الحماية السياسية للغة العربية

أ. د. جورج جبور

لا أعلم إن كانت الهيئات السياسية العربية قد ناقشت ذلك التقرير الذي أصدرته اليونسكو عام 2006، وبه ذَكَرَت أن العربية مهددة بالإنقراض. ولا أدري أيضاً إن  ناقشت هذه الهيئات تجربة الفرانكوفونية في تصديها لغزو تتعرض له الفرنسية من قِبَل الانجليزية. ثم  لا أدري إن تنبه الاختصاصيون العرب في المنظمات الدولية  الى الدور الذي تقوم به اليونسكو في تأييد وجهة النظر الفرنسية بشأن سياسات اللغات.
في عام 1996 أسهمتُ في بروكسل في  ندوة حوار عربي- ا وروبي  ترعاها جامعة الدول العربية . كان الحضور عرباً ما عدا كلود شيسون  وزير خارجية  فرنسا الأسبق، واثنان او ثلاثة من الأوروبيين. جاء دور كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية . ألقاها عنه  مستشاره  صديقنا الدكتور ناصيف حتي، ولكن بالفرنسية.  الحكاية من الذاكرة.  وأقبل التصحيح  من الدكتور حتي أو من غيره، ولدي أوراقي ألجأ اليها إن لزم الامر.
بعد نحو من عشر سنوات  حدث في بروكسل أمر آخر حاز على اهتمام دولي. في اجتماع رؤساء الاتحاد الاوروبي  تكلم بالانجليزية موظف  فرنسي  كبير يعمل في الاتحاد الاوروبي . لم يتسع لتأنجلزه صدر جاك شيراك الرئيس الفرنسي. انسحب من الجلسة محتجاً. سحر الفرنسيين  بدفاعه عن الفرنسية، بينما تعرض لحملة إعلام الجزء الأقوى من "المجتمع  الدولي" ، مداناً من ذلك الاعلام  بجرم الشوفينية  الضيقة.
حادثة شيراك كان لها أثرها علي. أوصلت وصف الانترناشنال هيرالد  تريبيون لها الى كل أخواني  في العربية، أعضاء القمة العربية، عن طريق السفارات العربية في دمشق . وفي 27 آذار  2006 خاطبت  بالأمر، ناسوخياً (أي فاكسيا) من مكتب  مقاطعة إسرائيل بدمشق، السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، سائلاُ إياه أن تهتم القمة باللغة العربية.  ثم كان ما كان مما تكلمت فيه  أمامكم  يوم 3 آذار 2014  من بدء حملتي لكي يكون للغة العربية يوم، يومها، ولكي يكون موعده هو ذلك اليوم الذي كانت او نزلت به من  السماء : "اقرأ".
ومن الجميل أن القمة العربية  بدأت منذ  آذار 2007 تخصص حيزًا من بياناتها للعربية . إلا أنها لم تهتم بتحديد يوم  لها. ربما أنها لم تفعل، لأنني أطلقت دعوتي لتخصيص يوم للعربية عبر وسائل الاعلام. لا يليق بالقمة العربية ان تسفح كرامتها بتلقف فكرة قيمة من السفح.
أتوجه إليكم لكي  تخاطب ندوتكم القمة العربية القادمة بعد اسبوع ، وأرجو لها أن تعقد رغم التعقيدات المحيطة  بها، ورغم أن الدولة السورية لن تكون ممثلة فيها.  أتوجه إليكم لكي تسألوها تبني وجهة نظر  فرد من الامة العربية  اقسم في 30 نيسان 1954، اي قبل ستين عاماً، على العمل من أجل وحدتها.
ولكم أيضا ان تسألوها أمرًا آخر، بعد أن تقوموا أنتم بالخطوة الأولى في هذا السبيل. خلاصة الأمر: لماذا ارتضت الدول العربية  أن يكون يوم اللغة العربية العالمي، في 18 كانون الاول من كل عام، يوما ديوانياً، هو يوم انتهت "معاملة" الاعتراف  بالعربية لغة رسمية في الامم المتحدة، في حين لم ترض الدول ذات اللغات المتمعة بالرسمية  في الامم المتحدة  الا بأن تكون ايام لغاتها دالة على تميز في ثقافاتها؟  لماذا لم يقترن اسم المتنبي او المعري او ابن رشد ببوشكين و شكسبير وذلك الصيني  الذي بدأ الكتابة  بالصينية؟ خطوتكم الاولى: طلبكم إلى المسؤولين اللبنانيين المتابعين لليونسكو  القاء الضوء على "سياسات اللغات"  في منظمة الثقافة الأولى في العالم. لماذا، مثلا،  كان يوم اللغة الام يوم سقوط قتلى  بنغاليين  برصاص جنود  يتكامون الاوردو   ،ولم يكن  يوما من ايام سقوط قتلى المان  برصاص جنود يتكلمون الفرنسية؟
لماذا لا يكون  لنا وضوح سياسي  في ضرورة  ان تكون العربية  لغة التدريس الاولى  في مختلف المستويات ؟ ونعلم طبعا ان التدريس بالعربية  لا يتناقض مع ضرورة اتقان لغات التميز العلمي العالمي.
لماذا لا ننشئء ناديا دبلوماسيا  في بيروت  يتبارى فيه السفراء  المعتمدون فيها لالقاء خطب  بالعربية  امام جمهور  متميز  يمنحهم علامات على خطبهم؟ العلامة الاعلى اعطيها للسفير  الصديق زاسبكين سفير الاتحاد الروسي. قلت في بيروت؟ لماذ ليس في دمشق  التي يساعدها على استرداد عافيتها اعزازها العربية؟ فيها سفيرة تشيكيا  وسلاحاها الآسران شغفها بسورية وحلاوة حديثها بالعربية؟ بل لماذا ليس ايضا في الدوحة؟ فيها الفير السويسري الذي، حين كان في دمشق، فتن  مستمعيه  بعربيته  التي  تتفوق على  عربية بعض المسؤولين  العرب. ما كان يصح ان يغادر دمشق قبل ان يمنح وساما  احب ان ادعوه:"وسام التميز في الخطابة بالعربية" .
ولأتابع معكم موضوع النادي.  تفتتحونه ، يا نشامى المنتدى،  يوم الثاني من تشرين الثاني هذا العام.  ويجيب  الخطباء،  على النحو الذي يشاؤون، عن سؤال  محدد:  كيف تقيمون، بميزان حقوق الإنسان، مسيرة وعد بلفور منذ ذلك اليوم  قبل نحو من قرن؟
في العناية بالعربية  ثمة  وفرة في المداخل. إلا أن السياسة تأتي أولاً. الحماية السياسية  مطلوبة وعلى الصعد كافة . من سياسة حماية اللغة العربية  تبدأ السياسة العربية الواحدة. بوركتم وبورك لقاؤكم والسلام عليكم.