وزارة التربية دريئة وأخطاء في المناهج سببها

علي الحسن

أظهرت ندوة في فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب أن ثمة أخطاء في المناهج التربوية والتعليمية، وأن جهوداً جارية لتلافي تلك الأخطاء كما أظهرت الندوة ذاتها- التي جاءت بمناسبة يوم اللغة العربية بمشاركة كل من د. فرح المطلق معاون وزير التربية، د. نضال الصالح الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي المدير العام لمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، د. ممدوح خسارة عضو مجمع اللغة العربية- حجم الجهود التي بذلها الفريق العامل في المناهج التربوية السورية التي قطعت أشواطاً متقدمة على هذا الصعيد.
 
مشاركون في الندوة التي أداها د. إبراهيم زعرور وشهدت زخما في الحضور والنقاش- توجهوا بالنقد اللاذع لأقسام اللغة العربية التي يأتي كثير من خريجيها على درجة متدنية لجهة استخدامات اللغة كذلك الأداء الباهت لكثير من المدرسين والمعلمين الذين يقتلون المناهج، وتطرقت الندوة إلى مجمع اللغة العربية ولجنة تمكين اللغة العربية وشهدت سجالات ونقاشات حادة ومتباينة اتجاه اللغة مكانة والعامية حضوراً والمناهج وسيلة للتعليم والتربية.
 
كائنات شمعية... متحفية وأبراج عاجية
 
د. نضال الصالح المدير العام لمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها يؤكد أن سورية كانت، وما تزال، علامة فارقة واستثنائية أيضاً فيما يعني اللغة العربية، وأنّ تلك العلامة جهرت بنفسها منذ نشأة ما كان يُسمّى الجامعة السورية، جامعة دمشق فيما بعد، مشدداً في مداخلته أن مناهج التعليم، عبر تاريخ الجامعة الأم وشقيقاتها، دلّت على أن سورية أسست لمناهج تعليمية ترى في اللغة العربية مكوّناً مركزياً من مكوّنات الذات القومية.
ونبّه د. الصالح إلى أن ذلك لا يعني أن كلّ شيء بخير، ودائماً، فثمّة في غير كتاب مدرسيّ وجامعيّ، وفي غير مرحلة دراسية، ما يشير إلى قطيعة واضحة بين مفردات الكتاب أو المقرّر والحياة، التي غالباً ما تكتفي بتقديم اللغة إلى المتعلمين بوصفها مجموعة من القواعد النحوية والصرفية التي تتجلّى اللغة معها ومن خلالها كائناً من الشمع بدلاً من أن تجري في عروقه دماء الحياة، وعلى نحو يبدو بعض مؤلفي تلك الكتب والمقررات معه كما لو أنهم أسرى أبراج عاجية، مسوّرة بجدران عالية من جهاتها كلها.
ومن هنا يرى د. الصالح الناقد والأكاديمي أن معظم خريجي أقسام اللغة العربية لا يحسنون استخدام اللغة كما يليق باللغة نفسها، أو كما يليق بالمظانّ التعليمية والتدريسية خلال سنوات دراستهم. ولعلّ ذلك ما يفسّر- برأيه- تلك الفجوة الواضحة أيضاً بين ثنائيتي الكفاءة اللغوية والممارسة اللغوية في أدائنا على غير مستوى على الرغم ممّا أنجزته المؤسسات المعنية باللغة العربية في هذا المجال، ولاسيما اللجنة العليا للتمكين للغة العربية الجديرة بالتقدير والإكبار دائماً.
وتوقّف د. الصالح عند ما عدّه مفارقة بين الزخم المعرفيّ على مستوى إنجاز المناهج وكفاءة المعنيين بترجمة تلك المناهج إلى حياة، أي مدرّسيها، ورأى في تلك المفارقة مرجعاً من مرجعيات ما اصطلح على تسميته بـ«الوظيفية في الأداء»، وعنى بذلك اكتفاء كثير من مدرسي اللغة بدور الوسيط بين المنهج والطالب، لافتاً إلى أن عدداً غير قليل ممّن يحملون الشهادات العالية في اللغة العربية، لا الشهادة الجامعية وحدها، غالباً ما يتلعثم عندما يجد نفسه في موقف يفرض عليه استخدام اللغة استخداماً حياً، وإلى حدّ لا يمكن له معه من أن يستمر لنحو خمس دقائق في تحرير منطوقة من أذى الأخطاء. ورأى أن المناهج الكفوءة تتطلب مدرسين أكفياء، وإن لم يكن الأمر كذلك، فستكون تلك المناهج في واد وسيكون الطلاب في واد آخر. وتمنى على وزارة التربية إقامة دورات سنوية أو نصف سنوية للمدرسين المعنيين بتدريس المناهج الجديدة.
وفيما يتعلق بمقرر الصف الثالث الثانوي، الأدبيّ والعلميّ، فإن د. الصالح يشير إلى ذائقة متوسطة في اختيار النصوص الأدبية، لافتاً إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون اسم مبدع النص كافياً وحده ليكون النص المختار وسيطاً لتربية الذائقة الجمالية لمتلقّيه.
وتوقف د. الصالح عند المناهج الخاصة بمعهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ورأى أن أي لغة لا «تؤسس» ذاتها الحضارية الخاصة بها ليست جديرة بالحياة إن لم تتجاوز أفقها القوميّ إلى الأفق الإنسانيّ، داعياً الجهات المعنية جميعاً باللغة العربية وتدريسها إلى المشاركة في دفع هذه اللغة إلى التحرر من أغلال متحفيتها في الكتب لتصير ابنة شرعية للحياة، بل جديرة بالحياة.
 
