|

العامّيَّة والفصيحة.. مَنْ يعرف كثيراً يغفر كثيراً
أ. سعود قبيلات
يعتقد البعض، بشكلٍ خاطئ، بأنَّ العاميَّة تتوسَّع باستمرار على حساب الفصيحة. والمسؤول عن هذه الفكرة الخاطئة ليس أنصار العاميَّة؛ بل هم – يا للعجب! – بعض المتحمِّسين للفصيحة. فهؤلاء لا يكفّون عن الصياح الفجائعيّ خوفاً على اللغة العربيَّة من المخاطر التي تهدِّدها بها العامّيَّة.
وهكذا فبينما هم يظنُّون أنَّهم يستنفرون الناس للدفاع عن لغتهم المحبوبة والحفاظ على سلامتها، فإنَّهم، في الواقع، يسيئون إليها ويدعمون حجج خصومها القائمة أصلاً على الزعم بأنَّ ثمَّة واقعاً صلباً يتكرَّس بدأب ولا سبيل لنا إلا الاعتراف به والتسليم بنتائجه؛ ألا وهو أنَّ العامّيَّة تتوسَّع باستمرار على حساب الفصيحة بينما هذه الأخيرة تنحسر باستمرار؛ وهو ما يعني في النهاية إشاعة اليأس، في قلوب أنصار الفصيحة ومحبّيها، من إمكانيَّة نصرتها والنهوض بها، ما دامت هكذا.. محكومة بالتراجع الدائم بشكلٍ قدريّ محتوم أمام بعض الصيغ اللغويَّة الركيكة التي يستعملها بعض الأشخاص ضحلي الثقافة.
أمَّا واقع الحال في العلاقة بين الفصيحة والعاميَّة، فهو على النقيض ممّا يُشاع عنه؛ حيث أنَّ الفصيحة هي التي تتوسَّع على حساب العاميَّة.. وليس العكس؛ ذلك لأنَّ نسبة المتعلمين تتزايد باستمرار؛ كما أنَّ دور الصحافة وأجهزة الإعلام المرئيَّة والمسموعة، وخصوصاً الفضائيَّات، يتزايد ويتَّسع وينمو باستمرار؛ الأمر الذي أدَّى فعليّاً إلى زيادةٍ مضطردة في عدد مستخدمي الفصيحة على حساب عدد مستخدمي العاميَّة.
ويمكن القول، هنا، إنَّ تمكّن الفضائيَّات العربيَّة ووسائل الاتِّصال الجديدة الأخرى المتطوِّرة، من تخطِّي حدود الدول التي تنتمي إليها، خلال العقدين الماضيين، ووصول بثِّها إلى مختلف أرجاء محيطها العربيّ (بل والدوليّ أيضاً) قد فرض عليها التوسّع في استخدام الفصيحة، على الأغلب، لكي تتمكَّن من إيصال رسائلها الإعلاميَّة بوضوح إلى بقيَّة الشعوب العربيَّة في الدول الأخرى وفي المهجر. حيث أنَّ الفصيحة هي اللغة المشتركة والمفهومة من قبل الجميع، بينما العاميَّة مفهومة في إطارها المحليّ الضيِّق فقط، وفي معظم الأحيان تختلف اللهجات من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى في الدولة الواحدة، بل ومن حي إلى آخر في المدينة الواحدة.
وبالإجمال، فإنَّ وضع اللغة العربيَّة الآن هو في الحقيقة أفضل ممَّا كان عليه في السابق عندما كانت الأميَّة مستشرية وعندما كان محدوداً ووصولها إلى الناس محصوراً بحدودها المحليَّة. فلماذا يتصايح المتصايحون، إذاً، خوفاً على اللغة العربيَّة ودفاعاً عن سلامتها؟!
