|
اللغة العربية وإعلامنا العربي
الصديق بوعلام
إعلامنا العربي يقوم بعكس ما ينبغي أن يقوم به من دوربناء فيما يتعلق باللغة العربية،حيث تكاثرت معاول الهدم وتكالبت وحوش تمزيق لغة الضاد في مختلف القنوات والإذاعات،عن عمد وهوالغالب،أو جهلا وهو النادر، وتبقى جماعات الضغط تغري هؤلاء وأولئك، وترهب أولئك وهؤلاء. فضاع الإعلام في السفاسف، ومعه تضيع اللغة والقيم.
في هذا الحوارالقصيرمع الدكتورفؤاد بوعلي مناقشة لهذاالوضع المزري الذي أراده خصوم العربية للإعلام وللغة معا.
ـ لماذا هذه الجفوة بين الإعلام العربي واللغة العربية؟
يلعب الإعلام عموما دورا رئيسا في تأطيرالمواطنين وتوجيه الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية للوطن، وقد برزت أهميته خصوصا بعد أحداث الربيع العربي التي أبانت عن قدرة السلطة الرابعة على تغييرالأفكاروالمواقف بل وتغييرالأنظمة أحيانا. لهذا يراهن الجميع على الإعلام من أجل تمريرخطاباته وبناء صورته ولوكانت قزمية أحيانا. لكن في المقابل فالإعلام ليس إلاصورة مصغرة من الواقع المعيش للمجتمع بكل تجلياته وتمثلاته. فمنذ مدة طويلة والحرب على العربية مشتعل أوارها في الفن والمسرح والحياة العامة باسم التلهيج أوالانفتاح أوغيرذلك من العناوين، لذا لامناص من أن نجد وسائل الإعلام تتمثل الأزمة من خلال الحرب على العربية وكما قال فهمي هويدي أن العدوان على اللغة وابتذالها أصبحا ظاهرة عامة في وسائل الإعلام، بتأثيرها الهائل على عوائد الناس وسلوكياتهم. إذن فالجفوة هي تمثل للحرب على العربية من خلال الإعلام ووسائل الاتصال المختلفة ومحاولة صناعة وعي مضاد للقيم الوطنية وثوابت الهوية الحضارية للشعوب العربية.
ـ ما دوراستقلالية الإعلام في الحفاظ على سلامة اللغة العربية والنهوض بها؟
ينبغي أولا تحديد المقصود بالاستقلالية في هذا المجال: هل الاستقلالية عن الدولة؟ أم عن الأحزاب أم عن لوبيات الضغط؟ فالمعلوم أن الدولة لما تخلت عن الإعلام باسم الاستقلالية عوضتها لوبيات الضغط الاقتصادي والسياسي والثقافي. وفي هذا الإطارتخضع اللغة لمنطق تجاذب المصالح المادية والاجتماعية. لذا سنجد أن خضوع النخبة المغربية للهيمنة الفرنسية في الاقتصاد والفكروالشأن العام انعكس على مواقفها من اللغة العربية وقضايا الهوية إجمالا. فتشجيعها للانحلال وحربها على القيم في برامج التلفزيون باسم الانفتاح والحداثة يوازيه حرب على العربية وعلى استعمالاتها. لذا فاستقلالية الاعلام ينبغي أن تؤخذ بنسبية وحذر. فإن أخذنا الاستقلالية بمفهوم الابتعاد عن كل الضغوط وممارسة الرسالة الإعلامية بكل حرية ومسؤولية فإن أولى درجات هذا المسارهو التعبيرعن عمق الانتماء الحضاري للأمة واللغة العربية في محوره. آنئذ يمكن للإعلام المساهمة بفعالية ليس فقط في نقل الخبر وتحليله وإنما في الارتقاء بالذوق العام وتطويراللغة العربية حتى تغدولغة معاصرة ومتداولة ومعبرة عن هموم الوطن والمواطن. ويكفي أن نمثل بالقنوات الإخبارية العربية التي تستعمل لغة عربية مبسطة تؤثرفي المتلقي وتصنع المخيال الجماعي للجمهور.
ـ كيف يمكن أن يخدم إعلام رشيد قوي لغة الضاد؟
بالطبع عندما يكون الإعلام هادفا وحاملا لرسالة حضارية تتجاوزمجرد الإخباروالنقل إلى توجيه السلوك الحضاري للفرد يكون آنئذ قادرا على المساهمة في تطوير اللغة العربية والنهوض بها. وذلك من خلال:
إنشاء لغة عربية مبسطة محافظة على فصاحة اللغة وقريبة من المتلقي المعاصر.
المساهمة في تطويرالمعجم التداولي للغة العربية والتخفف من أثقال الغريب والمهجوروإمداد اللغة العربية بكثيرمن الألفاظ والعبارات والتراكيب الجديدة المولدة، وكثيرمنها مترجم عن اللسان الأجنبي.
تطويراللهجات المحلية والتقريب بينها وتفصيحها بالراقي من الاستعمالات.
هذه جملة من الإمكانيات المتاحة أمام الإعلام الهادف الذي يريد خدمة العربية وتطويرها.