تجاهل.. قفز وأخطار
د. ممدوح خسارة عضو مجمع اللغة العربية يبدي العديد من الملاحظات المنهجية واللغوية على المناهج، داعياً إلى تصويب الأخطاء، لافتاً إلى أن منهجية التأليف تستحق الثناء والاستحسان لأنها سارت على مبادئ تربوية لغوية، وأظهرها: الاعتماد على تنمية المهارات اللغوية من سماع ومحادثة وكتابة وقراءة أكثر من اعتمادها على التلقين.
وقدم د. خسارة عدداً من الملاحظات الاختصاصية تتعلق بالضبط والشكل والإعراب، مستعرضاً بعض الأمثلة الواردة في هذه الكتب، لافتاً إلى أخطاء في كتابة بعض الشواهد القرآنية، وفي ضبط الكلمات الكبيرة البارزة في العناوين، وعدم اعتماد منهج وحداني الضبط، وعدم اعتماد منهج وحداني في شواهد التدريبات من شعر وقرآن «يحسن في التدريب دائماً تقديم النص القرآني على ما سواه وتقديم الشاعر الأقدم على سواه».
ويرى د. خسارة أن مهمة وزارة التربية وضع (دليل للمعلم أو المدرس) يلجأ إليه ويستعين به، كي لا تضيع الفائدة من هذه الكتب الجيدة لأن كثيراً من المدرسين سوف يتجاهلون معظم الأسئلة والتدريبات والتطبيقات ويقفزون فوقها، هذا إن لم يعطوا إجابات خاطئة تترسخ في أذهان الطلبة، ويعبر خسارة عن خشيته من أن يفسد كثير من المدرسين مثل هذا الجهد التأليفي الكبير إن لم يكن لديهم دليل يستعينون به، ويشدد د. خسارة أن أخطر ما يذهب بقيمة هذه الكتب أن معظم مدرسينا يخاطبون طلابهم باللهجة العامية الملحونة، مؤكداً أنه ما لم يخاطب المعلم تلميذه باللغة السليمة الميسرة فإن أفضل الكتب في العالم غير قادرة على أن تجعل المتعلم يتقن اللغة ويشيد د. خسارة بالبرامج التدريبية التي تقوم بها الوزارة للمدرسين لكنه يرى أن متابعة لغة التعليم ضعيفة، مطالباً بتضافر كل الجهود للنهوض بهذه المهمة، وتشكيل لجان لتصحيح الأخطاء في بعض الشواهد والضبط والشكل بالسرعة الممكنة وتعميم التصويبات في ملاحق خاصة.
 