جوهر الأمر هو أنَّ هؤلاء يدافعون في الواقع عن تمايزهم عمَّن يسمَّونهم العامَّة وليس عن اللغة العربيَّة. وهنا أستعير مِنْ كتاب "أسطورة الأدب الرفيع"، للدكتور علي الورديّ، قوله "إنَّ التمايز اللغويّ لا يشيع إلا في مجتمعٍ طبقيّ. وكلَّما قلَّت الفروق الطبقيَّة بين الناس وانتشرت مبادئ المساواة والديمقراطيَّة ضعف اهتمام الناس بالحذلقة اللغويَّة وأصبحت اللغة وسيلة التفاهم لا للتباهي والكبرياء". ويتابع الدكتور الورديّ قائلاً: "ويصحّ القول بأنَّ المجتمع الذي يحتوي على فروق كبيرة في ألبسة الناس ومساكنهم ومطاياهم، يحتوي كذلك على فرق واضح بين لغة الصعاليك والمترفين. فاللغة بهذا الاعتبار لا تختلف عن أيّ مظهرٍ آخر مِنْ مظاهر التفريق الاجتماعيّ".
وبالنتيجة، فإنَّ هؤلاء – بخلاف ما يعلنون، وربَّما بخلاف ما يظنُّون – يدافعون، في الحقيقة، عن موت اللغة العربيَّة وليس عن سلامتها وحياتها ونهوضها وتعزيز انتشارها وبقائها. ذلك لأنَّهم عندما يتحدَّثون عن سلامة اللغة فإنَّما يقصدون بذلك، على وجه التحديد، ما كانت عليه العربيَّة في العصر الجاهلي فقط، وربَّما، في أحسن الأحوال، يتفضَّلون بالاعتراف بالوضع الذي كانت عليه حتَّى القرن الثاني الهجريّ. وهكذا، فهم بهذا ينظرون إليها كما لو كانت حياتها قد توقَّفت عند تلك العصور القديمة، ثمَّ أصبحت بعد ذلك جسداً متحجِّراً لا حياة فيه.
إنَّهم يريدوننا أن نقف معهم باستمرار على أطلال لغتنا القوميَّة، وأنْ نكتفي بالتغنِّي بأمجادها السالفة، مستخدمين بالطبع ما يرون هم أنَّه يليق بهذه المناسبة الحزينة من الألفاظ والتراكيب البليدة. ويُستحسن أنْ نفعل ذلك ونحن نكسو وجوهنا بملامح عابسة كئيبة. بل هم، على الأرجح، ينظرون إلى اللغة العربيَّة على أنَّها وُلدت ميِّتة، ولم تنمُ منذ ذاك ولم تتطوَّر ولم تتوالد ولم تتغيَّر. إنَّها بالنسبة لهم قطعة من الجماد الصلد الساكن الذي لا يمكن أن يطرأ عليه طارئ سوى ما يخشونه من عوامل الحتّ والتعرية وما يشبه ذلك من عوامل الطبيعة القاهرة.
لو كان هؤلاء ينظرون إلى اللغة العربيَّة على أنَّها كائن حي، لكانوا رأوا أنَّها بألف خير وأنَّه ما من خشية حقيقيَّة عليها وعلى مستقبلها؛ وذلك بالضبط لأنَّها حيَّة وتتَّسم بكلّ سمات الكائن الحيّ التي أشرنا إليها؛ ولهذا السبب، بالذات، لم تبقَ على صورتها السابقة ولن تبقى على صورتها الحاليَّة أو اللاحقة.
الأمر الذي يعني، باختصار، أنَّه لا يجوز أن يبقى مرجعنا الحاسم في اللغة العربيَّة هو "ما قالته العرب" قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. فماذا بشأن ما قالته العرب، أو ما ستقوله، بعد ذلك؟!
