|

جمعيات هجينة مخالفة للدستور والقانون والانتماء الوطني
أ. عبد اللطيف فاخوري
أتى حين من الدهر كان السلف الصالح يغار على لغته، فعندما مرض الإمام الشافعي زاره أحد عواده ودعا له قائلاً: قوّى الله ضعفك يا إمام، فضحك الإمام وقال له: أتدعو الله أن يزيدني ضعفاً؟ أدع الله أن يقوّي عافيتي لا ضعفي.
ذهب رجل الى سليمان بن عبد الملك وقال له اصلح الله الامير ان (ابينا) قد هلك. فوثب (اخانا) واخذ مالنا. فقال سليمان: لا رحم الله اباك ولا اخاك ولا مالك وطلب السوط ليجلده فقد اخطأ حيث قال (أبينا) والصواب ابانا وقال (اخانا) والصواب اخونا.
قرأ البيارتة على جدران مدينتهم سنة 1883 القصيدة المنسوبة للشيخ ابرهيم اليازجي ومطلعها:
تنبهوا واستفيقوا ايها العرب/ فقد طمى الخطب حتى غاصت الركبُ
ولم يتبينوا في حينه من هو هذا الشيخ الذي يدعو العرب الى التنبه ونبذ التعصب والتنابذ والى اليقظة بعد طول سبات. وما قومه الا العرب الذين هويتهم في لغتهم العربية. وقد اقيم سنة 1924 اول طريق الكبوشية (حيث حديقة عمر الأنسي حالياً) تمثال نصفي للشيخ ابرهيم اليازجي (نقل فيما بعد الى ساحة الاونيسكو). وعندما جاء احمد زكي باشا الى بيروت سنة 1926 وضع اكليلا على التمثال كتب عليه "الى اكبر خادم للغة العربية من اصغر خادم لقومه احمد زكي باشا". وقال عنه مصطفى لطفي المنفلوطي "هو اكبر عالم لغوي في العصر الحاضر وهو فخر سوريا خاصة والعرب عامة". ولا يزال العرب يطبعون ويقرأون بالحرف الذي اخترعه الشيخ ابرهيم اليازجي سنة 1886.
وقد اصبحت العربية ايام نهضة العرب لغة عالمية للمعرفة مكّنتها خصوبتها وسعة اشتقاقاتها من التعبير عن نظريات ارسطو الفلسفية وآراء جالينوس الطبية وقواعد بطليموس الفلكية، وبها نظم الشعر ونودي للآذان وتليت بها الصلوات في المساجد والتراتيل والأبانا في الكنائس.
وكان حفظ اللغة العربية هو الاساس الذي قامت عليه الجمعيات والمنظمات التي نشأت أواخر الدولة العثمانية والتي حركت الثورات وطالبت بالتحرر والاستقلال.
واعتبرت اللغة العربية ملاذا للمفكرين يحتمون بها ويلجأون اليها لحفظ كيانهم وتأكيد هويتهم واستمرار دورهم الانساني. وقد تألفت في بيروت سنة 1936 جمعية دعت الى تعزيز اللغة العربية في الوقت الذي كانت فيه الرطانة قد غلبت على لغة بعض اللبنانيين.
وعندما جاء البابا يوحنا بولس الى لبنان وسمع الشباب يحيونه بالفرنسية قال لهم: تكلموا بالعربية.
ولن نقف عند شيوع العامية والمسميات الاجنبية في الاعلانات وفي برامج التلفزيون والاذاعة ولافتات المحلات التجارية التي تلجأ الى استعمال العامية التي تكلم بها العامة وكذلك الشركات الاجنبية التي تكتب اسماءها اللاتينية بأحرف عربية. الا ان الأمر وصل الى الادارات الرسمية للدولة التي تشرّع التعدي على اللغة وتغض الطرف عن مخالفة جمعيات المجتمع المدني للدستور والقانون والانتماء الوطني. فمن المتفق عليه ان للجمعيات وظائف عدة اجتماعية واقتصادية وسياسية، الا ان لها ايضا وظيفة اساسية ايديولوجية هي المحافظة على الهوية وتعزيز الانتماء الوطني ولا يتم ذلك الا بالحفاظ على العربية شكلاً ومضموناً.
اقول ان السبب الذي دفعني الى كتابة هذا المقال ما ينشر في الجريدة الرسمية منذ زمن من بيانات "علم وخبر" تُعطى لجمعيات اسماؤها مخالفة للدستور والقانون وللانتماء الوطني. فقد ورد في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني المعدل بعد اتفاق الطائف بأن "لبنان عربي الهوية والانتماء..." فيما كان يقال قبل ذلك بأن لبنان "ذو وجه عربي" لا "وجهين". وقد نصت المادة الحادية عشرة من الدستور المعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 9 تشرين الثاني سنة 1943 على ان "اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية اما اللغة الافرنسية فتحدد الأحوال التي تستعمل فيها بموجب قانون" وذلك قبل شيوع الانكليزية المتأمركة وتراجع الفرنسية التي بقيت صامدة في الصالونات وبين "الطانطات".