رحلة شاقة.. حقل ألغام و«قيل عن قال»
وفي مداخلته أشار د. فرح مطلق معاون وزير التربية إلى أن رحلة تطوير المناهج كانت شاقة واستغرقت جهداً جباراً وأنّ سورية نجحت في ذلك، لكن لتحقيق الكمال في النهاية لابد من السعي من أجل الأفضل ومن يعتقد أنه يقدم المنتج الأفضل على الإطلاق فهو الفاشل، مشيراً إلى أن الدفاع عن المناهج من باب كونها منتجاً خاصاً لن يحقق أية خطوات في تطورها، مؤكداً أن المناهج منتجاً وطنياً يجب الاشتغال عليه دائماً، وهذا ما تسعى إليه وزارة التربية التي ترحب بكل الملاحظات.
ويرى د. مطلق أن تبديل المناهج كاملة ودفعة واحدة مغامرة أقرب للمقامرة، مشيراً إلى أن البعض نفّر الأجيال من العربية عبر استعراض العضلات اللغوية، مشدداً على «المنهاج التكاملي» وعلى اتقان المهارات في التعلم في الاستماع والمحادثة والقراءة والكتابة، مؤكداً أن الوزارة تعيد النظر في الملاحظات القادمة من الميدان أياً كان مصدرها شخصياً كان أم مؤسساتياً.
وكشف د. مطلق أن وزارة التربية ستتخذ في القريب العاجل أحد قرارين، إما أن تكتفي بإجراء تصويبات للمناهج للعام الدراسي القادم أو تعديلاً لها في العام الدراسي بعد القادم، لافتاً إلى أن المجال مفتوح للاستعانة بالخبرات من داخل المؤسسة التربوية ومن خارجها وخاصة من المتقاعدين، وأنّ المناهج حقل ألغام، داعياً إلى التخفيف من الأعذار من داخل المؤسسة، وإلى إبداء الملاحظات بعد القراءة والفهم وليس (قيلاً عن قال).
 
خلل وتكسّب
د. ابراهيم زعرور الذي أدار الندوة تساءل عن اللهجات المحكية ودورها وأثرها على العربية، مشيراً إلى التساهل في تسميات وأسماء المحال التجارية، فيما تحدث د. سهيل الملاذي عضو لجنة تمكين اللغة العربية في مداخلة له عن اللجنة العليا واللجان الفرعية لتمكين اللغة العربية وآلية عملها في تسمية المحال التجارية والمنشآت السياحية، وإلى الخلل في فهم بعض المحافظين لتعليمات لجان التمكين في التسميات بالعربية والمرادفات لمن أراد بالأجنبية؛ الأمر الذي رآه د. نضال الصالح ليس خللاً في الفهم بقدر ما هو وسيلة للتكسب في غض النظر، وشاطره الرأي د. الملاذي، مؤكداً أنها وسيلة للتكسب لدى بعض المحافظين في التساهل في التسميات الأجنبية.
 
صداقة واستغراب
د. جورج جبور أكد في مداخلة له أنه لم يكن يوماً صديقاً للمناهج التربوية وأنّ فعاليات الندوة وطروحاتها غيرت من موقفه وصار لها محباً وصديقاً بعدما عرف حجم الجهود المبذولة فيها، لافتاً إلى أنه يدعو إلى شعار يتبناه الجميع: «كل محب للعربية مدقق لغوي لها».
د. نزار بني المرجة أشار في مداخلة له إلى ضرورة الحرص على «المصطلح البسيط» وعلى مراعاة عنصر التشويق في العمليات الفنية والإخراجية في طباعة المناهج، مبدياً استغرابه أن يقتصر عمل لجان التمكين وفي اجتماعات مطولة تذهب فقط إلى تسميات المحال والمنشآت بالعربية، لافتاً إلى أن الأجدى أن يكون عمل لجان التمكين أكبر وأوسع.
 
بسمارك والحارة
د. سليم بركات فرّق بين «التعصب» للعربية و«الحرص» عليها، متسائلاً عن مكانة العربية في العالم، وهل هي في طور الانحسار أم التقدم، وما مدى استيعابها للعصر، وأيهما أكثر رواجاً في العالم العربي الإنكليزية أم العربية، وما مدى خطورة العامية على الفصحى وأيهما أكثر رواجاً ضمن الحقل التربوي ذاته، ولماذا كل هذا التعصّب من مجمع اللغة إن كانت المخترعات أجنبية وتسمى بأسماء أصحابها.
وشدد د. بركات على الدور الكبير لوزارة التربية، مستعيداً مقولة لـ«بسمارك» أيام كانت ألمانيا موزعة على أكثر من 200مقاطعة يقول فيها: «اعطوني وزارة التربية أوحّد لكم ألمانيا» وكان له ما أراد وبرّ بوعده، ولفت د. بركات متندراً على الواقع العربي، «لو قيّض لي أن أتولى شؤون وزارة التربية في أي دولة عربية لتعذّر عليّ توحيد حارة واحدة».
 
