|

متى يعود للغة العربية بريقها ومكانتها؟
أ. مصطفى قطبي
ترتفع الشكوى من ضعف التزام العربية الفصيحة لدى العديد من أبناء المغاربة، وتزداد هذه الشكوى عندما يتأبط هؤلاء ضعفهم. وهم يتخطون مراحل الدراسة المتتابعة ليصبح هذا الضعف من مؤشرات سلوكاتهم اللغوية، وفي الوقت نفسه تتعالى دعوات التمكين للغة العربية الواحدة الموحدة التي صمدت أمام دعوات التتريك، والفرنسة، والعامية، وسواها مما أبطله الزمان، ومحت آثاره الأيام، فبقيت العربية الفصيحة صامدة مثل الجبال، شامخة مثل أفعال عنترة، وابن أبي سلمى متفائلة مثل تفاؤل الناس بمارس، ومع أن ثمة أسباباً عدة تعزز استمرار هذه الشكوى، فإن الإعلام بمستوياته المتنوعة المسموعة والمقروءة مطالب في عصر العولمة، وإنتاج المعرفة بممارسة فعله التربوي التثقيفي إلى جانب اهتمامه بتحقيق أهدافه الإعلانية، الإعلامية.
ولعل استماع الناشئة، ومشاهدتهم لكل من البرامج الإعلامية، والإعلانية التي تلتزم العربية الفصيحة، واللوحات الثابتة، والمتحركة المنتشرة هنا، وهناك مما يختار العربية الفصيحة سبيلاً للتعبير الفصيح من مظاهر التمكين للغة العربية الفصيحة لدى هؤلاء الناشئة الذين لا يتلقون اللغة بعقولهم فحسب إنما يتمثلونها بوجدانهم، فيسعون عبر هذا التمثل الموجه بخبرة معلميهم إلى إظهارها في أداءاتهم اللغوية الفصيحة في المدرسة، وفي مواقف الحياة المتعددة على نحو من الأنحاء.
فإذا ما أخلص الإعلام النية باتجاهه الواعي إلى تحقيق هذا الالتزام، والاستعداد لحمل جزء من المسؤولية في مجال التمكين للغة العربية الفصيحة، وآزرته بيئة المنزل في صون لغة الناشئ من الانحرافات الصوتية التي يشكو منها كثير من الأبناء وصل الناشئ إلى مستوى مطمئن، وملائم لمتابعة نشاط التمكين عند بلوغه سن المدرسة التي يتوقع أن توفر له مناخاً آمناً مشجعاً على التفاعل اللغوي الفصيح مع زملائه من جهة، ومع معلميه ومن يتعامل معهم في هذا الشكل الجديد من أشكال البيئة المربية من جهة أخرى.
وفي بيئة المدرسة يبرز أثر المعلم الملتزم بلغته العربية الفصيحة التي يؤمل أن تشف عن صدق تعبيرات هذا المعلم، اللفظية، والجسدية وتكشف عن امتزاج هذه التعبيرات بأحاسيسه، ومشاعره المفعمة بحب اللغة المترجم على نحو عفوي بكلمات، وتراكيب بعيدة عن التكلف المقيت، أو التقعر المنفر رغبة في خلق الدافع الذي يحفز الناشئ على الإعجاب بأداء معلمه، ثم التطلع إلى محاكاته، وممارسة اللغة الفصيحة على النحو المتوقع ممن هم في مستواه، وما الوصول إلى مثل هذه الصورة بعسير على متعلم عصر المعرفة في أي مرحلة من مراحل التعليم على امتداد رقعة الوطن إذا صح العزم، وتهيأت الشروط المساعدة على إحداث مثل هذا التأثير المرغوب فيه.