ـ ما هي العوائق التي تحول دون ذلك في وقتنا الراهن؟
العراقيل كثيرة ومتعددة لعل أهمها حالة الوهن التي تعيشها الأمة وتنعكس على لغتها القومية، وعدم الاهتمام بجوهرية اللغة في الانتماء الحضاري، هذا بشكل عام، أما في الداخل الإعلامي فنجد الاهتمام بالدورالترفيهي والتنشيطي للرسالة الإعلامية إضافة إلى الخضوع لضغوط اللوبيات الاقتصادية التي تنتصرللعاميات واللغات الأجنبية والاستعمال المعيب للعربية. فالإعلانات التجارية التي تعرض بأسلوب فني فتان وبأحدث الوسائل التي تحقق جمال العرض وبراعته، ودبلجة «الخردة» الدرامية، والرهان على استعمال العامية دون غيرها في البرامج المنتجة، إضافة إلى الأخطاء الفادحة في المفردات، وفي الجمل والتراكيب والحواروالمناقشات والأخطاء في مخارج الحروف ونطق كلمات العربية بلكنة عامية أوأجنبية، كل هذا يساهم في تحجيم موقع العربية في الإعلام .
ـ كيف ساهم الإعلام الخصوصي بمحطاته الإذاعية وفضائياته المتنوعة في تردي واقع اللغة العربية؟
الإعلام الخصوصي كارثة حضارية بامتياز. فاللغة في الإعلام الخاص تتعرض يوميا لموجات من التشويه والتحريف، في شتى البرامج والأفلام حيث تخترق حرمة اللغة الخاصة التي يكونها كل إنسان لنفسه وتتكون فيه من خلال عائلته وبيئته ووطنه. ففي غياب ضبط قانوني يحدد الاستعمال اللغوي في دفاترتحملات الإذاعات والقنوات الخاصة، يخضع الإعلام إلى توجهات الممولين في استبعاد العربية الفصحى والرهان على الاستعمال الدارج تحت مسميات تقريب المعلومة من المواطن، والواقع أنه تسطيح للوعي وتسفيه للمعرفة. لذا نلاحظ عدم وجود ضوابط وقواعد في استعمال اللغة العربية في المشهد السمعي البصري، وتوجه القائمين عليه إلى مسخ لغة التخاطب لدى المغاربة، والأدهى هودبلجة الأعمال الدرامية التافهة واستغلال اللهجة لتمريرالقيم المناقضة لهوية المغاربة مما يبرزالغاية الثاوية التي تتجلى في استهداف للدين والقيم، وتجريد المجتمع المغربي من القيم الإسلامية والقيم المستمدة من الحضارة الإسلامية، باعتبارأن اللغة هي أحد الروافد الأساسية لهذه الحضارة. لذا فالإعلام الخاص يعد أكبرخطريهدد اللغة العربية ومعها هوية الأمة لأنه إعلام غيرمنضبط ومن ثمة سهولة خضوعه للوبيات الضغط الاقتصادي والفكري. ويكفينا إطلالة على القنوات الخاصة لنلحظ حضورا قويا للفرنسية والعامية وغيابا مقصودا للعربية الفصحى. فرغم الوعي بالحاجة إلى أهمية تجديد الصيغ الإعلامية وجعلها متناسبة مع التطورالتقني المهول لوسائل الاتصال وتنوعها، فإن الوعي باللغة لايختلف عن الوعي بالحرية.
ـ ما هي العلاقة الرشيدة الممكنة بين الإعلام والتعليم باللغة العربية؟
للإعلام دوركبير في تعليم اللغة العربية فهو المجال الأقرب لنشرالتداول باللغة الفصحى التي تستعمل عادة في التلقين المدرسي والعلمي، لذا يمكن لوسائل الاتصال المختلفة أن تسهم في نشرالعربية والتواصل بها. ويكفينا الاستدلال ببعض القنوات الفضائية العربية للأطفال التي تستخدم الفصحى في برامجها ومدى التأثيرالذي تتركه على الناشئة. بمعنى أن استخدام العربية ونشرالتداول بها أمرممكن ومتاح لوكانت هناك إرادة موجهة وصادقة. والحقيقة أنه لاُيطلب من رجل الإعلام أن يتحدث إلى الجمهوربلغة سيبويه، بأن يبالغ في التقعروالتفاصح، وإنما أقصى ما يُطلب منه هواحترام قواعد اللغة والمعاييرالمنظمة لها، مما يضفي على أسلوبه مسحة من الأناقة والجمالية، وينأى به عن الإسفاف والرداءة والقصور، وعليه يجدربمن يتصدى لمهنة الإعلام أن يُحسن التقديرفي إبلاغ رسالته إلى الجمهوربحيث يوصل محتواها إلى المتلقي دون التجني على اللغة تطرفا أوقصورا. فالإعلام سلاح ذوحدين،فإن كان بالمستوى المطلوب لغة وأداء، أصبح مدرسة لتعليم اللغة، وهذا يعني أن وسائل الإعلام قادرة على تربية الملكات اللغوية ورعايتها وتنميتها مما ينعكس إيجابا على الإعلام نفسه، أما إذا تردى الإعلام إلى مستوى من الإسفاف، فإن ذلك نذيرشؤم على تحوله إلى مستنقع آسن، يوشك أن يطال المجتمع بأسره ولاتسلم اللغة من عواقبه المؤذية.
العَلم
|
|
|
|