الثقة بالنفس والحاسوب
د. ميساء أبو شنب الموجهة الأولى في وزارة التربية أشارت إلى أن الوزارة في مناهجها عملت على تلافي العديد من الملاحظات منها تساؤلات عن عدم قدرة الطالب السوري في المناقشة والحوار كما نظيره اللبناني مثلاً، فجاءت المناهج لتستدرك هذا الخلل وتعزز من التشاركية والثقة بالنفس، وأشارت أبو شنب إلى أن الأخطاء في الضبط والشكل الموجودة في المناهج سببها برامج الحاسوب.
 
جدار الخوف.. والسقف
وشدد صبحي سعيد صاحب برنامج «اقرأ» على الفضائية السورية على أهمية العربية التي يرى أن العرب لو أعطوها حقها لكانوا في مقدمة الأمم، لافتاً إلى أن الجميع مقصّر بحق اللغة، وأن لا تطبيق يعوّل عليه للمناهج دون الوصول إلى عشق العربية، داعياً إلى تطبيق الفصحى من الابتدائية، وتجاوز جدار الخوف من اللغة.
مصطفى حسون لفت إلى أن المعايير مُثُل وكلما انخفض سقفها انخفض سقف الأداء في التعلم، لافتاً إلى أن المناهج لا تتعامل مع الحالات الخاصة أو الطارئة في المجتمع- وإن راعت الفروق- ولا تتعامل مع الحالات المرضية، بل تتجه نحو الأفضل، مشيراً إلى أن الفضاء المفتوح أثر في اللغة وأنّ المحيط يلعب دوراً تكاملياً مع الوزارة لكنه غالباً يؤثر سلباً.
 
«بصم» و«دريئة»
د. فرح مطلق وفي معرض رده على المداخلات أشار إلى أن وزارة التربية أصبحت ما يشبه «دريئة»، مشدداً على احترام البلاغة وضرورة المهارات والدراسة الأسلوبية في التعلم، وليس في «حفظ البصم»، مستعيداً هنا ردّاً للراحل سعيد الأفغاني عندما قال له أحد طلابه من باب التباهي: «لقد حفظت كتابك بصماً كاملاً يا أستاذ» ليرد أفغاني بالقول: «شكراً لك أيها الطالب لقد ازدادت نسخ كتابي نسخة إضافية».
 
الكل يخطّئ الكل.. و«الواو»
د. ممدوح خسارة وفي تعليقه على المداخلات لم يرق له شعار «كل محب للعربية مدقق لغوي لها» مشيراً إلى أننا إن فعلنا ذلك فإن الكل سوف يختلف مع الكل ويخطّئ الكل الكل ولن نصل إلى نتائج، داعياً إلى ترك التدقيق اللغوي لأهل الاختصاص، مؤكداً أن التدقيق في تعريب المخترعات ليس تعصباً وأنّ المجمع يعرب المصطلحات والكلمات وليس الأسماء والأعلام «لا نعرّب جورج إلى فلاح»، لافتاً إلى أن المجمع حريص على الانفتاح، مؤكداً أن التقدم العربي لن يكون باللغة وحدها، وأن الأمل بالعلماء والأطباء والمهندسين، مستغرباً المداخلة التي قالت إن الحاسوب هو سبب الأخطاء: «هل يغيّر الحاسوب» «الوجدانيات» (بكسر الواو)، إلى الوجدانيات (بضم الواو)؟!
 
دفاع.. واقتلاع
وفي معرض ردّه على مداخلات استعاد د. الصالح ما رأى أنه يمثل أطروحة مركزية في النقد منذ أيام أرسطو هي أن مهمة الفن لا تكمن في قول ما هو كائن، بل فيما ينبغي أن يكون، كما وصف نفسه بالقول: «أنا دفّاع ضرائب دائماً لاختياري الجهر بالحقيقة لا نصفها»، مشيراً إلى أن الدفاع عن اللغة لا يعني تعصباً لها، رغم أن التعصب واجب هنا، بقدر ما يعني طموحاً إلى تثبيت أسّ مركزيّ من ركائز الذات الوطنية والقومية، أي اللغة، وبقدر الانفتاح على المختلف لغوياً وحضارياً من دون أن يقوى هذا المختلف على اقتلاع ذلك الأس، أو الجذر، أو جعله هامشاً بدلاً من أن يكون متناً.

 

الوطن