المؤتمر الدولي للغة العربية في دبي

د. يعقوب أحمد الشراح

كان لي شرف حضور المؤتمر الدولي للغة العربية والذي انعقد في الفترة (7-10) من شهر مايو برعاية سمو الشيخ محمد بن راشد، وبمشاركة 1000 مشارك، وأكثر من 500 متحدث تحدثوا في مختلف جوانب اللغة العربية ومشكلاتها في العالم العربي. ولقد تميز هذا المؤتمر عن غيره من المؤتمرات التقليدية أن سمو الشيخ محمد بن راشد لم يكن فقط راعياً للحفل، وإنما كان أيضاً حريصاً على فعل كل شيء يصب في حماية اللغة العربية ونشرها والاهتمام بها.. فبرغم انشغاله ومتابعته الشخصية لأمور الدولة لم تشغله القضايا العامة عن الاهتمام بتفاصيل حياة الدولة مما يجعل المرء يتساءل كيف لرجل يتسع نشاطه ليشمل زوايا عديدة يدرك في الوقت نفسه أهمية متابعة التفاصيل التي تحدث نقلة نوعية في حياة الناس والدولة؟. ثم كيف يتسع الاهتمام ليتجاوز نطاق الشأن العام والسياسات العامة للدولة فيخوض الحاكم في ميادين الثقافة واللغة والبيئة والمرأة وغيرها؟

إن العناية باللغة العربية ينبغي إلا أن تكون مشروعاً أو فكراً جديداً، وإنما مكون أساسي لضمير الأمة وأخلاقها، وبالتالي، لا يتوجب لحماية اللغة أن تعتمد على وضع السياسات أو الخطط فقط، وإنما كذلك يجب أن تترجم هذه الحماية في مسؤوليات كل فرد وواجبه الوطني والديني نحو لغته. أما الحكومات فعليها مسؤوليات جسيمة، خصوصاً سن التشريعات وخلق الوعي والتركيز على المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية وغيرها، وتفعيل دورها تجاه حماية اللغة وتطويرها..

أزمة اللغة العربية ليست في ذاتها، وإنما في إهمال أهلها لها، ومحاربتهم للعمل في مجال تنميتها ونشرها واستخدامها على الوجه الصحيح. فكيف يكون ذلك واللغة العربية هي لغة أكثر من 300 مليون عربي، فضلاً عن المسلمين وغيرهم ممن يتحدثون بها؟ ولماذا لا تأخذ الصدارة والريادة في عالم اللغات بينما تؤكد الدراسات العالمية عن اللغات أن العربية منافسة شرسة لعوامل الاندثار اللغوي بفعل الزمن والإهمال أو شدة تأثيرات اللغات الأخرى، وأنها بطبيعتها لا تقل قوة عن قوة اللغات الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والتي تستمد أصولها من اللاتينية وليس الدين...

نعم أزمة اللغة في أهلها الذين، مع الأسف، لا يهمهم لغتهم بقدر ما يهتمون بما يفعله الآخرون تجاه تنمية لغاتهم استناداً على الاعتقاد بأن اللغات الأجنبية أكثر إقبالاً عليها، فلا غرابة أن ينبهر بعضنا بهذه اللغات فيجعلها تحل محل لغته في كلامه وتخاطبه وتواصله مع الآخرين، ولا ضرر لديه حتى لو خلط في استخدامه لعربيته الركيكة والإنجليزية الضعيفة مخاطبة الآخرين بلغة هجينة من أجل أن يظهر أنه ملم باللغة الأجنبية وبالثقافة الوافدة، وشعوره بأن إظهاره لفهم اللغة الأجنبية يمثل في رأيه عنصر قوة ذاتية، بينما واقعه يعكس أنه لا يتمتع بأي شيء من ذلك...

نقول حماية اللغة العربية مسؤولية حكومية قبل أن تكون مسؤولية كل فرد أو مؤسسة. ومن موجبات هذه الحماية أن تتوفر أدواتها وقوانينها ما دامت هي لغة القرآن واللغة الرسمية في البلاد، فوجود هيئة مستقلة لها شخصية اعتبارية تحمي اللغة وتقوم بنشاطات في مجال حماية تنمية اللغة عمل وطني تقوم به غالبية دول العالم التي لديها أنظمة وتشريعات تحمي لغاتها من العبث والإهمال... فالكارثة أن تحل محل اللغة الوطنية لغة أجنبية يتعلم بها أبناء الوطن من دون اعتبار للغتهم وهويتهم، بل ووجودهم... لقد كان المؤتمر الدولي للغة العربية في دبي أبلغ الأثر ليس في دق ناقوس الخطر فقط، وإنما أيضاً الدعوة لتضافر الجهود العربية في ميدان مكافحة العلل التي تعاني منها اللغة، وسرعة اتخاذ الإجراءات الضرورية لتلافي تدهورها.

الراي