خواطر في صحيفة قديمة

د. زيد حمزة

قبل خمسة وستين عاماً كان عندنا مجلة اسبوعية قوية اسمها ( الميثاق) وكان رئيس تحريرها الاستاذ شفيق ارشيدات، وقد ارسل لي صديق قبل أيام صورة عن بعض صفحات من العدد 3 /السنة الأولى / السبت 23 تموز 1949 ( الثمن 25 ملاًّ) وفيها إجابة على (خواطر السيد زيد محمد حمزه ورأيه في ضعف مستوى طلابنا في اللغة الانجليزية..) وكانت تلك كما يبدو من اوائل (حركشاتي) الصحفية وكنت عائداً من القاهرة أثناء العطلة الصيفية بعد أن انهيت دراسة الصف التوجيهي حيث كانت مدارسنا الثانوية الاربع في عمان والسلط والكرك واربد غير مكتملة ! ومن الطريف ان في نفس الصفحة بقية من مقال يهاجم فيه مريود مصطفى التل ما كتبه في العدد السابق رزق البطاينة العائد من الدراسة في بغداد.. عن شارع أبي نواس!
لا أدري لماذا كان اهتمامي يومذاك بضعف اللغة الانجليزية دون سواها من مواد تلك المرحلة الدراسية كالكيمياء والاحياء والطبيعات مقارنة بمستواها في مصر، وبالطبع لم يخطر ببالي يومئذ قط أن المشكلة التي تحدثت عنها تهون كثيراً أمام ما كنا مقدمين عليه في لاحق الايام والسنين والعقود من ضعف في اللغة العربية نفسها وليس في اللغة الاجنبية ! وأن هذا الضعف المخجل قد تفاقم الى الحد الذي جعل وزير التربية والتعليم الحالي يعلن مؤخرا أن 20% من تلاميذنا في الصفوف الابتدائية الثلاثة الاولى لا يقرؤون ولا يكتبون اي أميون ! ولم يتحدث عن عجزهم حين يصلون الصفوف الثانوية ويلتحقون بجامعاتنا وهم لا يجيدون كتابة سطور قليلة بالعربية من دون اخطاء فاضحة في الاملاء ناهيك عن القواعد، اما الخط فلا يعرف من يراه لأي لغة تنتمي اشكال حروفه الغريبة ! وبعد ان يتخرجوا ويدخلوا معترك الحياة نرى بعضهم مسؤولين يقفون وراء المذياع خطباء أو متحدثين أو نراهم كتابا في الصحافة فيخيب رجاؤنا لاننا لا نستطيع أن نتخيل وراء كل واحد منهم مصححاً لغوياً ينقذه وينقذنا من الاخطاء التي يقع فيها سواء في اللفظ أو قواعد اللغة ناهيك عن ركاكة العبارات !
الى هنا ربما لا جديد فيما قلت لكن الجديد القديم هو ان انتقاد التعليم عموماً في مدارسنا ثم لاحقا في جامعاتنا ما انفكّ يصدر عن مهتمين من آباء وأمهات أو عن معلمين وتربويين سابقين وهم يتحدثون بمرارة عن خبراتهم المتمثلة فيما شهدوه من انحدار مستوى التعليم مقابل التوسع الكمي الكبير سواء أكان تلبية لحاجة حقيقية أو ترضيةً أو تفاخراً وفي بعض الاحيان يتحول هذا الانتقاد الى هبات غاضبة تحاول الحكومة ان تهدئها بتشكيل لجان متخصصة تدرس الأمر بكل أبعاده وتقدم توصيات عملية واقعية تنتهي منسية في ملفاتها خصوصاً بعد أن يتغير المسؤول !
ومع أني لا اريد أن أخرج عن الموضوع الذي أقصده تحديداً وهو اللغة العربية فأني في نفس الوقت غير راغب في العودة لما كتبت في مناسبات سابقة حيث قسوت على عجز مجامع اللغة العربية التي هرمت ربما دون ان (تعي) ذلك ! وحيث ماتت في مهدها اكبر خطة عشرية لتعريب التعليم الطبي في جامعاتنا اقرها في دمشق في كانون الاول من عام 1988 مجلسا وزراء الصحة العرب ووزراء التعليم العالي العرب في الجامعة العربية بالتعاون البحثي مع منظمة الصحة العالمية، وعقب على هذه النتيجة بعد ذلك بعدة سنوات استاذنا الدكتور ناصر الدين الأسد بقوله: إننا مهزومون ! وقلت في نفسي: لكننا غير مستسلمين.
وبعد.. فأننا نعرف مشكلتنا كما نعرف الحل لكننا نجتر أسانا ونحن نراوح مكاننا كأنما هناك قوى خفية لا تفتأ تحبط مساعينا !

الرأي