كتبنا (كتاباً وباحثين متخصصين) عن الضعف اللغوي بوجه عام وعند الطلاب والطالبات وبعض المدرسين بوجه خاص، واجتهدنا في اقتفاء اسباب هذا الضعف وعلاجه. وكتبنا عن تراجع العربية الفصيحة في جل الاذاعات والتلفازات العربية امام هذا المد او الزحف او الغزو العامي بجميع لهجاته المفهوم منها وغير المفهوم، ونبهنا الى الاخطاء النحوية والمعجمية والاسلوبية التي يقع فيها المذيعون والمذيعات والمراسلون والمراسلات والمترجمون والمترجمات لهذه القنوات الإعلامية، والى اللغة الركيكة التي يتحدث بها معظم ضيوف هذه الاذاعات والفضائيات من محاورين ومحاورات ومحللين سياسيين واقتصاديين او غيرهم.
وكتبنا عن مزاحمة الانجليزية او الفرنسية للغة العربية في اسماء المحلات التجارية، والقرى والاماكن السياحية، والابراج التجارية والسكنية، وكذلك في اسماء البرامج الاذاعية والتلفازية. وكتبنا عن اتخاذ بعض المؤتمرات والمنتديات (منتدى جدة الاقتصادي مثلاً) اللغة الانجليزية لغة رسمية لها على الرغم من انعقاد هذه المنتديات في منبت العربية وموطنها، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت الى هذه المنتديات باتخاذها الانجليزية لغتها الرسمية. وكتبنا عن لغة الاغاني الهابطة بمفرداتها واساليبها وتراكيبها وما يخلفه هذا من اثر سيئ على الذائقة اللغوية للانسان العربي. كتبنا في هذا كله، وقلنا ان هذا عقوق للغة العربية وحشر لها في زاوية يصعب حتى تنفسها فيها. وهذا العقوق، في وجهه الآخر، عقوق لأهل هذه اللغة ولثقافتها، وقلنا وقال غيرنا ان هذا الواقع اللغوي المتردي، ان لم يعالج ويمنع استفحاله، سيصبح خطوة في طريق تشوه بل انطماس الهوية العربية.
ولهذا نتساءل بمرارة، لماذا هذا الموقف غير المبالي باللغة العربية؟! لماذا اتخاذها وراءنا ظهرياً؟! لماذا التنكر لها والاستخفاف بها في كثير من المواقف والمجالات وبخاصة المجالات التي يفترض حضورها فيها؟! تساؤلات مريرة نوجهها اولاً الى كل انسان عربي، ثم الى كل من نحسب انهم المسؤولون عن هذه الحالة التي عليها اللغة العربية اليوم، وهم الجامعة العربية ممثلة في منظمتها للتربية والثقافة والعلوم، ووزراء التربية والتعليم، ووزراء الثقافة والإعلام، والمجامع اللغوية، وجمعيات اللغة العربية، والى جانبهم المسؤولون عن الاذاعات والتلفازات. ان على هؤلاء جميعاً ان يمارسوا مالهم من سلطة، وما عليهم من مسؤوليات وواجبات في سبيل اعزاز وتعزيز اللغة العربية. عليهم، في حدود الامكانات المتاحة لهم والواجبات المنوطة بهم، ان يخططوا لحملة تفصيح وتعريب في كل المجالات التي تستدعي ذلك.
إن اللغة العربية هي الملمح الاقوى لهوية الامة العربية، وبقدر ما يتوفر لهذا الملمح من قوة وحضور، يكون قدر اسهامه في حضور هذه الامة وثقافتها وحضارتها، وبقدر ما يحصل له من ضعف وبهت يكون قدر اسهامه في تراجع الامة وضعفها وربما انكساراتها. اننا نسمع ونقرأ عن انحسار الزمن العربي، بل ان بعضهم يتحدث عن «انقراض العرب». وبصرف النظر عن دوافع القول بهذا الانحسار او الانقراض، إلا ان ضعفنا اللغوي، والحضور الضعيف للغة العربية في حياتنا وبخاصة الثقافية والإعلامية، هما مما دفع الى ذلك القول.
