|

نحو إصلاح لغوي
أ. يحيى العلكمي
لا أملّ الكتابة عن اللغة، حضورها وإشكالاتها في واقعنا المعيش وعلى ألسنة أبنائنا، خاصة أولئك الذين أحنت رؤوسهم أجهزة التقانة الحديثة فعادوا صما بكما لا يفقهون قولا، ولا يعيرون ما يحيط بهم أدنى اهتمام، وهم مع الساعات الطوال في انكفاءاتهم تلك يفقدون ما لا يمكن تصوره من المهارات اللغوية التواصلية التي من شأنها بناء شخصياتهم والارتقاء بمقدرتهم على التأثير وتكوين الآراء، وخوض النقاشات والمشاركة في تشييد المجتمع المعرفي الذي يعيشونه واقعا ماثلا لا عالما افتراضيا من السهل تلاشيه وفقدانه بمجرد أن ينقطع التيار الكهربي، وإني لأرى من الأهمية القصوى أن تتبنى المؤسسات المعنية دراسة ما يحدق بالناشئة من خطر يداهم كيانهم اللغوي ويضرب وجودهم الأيدلوجي في مقتل، خاصة أن قاعات الدرس اللغوي اليوم لم تعد توفر فضاء المعرفة والاشتغال اللغوي الفاعل كونها استحالت إلى "آلية" أدائية تنأى بهم عن روح اللغة وريحانها، وتحيلها على ألسنتهم إلى مجرد قوالب مبتورة السياق ومنقطعة الأسباب عن حياتهم وما يتعرضون له من مواقف يومية، لا أتحدث هنا عن بناء وتصميم المقررات، وإنما عن الأداء التدريسي لكثير من المعلمين الذين حتى اللحظة لم يدركوا واجبهم المنوط بهم تجاه ما يرام منهم في الدرس اللغوي، بوصفه حالة شمولية تظهر جماليات اللغة وتعين على توظيف أدواتها الاتصالية، وتأخذ الطلاب إلى فضاءاتها الواسعة فتتشكل كفاياتهم اللغوية، وتتأسس مهاراتهم التفاعلية.
لقد أحزنني أن معنيا بتخصص اللغة العربية يقول في معرض حوار عن أثرها اليوم، إن وسائط التقنية وألواحها المحمولة قد جسرت الدخول إلى عصر المعرفة دونما حاجة إلى الإحاطة برأي البصريين أو الكوفيين في مسألة ما، ودونما الحاجة إلى بيان الجاحظ وتبيينه، أو تربيعه وتدويره، وإن شكلا تعبيرا واحدا قد يغني عن تركيب لغوي، وقد يضاهي مقطوعة أدبية منقحة في إيصال الرسالة، والجواب هنا ممتد وطويل لن تفي هذه الزاوية العجلى بعرضه، والإتيان على مجمل مفاصله، غير أني أستعير هنا مقولة قديمة لأحد حماة اللغة العربية وهو الشيخ أمين الخولي مفندا: "إن آفات حياتنا في جمهرتها تعود إلى علل لغوية، تصدع الوحدة وتحرم الدقة، وتبدد الجهد، وتعوق تسامي الروح والجسم، والعقل والقلب".
وفي تحليل هذه المقولة نحتاج إلى حوارات متخصصة مؤداها جميعا أن الأزمة ماضية ما لم نتداركها بإصلاح لغوي مستدام كما يحدث في عناصر وفاعليات التنمية الأخرى.
الوطن
|
|
|
|