ينظر أصحاب هذه النظرة الجامدة إلى اللغة العربيَّة التي اُستخدمت بعد القرون الأولى لقيام الدولة العربيَّة الإسلاميَّة على أنَّها مشوبة باللحن والضعف؛ ويعيدون السبب في ذلك إلى كون الأمَّة العربيَّة اختلطت بعد الفتوحات الإسلاميَّة بالكثير من الأمم والأقوام الأخرى وتأثَّرت بها ودخل الكثير من صيغ ومفردات لغات تلك الأمم في الكلام العربي المتداول، الأمر الذي أخلَّ بسلامة اللغة العربيَّة وبنقائها. ولكن متى لم يختلط العرب بالآخرين؟ وهل كانت العربيَّة في الجاهليَّة نقيَّة من أيَّة صيغ أو مفردات مستمدَّة من لغات الأمم الحيَّة الأخرى التي كانت تحيط بالأمَّة العربيَّة آنذاك؟
إنَّهم ببساطة – شاءوا أم أبوا، وعوا ذلك أم لم يعوا – يسعون إلى تغريب اللغة العربيَّة عن الإنسان العربيّ الحاليّ، أي عن الإنسان العربيّ الحقيقيّ وليس ذاك الذي يتوهَّمونه أو الدائرة الضيِّقة جدّاً التي ينتمون إليها، خصوصاً حين يعمدون إلى استخدام صيغ ومفردات أكل الدهر عليها وشرب ولم تعد مستخدمة في العصر الحديث، فيعتبرونها هي وحدها اللغة العربيَّة الفصيحة والسليمة وما عداها ليس كذلك.
وهذا هو، بالضبط، ما يعزِّز حجَّة أنصار استخدام العاميَّة في الصحافة ومختلف أجهزة الإعلام. إذ أنَّ أنصار العامّيَّة يستندون بشكلٍ أساسيٍّ إلى ما يشيعونه مِنْ صورةٍ زائفة عن أنَّ الفصيحة أصبحتْ غريبة عن الإنسان العربيّ الحاليّ وأنَّها معقَّدة وغير مفهومة وصعبة الاستخدام، وأنَّنا لكي نكون مفهومين من الناس وعمليين فلا بدّ لنا مِنْ أنْ نهجر الفصيحة ونستخدم العاميَّة بدلاً منها. وهكذا فهذان الاتِّجاهان المتناقضان في الظاهر إنَّما هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة.
مشكلة التباعد ما بين اللغة المحكيَّة وما بين اللغة المكتوبة هي مشكلة عانت منها جميع اللغات الحيَّة في مراحل معيَّنة من مسيرة تطوُّرها وتطوُّر الأمم التي تنطق بها، لكنَّها وجدت، في النهاية، من بين أبنائها، علماء لغة كبار بعقول منفتحة، وضعوا لهذه المشكلة حلولاً ناجعة وخلَّصوا لغاتهم مِنْ جوانب ضعفها. وقد نجحوا في ذلك لأنَّهم لم يتمترسوا خلف الصيغ والمفردات القديمة باعتبارها هي اللغة السليمة وما من لغة سليمة سواها. كما أنَّهم، في الوقت نفسه، لم ينساقوا مع اتِّجاهات الركاكة العاميَّة السقيمة لتكون بالنسبة لهم هي اللغة البديلة وما من بديل سواها.
ولقد حظيتْ اللغة العربيَّة، في فترة ازدهار الدولة العربيَّة الإسلاميَّة، بعددٍ كبير من علماء اللغة الأفذاذ الذين قدَّموا العديد من الحلول المبتكرة والجريئة والذكيَّة للمشكلات التي واجهتها العربيَّة في زمانهم، وقاموا باقتراح التغيّرات اللغوية الضروريَّة التي تطلَّبتها التحوُّلات الحضاريَّة الكبرى التي طرأت على المجتمع العربي الإسلامي آنذاك. ولكن منذ دخل العالم العربي الإسلامي طور انحطاطه المديد، انحطَّت معه علوم لغته، ولم يبرز من بين أبنائه من ينهض بتلك المهمَّة الأساسيَّة الكبرى؛ اللهمَّ إلا إذا استثنينا بعض المحاولات المحدودة والمتفرِّقة التي لم ينتج عنها – مع الأسف – الأثر المطلوب بعد.
ومن الذين حاولوا في العصر الحديث ردم الهوّة بين العامّيَّة والفصيحة، عن طريق تيسير الفصيحة والارتقاء بالعامّيَّة: الدكتور شوقي ضيف (كتابه "تيسيرات لغويَّة")، والدكتور إبراهيم مصطفى (كتابه "إحياء النحو")، والدكتور إبراهيم أنيس (كتابه "في اللهجات العربيَّة") وآخرون.