ولن اقف بتساؤلاتي المريرة تلك عند حدود التعميم، وانما سأشير بالتخصيص الى وضع اللغة العربية هنا، في المملكة العربية السعودية: سائلاً وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي عما فعلتاه لمعالجة الضعف اللغوي عند الطلاب والطالبات، وسائلاً وزارة الثقافة والإعلام عن خطتها لمنع المد العامي من ان يتسرب الى الاذاعة والتلفاز، ولمنع الخطأ اللغوي، بكل انواعه، من ان يجري على ألسنة المذيعين والمذيعات، فقد بدأنا نلاحظ عليهم شيئاً من هذا وذاك. ان الاذاعة والتلفاز يعدان معملاً او معهداً لتعليم اللغة، فلماذا لا نتخذها معملاً ومعهداً لتعليم وتعلم العربية الفصيحة بدلاً من العامية؟! ان على المذيعات والمذيعين، من هذا المنطلق وغيره، التزام التحدث بالعربية الفصيحة في البرامج التي تتطلب هذا، أما في البرامج الحوارية الشعبية فلا بأس، في تقديري، ان يتحدثوا بالعربية الفصيحة الميسرة في تراكيبها ونحوها حتى يفهمهم غير المتعلم ومتوسط التعليم. ومع أن المفروض أن يكون المذيعون والمذيعات مجيدين للغة العربية ومتمكنين منها، إلا ان على من لم تتوفر فيهم هذه الاجادة ان يتلقوا دروساً في اللغة العربية يطورون بها مهاراتهم اللغوية، وعلى المؤسسات الإعلامية التي يعملون بها ان تهيئ لهم ذلك وتمكنهم منه. والى جانب واجب التزام المذيعين والمذيعات بالتحدث بالعربية الفصيحة، عليهم الايعاز الى ضيوفهم العرب ان يلتزموا بالتحدث بها او بالعربية الفصيحة الميسرة في الاقل حتى يفهمهم المستمعون والمشاهدون. اقول هذا لأننا لا نستوعب ما يقوله بعض المتحدثين اما لركاكة لغته واما لعاميتها، واكثر ما يكون التزام الضيوف بالتحدث بالعربية الفصيحة مطلباً ملحاً هو عندما يكون هؤلاء على هرم السلطة والمسؤولية، ذلك لأن من ضمن مسؤوليات رئيس الدولة الحفاظ على لغة بلده ولهذا ليس مقبولاً ان يتحدث بلغة عامية. ثم بعد هذا سائلاً وزارة التجارة والصناعة، ووزارة الشؤون البلدية والقروية عن دورهما في الحفاظ على الالتزام بالعربية الفصيحة في اسماء المحلات والمشروعات التجارية والاعلانات، فقد غُزينا بالاسماء الاجنبية لهذه المحلات والمشروعات مع ان هناك قانوناً يمنع هذا، لكن خرق هذا القانون اضحى صريحاً وواضحاً فلماذا؟! وأخيراً، سائلاً الجمعية العلمية السعودية للغة العربية عن موقفها من هذا الواقع غير السار للغة العربية، وهل عملت، وقد مضى على تأسيسها أكثر من اربع سنوات شيئاً في سبيل اصلاح هذا الواقع؟ او هل في نيتها ان تعمل شيئاً؟ كثيرة هي الخدمات التي يمكن ان تقدمها الجمعية للغة العربية، لكن من اجل هذه الخدمات، في تقديري، هي ان تشتغل الجمعية بما يساهم في معالجة هذا الواقع، وبما يدفع الى ممارسة اللغة العربية الفصيحة ويشجع على هذه الممارسة في أوسع المجالات والمظان. ثم اني اقترح على الجمعية ان تدرس فكرة «اسبوع اللغة العربية» في حياتنا العامة، فإذا اقتنعت بها وبجدواها بادرت اليها وتبنتها وطرحتها مصحوبة بكيفية تفعيلها وبتهيئة عوامل وامكانات انجاحها.