حدث نوع من المزج اللغوي بين لهجات شمال الجزيرة العربية وجنوبها، ومن هذا المزج تكوّن مستوى قد يكون لقريش فضل تثبيته، ولكنه لم يكن هو لهجة قريش خاصة، وهذه الفصحى كانت بجوارها لهجات قبلية أخرى كثيرة منها لهجات مستحسنة وأخرى مستقبحة وهو حكم لا نأخذ به الآن، غير أن اللهجة المستحسنة تلك التي يجوز قراءة القرآن، أو إنشاء الشعر بها، أما المستقبحة فلا يجوز ذلك.
وما نستخدمه اليوم من الفصحى والعامية قد يختلف عن الصورة العربية قبل الإسلام أو بعده عقب الفتوح والامتزاج بين الأمم والشعوب التي دخلت الإسلام واقتسام اللغة العربية للغات التي كانت تتكلم بها تلك الشعوب وإحلال العربية محلها؛ كل ذلك انتهى إلى الصورة التي عليها العربية اليوم في عالمنا العربي، وفصحى ذات مستويات متعددة ولهجات عربية تختلف من قطر عربي إلى آخر ولكن أصولها جميعاً ترجع إلى اللغة العربية التي تكلم بها البشر قبل الإسلام، تلك هي طبيعة اللغات كما أشرنا من قبل.
وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نفرق بين ثلاثة مصطلحات لثلوث اللغة الذي نعاني منه من حيث مفهومه ومظاهره في العربية المعاصرة:
1التعبير اللغوي: إن علماء اللغة يفضلون استخدام هذا المصطلح ولا يستخدمون مصطلحات مثل «التطور والنمو» لأن هذين المصطلحين قد يتضمنان حكما معيارياً يدل على أن ذلك قد انتقل من حالة أدنى إلى أفضل.. فمصطلح التغيير يدل على حالات أو مراحل من حياة اللغة دون الحكم على مرحلة بأنها كانت أفضل من مرحلة أخرى، لأن لكل مرحلة عواملها اللغوية أو غير اللغوية التي قد تدفع بها إلى التعبير.
2الخطأ اللغوي: فقد يقع هذا الخطأمن أبناء اللغة هؤلاء الذين يكتسبون اللغة بالتكلم أي الذين يتكلمون اللغة بالسليقة، ومن تعلم من غير أبناء اللغة
ولذلك قال علماء اللغة إن ابن اللغة إذا استخدم قاعدة لغوية تخالف القواعد المستنبطة، فعلى هذه القواعد أن تتغير طبقاً لاستعمال ابن السليقة هذه اللغة؛لأن اللغة بالسليقة هي الأصل باللغة.
إن أول خطوة دعا إليها «أبو الأسود الدؤلي» لوضع ما سمي وقتئذ بنقط الإعراب كما هو معروف، وكان ذلك أول تخطيط لغوي لمقاومة اللحن في القرآن الكريم، ومعنى هذا أن الخطأ اللغوي إذا استشرى وعمّ ولم يلتفت إليه أحد أو يقاومه تحول إلى ما نطلق عليه «التلوث اللغوي» الذي يحتاج إلى التخطيط العلمي لمقاومته.
3إن الكتابة والقراءة بالفصحى تتعرض إلى تلوث لغوي سواء في النطق أو في الكتابة وحتى في لغةالإعلام ولاسيما لغة الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة. أما في الإعلان فقد عمّ الخطب وطمّ ولإيضاح ذلك يجب معرفة ومقاومة هذا التلوث ويتجلى في:
أولاً في النطق:
واللغة المنطوقة، كما أشرنا من قبل، أسرع تغيراً أو تلوثاً من اللغة المكتوبة، ويتصل ذلك أكثر ما يتصل بنطق بعض الأصوات العربية، وتفشي الخطأ في حركات الإعراب.
أما بالنسبة إلى النطق بالأصوات العربية فنجده في أصوات مثل:
1تحويل الطاء إلى تاء «مثل كلية التب»
2تحويل الذال إلى زاي مثل «زاك»
3تحويل الضاد إلى دال مثل «درب»
4 تحويل الصاد إلى سين مثل «فصل السيف» و«مسر» بدلاً من مصر وغير ذلك.. وهو من أثر التداخل بين العامية والفصحى، ناهيكم عن الأخطاء الإعرابية وهي أوضح من أن ندخل عليها.
ثانياً: في الصحافة المكتوبة والأمثلة كثيرة منها:
لامانع من إقامة منطقة حرة تجمع بين دولتين أو أكثر.
مع أن الأمر واضح إلا أنه يخفى على الكثيرين.
فقط اتصل بنا الآن.
ثالثاً استخدام كلمات تدل على المعنى المقصود أو تسمية الأشياء بغير أسمائها:
الهزيمة: النكسة
القيم الروحية: الدين
السلبيات: الأخطاء
الرأي والرأي الآخر: السلطة والمعارضة.
الشراكة: اشتراك الأجنبي مع الوطني في الاستثمار.
الانفتاح: الأخذ بالنظام الرأسمالي
العولمة: لفظ غامض له عدة دلالات.
الخصخصة: بيع القطاع العام.
التجاوزات: الجرائم
رابعاً: الترجمة غير الدقيقة:
مع فسادها، فلا تعطي المعنى المراد من النص المترجم، ولاسيما أن الترجمة من أهم الروافد التي يُعرف من خلالها الطرف الآخر، في كل معرفته لمناقشته ولأخذ مايحتاج إليه وليس هذا اعترافاً ضمنياً بقوته.. كذلك صنع العرب في العصرالعباسي، عندما ترجموا علوم اليونان وفارس والهند، وما يقع في الترجمة من أخطاء إلى حد التلوث الذي يخشى عليه من الشباب عندما يستقر في لغتهم مثل هذه الأخطاء في تركيب العبارة العربية
خامساً: زحف العامية على لغة الإعلام والإعلان المنطوقة والمكتوبة:
أما المنطوقة في الإعلام فكلنا نلاحظها وخاصة في لغة المراسلين الذين يقومون بعرض أحداث الساعة من مواقع هذه الأحداث، بل يتعدى ذلك إلى في عرض بعض الأخبار في الإذاعة المرئية والمسموعة وحجتهم في ذلك التواصل مع المستمعين الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة.. وفي اللغة المكتوبة ولاسيما لغة الإعلان فلا حجة لهم لأن الأميين لا يقرؤون الفصحى والعامية، ومع ذلك نجد الإعلانات ولاسيما بعض السلع تستعمل العامية الخالصة.
سادساً: كتابة الكلمات الأجنبية بحروف عربية:
ونجد ذلك في الإعلان وأسماء المحلات كما أطلق أحدهم على محل له بعنوان «السلام شوبنج سنتر للمحجبات».
تشرين
|
|
|
|