وسأحاول أن أعرض هنا بإيجاز بعض ما جاء في محاولةٍ لغويَّةٍ إصلاحيَّةٍ أخرى جادَّة ومخلصة طمح صاحبها للاضطلاع بقسطه الخاصّ مِنْ هذه المهمَّة الجليلة والضروريَّة. أفعل ذلك لكي أقدِّم مثالاً واضحاً على تلك الجهود اللغويَّة المقدَّرة، على أمل أن تتواصل محاولات الاجتهاد وتتَّسع وتتعمَّق إلى أنْ تفعل فعلها المطلوب لإنجاز الإصلاح اللغوي المنشود الذي لا بدَّ من إنجازه كي نتجاوز حالة الفصام التي تعاني منها لغتنا العربيَّة الآن.
هذه المحاولة جاءت في كتاب بعنوان "أضواء على لغتنا السمحة"، من تأليف محمَّد خليفة التونسي. وقد صدر ضمن سلسلة "كتاب العربيّ" الكويتيَّة، عام 1985. وكان قبل ذلك قد نُشر في مجلَّة "العربيّ" على شكل مقالاتٍ متتابعة ضمن أعداد المجلَّة الشهريَّة.
وفي المقدِّمة التي وضعها المؤلِّف لكتابه، وهي بعنوان "من يعرف كثيراً يغفر كثيراً!"، يتحدَّث عن عبقرية اللغة العربيَّة، أي قدرتها على التشكُّل بصورة مستمرَّة مع التطوّرات الحضاريَّة المختلفة. فيرى أنَّها ترتقي وتتَّسع على قدر حظِّنا من الحضارة، وتتجدَّد كلَّما تجدَّدنا مع الحياة.
ثمَّ ينتقل إلى إيضاح موقفه مِنْ مذاهب النحو العربيّ القديمة وخلافاتها الشهيرة، فيقول: "نحن نعلم أنَّ نحاتنا كانت لهم في النحو مذاهب، أقدمها وأشهرها مذهب البصريّين ومذهب الكوفيّين، وإذا كان النحو البصريّ قد غلب لأسباب سياسيَّة، فقد زالت هذه الأسباب، وليس ما يحول بيننا وبين الانتفاع بالمذهب الكوفيّ على أوسعه، وفيه آراء أصوب وأيسر".
وبعد ذلك، يدعو إلى الاستفادة "بالدراسات اللغويَّة الحديثة، وفي مقدِّمتها الدراسات المقارنة". ثمَّ يقترح "أن نقبل من المفردات والتراكيب كلّ ما له وجه سائغ في اللغة، فإنَّ هذا يوسِّع اللغة ويثريها، ويجعلها مجارية لغيرها من لغات الحضارة المعاصرة، فكذلك قديماً جارت لغتنا غيرها من لغات الحضارات السابقة عليها عقب خروجها من جزيرتها مع الفتوحات الإسلاميَّة، حتَّى استوعبت خير ثقافات تلك اللغات بل صارت يوماً لغة الثقافة العالميَّة".
ويدعو، أيضاً، إلى عدم ترك أمور اللغة "حكراً بين أيدي النحاة واللغويّين ولا سيّما المتأخِّرين الذين ظهروا بعد القرن الرابع الهجريّ خلال الفترة المظلمة التي ضاعت فيها الدولة من العرب، وصارت في أيدي غيرهم من الأعاجم، إذ كان المهتمُّون فيها بالتراث حريصين على جمعه وحفظه وكانوا فيه نقلة مقلِّدين، ولم يحاولوا نقده وتطويره ولم يكونوا قادرين على ذلك، ولهذا لم يجدِّدوا فيه".
ثمَّ يرى أنَّه "من الواجب أنْ نصغي في البحوث النحويَّة واللغويَّة إلى أقوال من تضطرَّهم مجالاتهم في المعرفة إلى هذه البحوث اللغويَّة، وفي مقدِّمتهم علماء الأصول والفلاسفة والأدباء فإنَّ لهم آراء تفضل آراء النحويّين واللغويّين المتخصِّصين في تعمُّقها ونفاذها ومرونتها".