فمن العودة الى بعض اعداد الجريدة الرسمية التي تنشر بيانات العلم والخبر التي تعطى للجمعيات نعجب كيف أن وزارة الداخلية رضيت بأن تأخذ العلم والخبر من جمعيات تحمل أسماء ومسميات بلغة أجنبية فرنسية وانكليزية فقط، وإن تكرم المؤسسون على العربية كتبوا اسم جمعيتهم بنصه اللاتيني ولكن بأحرف عربية. فعلى سبيل المثال يعلمنا العدد 2013/38 من الجريدة الرسمية إعطاء علم وخبر رقم 1476 لجمعية تهدف الى تأهيل الشباب وجعل مساحة مفتوحة بين لبنان والعالم ونشر معلومات حول الشباب في الشرق الأوسط؟ وقد جاء اسم الجمعية بالأحرف العربية "زي لافينت انترشيب سانتر" وبالانكليزية The Levant Intership Center فما ضرّ المؤسسين لو وضعوا بالعربية عنواناً بمعنى اسم الجمعية؟ ونقرأ في العدد نفسه عن العلم والخبر رقم 1485 بتأسيس جمعية بإسم "وان ليبانون" One Lebanon وغايتها التوعية وأهمية العيش المشترك والوحدة الوطنية إلخ. ومن يعرف الإنكليزية يقول لمن لا يعرفها أن إسم الجمعية يعني "لبنان الواحد". ألم يكن من الأجمل والأفضل من الجمعية التي تريد توعية الناس ان تعرفهم بأن اسم الجمعية هو جزء من الشعار الذي رفعه الرئيس الراحل صائب سلام: "لبنان واحد لا لبنانان"، فما ضرّ الانتماء لو تصدر هذا الجزء اسم الجمعية؟! علماً بأن الجمعية لبنانية وهي موجهة للشباب اللبناني لا لشباب بلاد الانكليز وما تبعها من دول الكومنولث.
ونقرأ في العدد 2013/41 العلم والخبر رقم 1638 بتأسيس جمعية باسم Feminin Pluriel بهدف جمع شمل السيدات العاملات والدفاع عن حقوق المرأة ومكانتها. ولا ندري ما إذا كانت الجمعية موجهة الى نساء فرنسا مع أن المرأة العاملة في بعض قرى عكار والبقاع والجنوب قد لا تدرك فلسفة اختيار هذا الاسم بالفرنسية، ولا تؤمن بأن الحقوق التي تطالب بها والأهداف التي تسعى اليها سوف تتحقق من هذا الخيار؟
ونقرأ في العدد 2013/45 بيان علم وخبر رقم 1812 بتأسيس جمعية اسمها بالعربية "جمعية ببلز" وبالانكليزية "BUBBLES" بهدف المحافظة على البيئة البحرية. واعترف بأنني وقفت عند لفظة "ببلز" وقلت في نفسي لعلها عثمانية أو فرنسية مشوهة أو عربية مصحّفة فذهبت الى "القاموس المحيط والقاموس الوسيط فيما ذهب من كلام العرب شماطيط" المعروف بالقاموس للفيروزأبادي، ورحت الى لسان العرب لإبن منظور وبعده الى تاج العروس من جواهر القاموس لمحمد مرتضى الزبيدي وأخيراً الى معجم عبدالله العلايلي، ومحيط المحيط للمعلم بطرس البستاني فلم أعثر على معنى لتلك اللفظة. واعترف بأنني وجدت ضالتي في قاموس المورد لمنير بعلبكي، ففيه ان لكلمة BUBBLE معاني عدة منها (1) فقّاعة في سائل أو في جسم (2) مشروع وهمي (3) بقبقة وخرير. ولا أدري أي معنى أراده المؤسسون.
أما العلم والخبر رقم 2013/613 فهو لجمعية بإسم "فيرن انترناشونال" Fern International للمساهمة في حماية البيئة وخلق فرص عمل. وفيرن بالانكليزية تعني نبات السرخس وهو الذي تعرفه العامة بالمنشار، و"أغصان هذا النبات كأنها جناح وهو يُفرح ويزيل الأبخرة السوداوية ويحل الخفقان العسر ويخرج من البطن أنواع الديدان" كما جاء في تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب للطبيب داود الأنطاكي.
فحبذا لو يشرح لنا أحد علاقة السرخس بفرص العمل؟
بعد هذا الحَوَل في أسماء الجمعيات، ليس عجيباً أن يرسب عدد كبير من الطلاب (فاق الاربعين ألفاً) في مسابقة اللغة العربية في الدورة الاولى للشهادة المتوسطة (البريفيه) لسنة 2013.
وقد عمّت ظاهرة الحَوَل أفراد المجتمع المشغول بالابراج وعبادة الشيطان وبما يكفّر وما لا يكفّر، فانتشرت السيمياء بدل الكيمياء والميتافيزيا بعد الفيزياء والعطارة بدل الصيدلة وانتشر الشعر الحلمنتيشي والخنفشاري وأصبحت المدارس والجامعات معامل لتفريخ المتفرنسين والمتأنكلزين والمتأمركين وعن قريب للمتصيّنين.
إن مواجهة تحديات العولمة تفرض اتقاناً تاماً للغات الثلاث العربية والإنكليزية والفرنسية وقريباً الصينية والحفاظ على الهوية اللغوية هي مسؤولية وطنية تخص وزارة الثقافة والتربية واتحاد الكتاب والعاملين في حقل الأدب.
النهار
|
|
|
|