|

مرحى.. اللغة التركية والطربوش التركي
أ.د. سرى سبع العيش
عندما جاءني بالبريد الالكتروني أن مجلة «يوروتايمز» أي مجلة التايمز الأوروبية, ستصدر أيضا, بطبعة جديدة باللغة التركية, وهي المجلة الطبية, التي تُعنى بطب العين وجراحتها, تشرف عليها الجمعية الأوروبية لجراحة السَّاد وتصحيح البصر وتطبع وتنشر شهريا بأكثر من اثنتي عشرة لغة آخرها الآن بالتركية. هنأت في قلبي الأتراك وفرحت لهم واحترمتهم لأنهم أصروا على أن تخرج للمجلة طبعة باللغة التركية برغم معرفة الأطباء الأتراك بالأنجليزية, وكحال غيرهم من أطباء العالم. فقد أصروا على احترام لغتهم, وتمجيد قوميتهم وجعلها سواء مثل أية لغة أوروبية .
فبعد أن كانت المجلة تصدر أصلا باللغة الإنجليزية أصبحت تصدر في نفس الوقت بطبعات بالألمانية, والفرنسية, والأسباتية والبرتغالية, واليابانية والهولندية والسويدية والصينية والكورية, والإيطالية والرومانية والصربية ,والآن بالتركية, وقد كان شعار العدد الجديد لشهر شباط تمثالا عليه طربوش تركي, بالرغم من اختفاء الطربوش في زمننا هذا.. فمرحى للأطباء الأتراك..
استحوذ علي الموقف فدمعت عيناي تأثرا إذ تذكرت أنني قبل ستة عشر عاما عندما ذهبت لشيكاغو لحضور المؤتمر المئوي للأكاديمية الأمريكية لطب العيون, وقابلت السيد بنجامين بويد, رئيس تحرير مجلة إضاءات في طب وجراحة العيون» التي تعنى بالجديد من جراحة العين والتكنولوجيا الطبية العينية وتصدر بسبع لغات إضافة للأصل الأنجليزي فاقترحت عليه أن تصدر المجلة باللغة العربية أيضا لأننا كعرب نفضل ذلك, نظر إلي وشهق وقال لي حينها: سيدتي هذا مفاجئ لي, لأنني أعرف كثيرا من أطباء العيون العرب وبعضهم أصدقاء لي, ولم يسبق أن اقترح أحد منهم أن تصدر المجلة باللغة العربية, وأنا أرحب بذلك, نعم لم لا تصدر بالعربية..؟
وزيادة على إصراري وتشجيعي له قلت إن جمعية تعريب العلوم الطبية في الأردن, وحيث كنت رئيستها في ذلك الوقت, ستقوم بترجمة النشرة للعربية مجانا في السنة الأولى, , ففي الترجمة إعزاز للغة العربية. ولكن بعد شهر من المراسلة أخبرني بأن رئيس المجلس العربي لطب العيون في ذلك الوقت مر عليه وعندما أخبره بلقائي به واقتراحي بإخراج طبعة عربية للمجلة وعرض عليه الفكرة, أقنعه بأن ذلك غير ضروري, لأن الأطباء العرب يفضلون اللغة الإنجليزية..ولن يقرأوا الطبعة العربية اذا أنجزت, وأن العربية لا تصلح لغة للطب..!
وقد نال ذلك الطبيب بعد سنة وساما رفيعا من الأكاديمية الأمريكية لخدماته وحثه دولته الخليجية على تقديم عون مادي مجز لإقامة مركز طبي عيني في تنزانيا يرعاه الأطباء الأمريكيون...
إنها المفارقة الصارخة بين الأطباء الأتراك الذين سعوا ونجحوا في إعلاء مكانة لغتهم وبين الأطباء العرب الذين يفاخرون بأنهم يرطنون بالإنجليزية, ولا يحتاجون للعربية في قراءة العلوم الطبية ولا يرون ضرورة لترجمة العلم أو نشره باللغة العربية المجيدة..مع أن المتكلمين بالعربية تجاوزوا ثلاث مائة مليونا من سكان العالم....
أرأيتم كيف يفاخر الأنجليزي والتركي والصيني والياباني واليوناني والإيطالي والفرنسي والألماني, والهنغاري والسويدي والأسباني والصربي والروسي كل بلغته القومية لأنه يعزُّ هويته ويحترم آباءه وأجداده وتاريخه وتراثه. ونحن نطمس عمدا لساننا العربي المبين, لغتنا العظيمة, التي كانت لغة العلم في الزمن العربي الأسلامي نشرت العلوم في أصقاع العالم, وأنارت العالم عندما كان الغرب يغرق في ظلام دامس, احتوت الحضارة العربية الأسلامية, واستقى منها الغربيون وبنوا حضارتهم الحالية على أسس متينة منها. أترانا نعقها ونفاخر بأننا نرطن بغيرها دون أن يرف لنا جفن من حرج, أو استحياء, أو استنكار,..للّه في خلقه شؤون.. ولا حول ولا قوة الا بالله...
الرأي
|
|
|
|