وبالنسبة للدراجة، فهو يقول: "تعوَّدنا أن نستهين بالألفاظ الدارجة ونستهجنها كأنَّها غريبة كلّ الغرابة عن الفصيحة، ولهذا نتجنّبها حين نتفصَّح في حديث أو كتابة مع أنَّ فيها كثيراً من الكلمات الفصيحة، ولهذا نرى أن نستعمل هذه الألفاظ المأنوسة، المشتركة بين البلاد العربيَّة، كما نرى أن نأخذ ألفاظ أهل المهن ونحوهم من المتخصِّصين علميّاً أو نظريّاً ما دامت شائعة بينهم، ونضيفها إلى معجمنا لأنَّ أصحاب المهن وأمثالهم أدرى بمصطلحاتهم".
وفي فصل بعنوان "كلمات في الدارجة (أصليَّة لا دخيلة)"، يقدِّم لنا نماذجاً من تلك المفردات التي تستعمل في الحياة اليوميَّة ونتجنَّب استخدامها في الكتابة من غير مبرِّر سوى شيوعها، ومنها: خش، نش، دبق تدبيقاً، القشطة، زنق، حاش حوَّش حَوْش، شاف يشوف شوفاً، عشِم يعشَم عشماً، ساب، شيَّال، التشويش، فَرْشَح، الفسحة والفرجة، التنـزه والنـزهة والمنتزه، الفرقعة، يسوى(يساوي)، شعلل، صهلل، عكنن، بقلل، شعنن، زغلل، فعفل، نعش ونعنش، ملص وملمص، فلص وفلفص، شرشب، قرقش، مرمغ، شرشح شرشوحة، طرطف طرطوفة طراطيف، دردش، رهرف، لعلط، مرمط، حرحش، بربش، طرطق، قرقع، سرسب، كركع، فرفط، قرقط، سرسع، نهنب، كلكع، بعبك، خرخش، شرشح، دردب، دردك، معجن، بخلان، بردان، بطران، بهتان، تعبان، جربان، جحدان، حردان، حلمان، خدران، زعلان، زهقان، زوران، سرحان، سهيان، شرقان، شقيان، صفيان، ضعفان، طرشان، عصيان، عمشان، عميان، عيّان، فجعان، فشلان، فلسان، فهمان، قلقان، كحيان، كفران، كمشان، لبدان، مرضان، ندمان، نديان، نحفان، نسيان، هبيان، هربان، همدان، وجعان، وحمان، ورمان، تشيطن، عربن، تولدن، تصبين، تصغرن، حلون، تلعبن، تنسون، تشهون، تحيون، قطرن، تمشيخ، تمسخر، تمرجل، تملعن..الخ.
وتحت عنوان "الرجلان حضرا أو حضروا؟" يناقش المؤلِّف مسألة مهمّة تنفرد بها اللغة العربيَّة دون سائر اللغات، وهي أنَّ الاسم في الفصيحة إمَّا مفرد أو مثنَّى أو جمع، بينما هو في اللغات الأخرى إمَّا مفرد وإمَّا جمع. وفي هذا المجال، يرى التونسيّ، بخلاف ما هو شائع، أنَّه مثلما أنَّ لغتنا الدارجة تراعي التثنية في الأسماء فتقول: رجل، رجلين، ورجال، وكتاب وكتابين وكتب، ولكنَّها في الأوصاف والضمائر وأسماء الإشارة لا تراعي التثنية بل تسير على القاعدة العامَّة لسائر اللغات، كذلك تفعل الفصيحة.
ويورد على ذلك أمثلة عديدة من التراث: منها ما ذكر مِنْ أنَّ الشعبيّ " كان يتحدَّث في مجلس عبد الملك بن مروان، فقال: "رجلان جاءوني" فقال عبد الملك: "لحنت يا شعبيّ" قال: "يا أمير المؤمنين، لم ألحن، مع قول الله تعالى: "هذان خصمان اختصموا في ربِّهم" فقال عبد الملك: "لله درّك يا فقيه العراقيّين قد شفيت وكفيت".