وعلى هذا فإن التزام المعلم بالعربية الفصيحة في أشكال تفاعله اللغوي، الصفي، والمدرسي وإصراره على نقل أثر هذا الالتزام إلى لغة تلاميذه بالاعتماد على توجيه الواعي الرفيق يدل على اعتزازه بهذه اللغة، ويؤكد متانة علاقته بها، وحرصه على غرس حبها والانتماء إليها في نفوس من سيبحر بهم في بحر المعرفة الزاخر بأنواع الحقائق، والقيم، والمهارات تنمية لإمكاناتهم الذاتية، وإشباعاً لفضولهم المتجدد، وسعياً إلى إكسابهم مهارات التعلم الذاتي التي تمكنهم من مواجهة مستجدات عصر المعرفة، والتكيف معها، واستشراف آفاق المستقبل بحماسة ووعي، ونجاح.
ومما يجدر ذكره أن المعلم المحب للغته الحريص على التأسيس لهذا الحب لدى تلاميذه يعي أهداف عمله، فيعمل على تحقيقها بأمانة، وحماسة وحيوية موظفاً الأساليب والتقنيات وضروب التعزيز المتنوعة، فيسري إلى تلاميذه بفعل هذه الممارسات التربوية شعور الإعجاب بلغتهم الأم، ويتهيأ المناخ المناسب لغرس حب اللغة الفصيحة فيهم، فينمو لديهم الميل للاستماع إلى القول الفصيح وتقوى عندهم الرغبة في محاكاة أداء معلمهم الفصيح المعبر في مواقف الحياة المتنوعة مثل: كيفية قراءة نص أدبي، شعري، أو نثري أو كيفية طرح الأسئلة وسرد القصة وتقرير الحقائق وإصدار التعليمات والاستجابة الفصيحة المعبرة بعيد أسئلة المعلم المتنوعة والمشاركة في موقف حواري، أو تمثيلي، أو في ندوة أو تبادل الترحيب بقادم أو وداع مغادر، أو التهنئة أو العزاء إلى ما هنالك من المواقف الحيوية التي تتطلب توظيف اللغة الفصيحة بنجاح، وفاعلية.
ولعل مثل هذه الحالة الوجدانية التي يؤمل أن تتأتى من العلاقة الحميمة السائدة بين المعلم والتلميذ تؤسس لشعور إعجاب التلميذ بلغة معلمه الفصيحة، والحماسة لمحاكاتها إبان التفاعل اللغوي مع الزملاء في مناشط المدرسة، وفي مواقف الحياة المتعددة بعد خروج التلميذ من مدرسته. وفضلاً عن هذا فإن ثمة ضرورة تربوية لتحقيق التناغم بين حرص المعلم على الفصاحة والسلامة في سلوكه اللغوي من جهة، وتوجيهاته المتكررة إلى التلاميذ في مجالي الحرص على التزام العربية الفصيحة، والبعد عن استخدام العامية في المناشط التعليمية التعلمية من جهة أخرى في أي مادة من المواد التي يقوم بتعليمها في المراحل التعليمية لئلا يصدق فيه قول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم.
بمثل هذا الالتزام الواعي الذي يتوقع أن تتسم به لغة المعلم الفصيحة في أشكال تفاعله اللغوي مع تلاميذه، وبهذا الاقتداء المتناغم في لغة التلميذ مع لغة معلمه الفصيحة، والتأثر المحمود بفصاحة من يؤسسون لنشاط التمكين للعربية الفصيحة، ويتابعونه في كل من المنزل والإعلام والمدرسة والإدارة التربوية بمستوياتها المتعددة، ومؤسسات المجتمع الأخرى المعنية بنشاط التمكين للغة القومية يتحقق التمكين للغة العربية في عصر العولمة الذي بات يهدد فينا الهوية إن لم نتمالك أنفسنا، ونجتمع حول ما يقوي فينا الأواصر، ويحمينا من التآكل.
فلنع أهمية التمكين للعربية الفصيحة، ولنتعاون كل في موقعه لجعل هذا التمكين حقيقة ملموسة في أشكال تعاملنا اللغوي المتنوعة على امتداد الساحة المغربية كلها منطلقين من تقبل ما لدينا إلى الارتقاء به، وتجويده على نحو تدريجي مستمر وصولاً إلى المستوى المنشود.
الخبر
|
|
|
|