العربية تتلعثم والإنجليزية تتمخطر

أ. مارلين سلوم

السنوات تمضي ونحن ما زلنا حائرين، ندور حول لغتنا كأنها كائن فضائي هبط علينا فجأة ولا نعرف كيف نتعامل معه ونفك طلاسمه .

غريب كيف أننا ما زلنا نبحث عن معايير جديدة لتعليم لغتنا الأم في مدارسنا ولأبنائنا، بينما لا يجد الأجنبي أي عناء في التعامل مع أصغر طفل عربي في أي مدرسة، بل يجد منه التجاوب فيلقّنه بسهولة لغته (الأجنبية) ويتواصل معه بلا مشكلات أو عراقيل . وغريب أن يشعر المدرِّس الأجنبي هنا بأنه في بيته وبين أهله، بينما مدرِّس اللغة العربية منبوذ ومكروه ويسعى لإيجاد أفضل وسيلة يتواصل بها مع طلبته ليتقبّلوه ويفهموا لغته بلا مشكلات .

نعيب على الشاب العربي لأنه يتلعثم بحروفه العربية ويستعين بالأجنبية كي يتمكن من تركيب جملة سليمة، ونعزو جهله بلغته الأم إلى أهله الذين لم يزرعوا فيه الحس الوطني وقيمة اللغة والانتماء، وأحياناً نتهم الشباب برغبتهم في تقليد الغرب بأي شكل، وباعتمادهم الإنجليزية لغتهم الأساسية من باب التباهي وكمؤشر على أنهم أبناء المستقبل . لكننا نخطئ في لومهم وحدهم في حين أن أهل التعليم والتربية لم يكتشفوا بعد سبل توصيل رسالتهم إلى طلبتهم وحمايتهم اللغة العربية من الاندثار .

يبحثون اليوم عن معايير جديدة لتعليم اللغة، وهذا حقهم، إنما المصيبة أن المعايير التي يتحدثون عنها بدائية ومن المفترض أنها تطبق في مدارسنا من الأمس، وأننا وآباءنا وأجدادنا تأسسنا عليها حين درسنا الأدب الجاهلي وقصائد شعرائنا وأدبائنا من أبي نواس والجاحظ إلى نجيب محفوظ وجبران . فمن استغنى عن أدب الأمس واستسهل تبسيط اللغة أو محوها من بعض المناهج وفي بعض المراحل التعليمية؟

اليوم يسعون جدياً في الدولة إلى إشراك الطلبة في أنشطة تشجع على التواصل السلس والراقي، واكتساب اللغة من خلال الأدب الرفيع وقراءة النصوص وفهمها والكتابة الجيدة والتحدث والاستماع . أليس هذا ما تعلمناه فتحصنّا بلغتنا وقواعدنا السليمة وجاءت اللغة الأجنبية لتضيف إلينا ثقافة جديدة ومفاهيم أخرى؟ إذن، كيف تحولت الركيزة الأساسية إلى لغة ثانوية، ومن فضّل عليها الأجنبية لتسبقها إلى جذب الشباب إليها بطرق سلسة وبأساليب تعليمية ناجحة؟

أغلبية أبناء اليوم تتمخطر اللغة الإنجليزية بدلال على ألسنتهم كأنهم ولدوا بها، بينما أي شاب أوروبي (غير إنجليزي) يفخر بلغته القومية أينما ذهب، ولا يستعين بتلك الأجنبية سوى داخل مدرسته أو عند الضرورة . وما يساعده على الحفاظ على لغته الأم وفخره بها، أن اليافطات في الشوارع والمستندات الرسمية وموظف الاستعلامات والاستقبال في أي مؤسسة خاصة أو رسمية يشبهونه ويرفعون شعار المحلية أولاً، في حين أن العربي سيحتاج في الغد القريب إلى قاموس يتأبطه أينما ذهب في بلده ليترجم ما يقرأه ويسمعه، أو أن يصبح لكل مواطن مترجماً يرافقه .

ألا يكفي أننا نستهلك المعرفة وبالكاد ننتجها، حيث لا يشكل إنتاج العالم العربي من الكتب سوى 1 .1 %، كي نخلع أيضاً عن ألسنتنا رداءها العربي الأصيل؟

الخليج