ومِنْ هذه الأمثلة أيضاً الآية الكريمة التي تقول: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله"، والآية التي تخاطب زوجتين من زوجات النبيّ الكريم، فتقول: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما".
وهناك أيضاً قول امرأة إعرابيَّة في وصف الرسول الكريم حين مرَّ بخيمتها في طريق هجرته إلى المدينة وكان بصحبته أبو بكر، ومولاه عامر بن فهيرة يخدمهما: "غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة، له رفقاء يحفُّون به إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره".
ومثال آخر في قول الفرزدق عن امرأتين أدخلتاه بيتهما الشامخ وخلتا به ثمَّ أوجستا خيفة من رقيب في آخر الليل، فأنزلتاه اتِّقاء الفضيحة من مرتفعهما الشاهق، بحبال تحتمله، حتَّى بلغ الأرض:
همـا دلَّـتاني مـن ثمـانين قامـة كما انقضَّ باز أقتمُ الريش كاسرُه
فلمَّا استوت رجلاي في الأرض قالتا: أحيُّ يُرجَّـى، أم قتـيل نحاذره؟
فقلت: "ارفعوا الأسباب لا يفطنوا لنا" وولَّيتُ في أعـجاز ليـل أبادره
وجاء في القرآن الكريم: "ثمَّ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً، قالتا: أتينا طائعين".
هذان نموذجان من الكتاب يبيِّنان الكيفيَّة التي عالج بها صاحبه مشكلة العلاقة بين العربيَّة الفصيحة والدارجة. وفيه، أيضاً، فصول أخرى عديدة، ليست أقلّ أهميَّة ممَّا أشرنا إليه، يتحدَّث فيها المؤلِّف عن النحو وسوى ذلك من الجوانب المختلفة لقضيَّة تيسير اللغة العربيَّة الفصيحة التي هي موضوع كتابه ذاك.
ولا تقوم هذه المعالجة، التي عرضنا بعض نماذجها هنا، على مطالبة الفصيحة بأنْ تتنازل للدارجة عن أصولها وصيغها وقواعدها الأساسيَّة، كما قد يظنّ البعض خطأً، وإنَّما هي تستند إلى المبدأ الذي ثبَّته المؤلِّف كعنوان لمقدِّمة كتابه: "من يعرف كثيراً يغفر كثيراً". ذلك أنَّ كثيراً من المفردات "العاميَّة"، حتَّى لو لم يرد في المعاجم المعروفة، هو ذو أصول فصيحة قائمة على اشتقاقات سليمة. وهذا ينطبق أيضاً على الصيغ والتراكيب التي يُظنّ في كثير من الأحيان أنَّها عاميَّة.
وفي الختام، نؤكِّد بأنَّنا لسنا مضطرّين للاستمرار في إخضاع لغتنا العظيمة للمقولة البالية القديمة: "هكذا قالت العرب"؛ بل من الأصحّ أنْ نقول، مع محمَّد خليفة التونسيّ ومع اللغويّ القديم أبي عثمان المازنيّ: "ما جاء على كلام العرب، فهو مِنْ كلام العرب".
ذلك لأنَّ الأصل في اللغة هو أنَّها وسيلة للتواصل بين الناس، وإيصال المعاني والأفكار لهم بأيسر السبل وأوضحها وأكثرها دقَّة. لكنَّ البعض ينسى هذه الوظيفة الأصليَّة الجليلة أو يتناساها؛ فيجعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً، ويُدخِل الناس في متاهاتٍ عبثيَّة معقَّدة لا طائل منها ولا هدف جدّيّاً لها. وهذا ما حفلتْ كتب اللغويين النابهين بالحديث عنه، والتحذير مِنْ عواقبه، وحاولتْ التحصين ضدَّ آثاره الضارَّة المحتَمَلَة وإصلاح ما وقع منها فعلاً.
شبكة الوحدة الإخبارية
|
|
|
|