|

الدورة 14 لجائزة البابطين تلقي الضوء على الإبداع الشعري عند أبى تمام الطائي
أ. عبد العزيز نصيب
خصصت الدورة الرابعة عشرة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، والمقامة مؤخرا في مدينة مراكش المغربية، لإبداع الشاعر العربي الكبير أبي تمام الطائي.. نقاد وأكاديميون عرب وضعوا السيرة والمسيرة تحت مجهر النقد.
وعقدت على مدى يومين أربع جلسات، تناولت الجلسة الأولى "اللغة وبنية الصورة الفنية" أدارها د.سعد البازعي وتحدث فيها د.عبد الله التطاوي الإستاد بجامعة القاهرة عن "اللغة في شعر أبي تمام" ود.عبد القادر الرباعي عن "بنية الصورة الفنية" ، استهل د. التطاوي ورقته بالتحدث عن تفرد أبي تمام بين شعراء العرب الكبار في القرن الثالث الهجري مما انتهي به لأن يظل الأستاذ الأكبر في مدرسة البديع العباسية ، وأشار إلى أنه يتصف بعمق قدراته على الإبداع الذي تجاوز به كثيرا مفاهيم البديهة والارتجال إلى ما وراء ذلك من صور الكد الذهني التي قطع فيها أشواطا لا تكاد تباري منذ تحويل مصطلحات العلم وأقيسة المنطق إلى فن، وبراعة الجمع بين الفكر والشعور، العقل والعاطفة، إلى جانب ما ازدحم به شعره من المصطلحات العلمية واللغوية، وكيف استطاع تطويع ذلك كله للتشكيل الجمالي. وأضاف: الشاعر يبدو متميزا بقدر تعمقه في أسرار اللغة وقدراته على الإفصاح عن ملكاته من واقع صلته بمفردات اللغة وتراكيبها وفنونها وينابيع أسرارها وإمكاناتها على الأداء والإيحاء، إلى جانب مكنون ثقافاته ووعيه بمعاجم علوم العصر ومصطلحاته، وهذا هو مصدر الرهان الحقيقي على تميز أستاذية أبي تمام وتجليات عبقريته ، وأشار التطاوي إلى كثافة المؤثرات الإسلامية في شعر أبي تمام من آيات القرآن الكريم، والقصص القرآني، والشعائر الدينية.. وختم ورقته مشيرا إلى أن أبي تمام أجبر القدماء والمحدثين على الوقوع في الحيرة في تصنيفه شاعرا وأديبا ومؤرخا وناقدا ولغويا ومفكرا بحكم ما شغل به نفسه في معترك التنظير والحرص على الصياغة الجمالية.
بدوره تحدث د. عبد القادر الرباعي عن الصور الفنية التي اتخذت أشكالا متنوعة، فهي لم تتخل عن التشبيه والاستعارة والحرص الشديد على التنوع في إغناء النص الشعري ، وأوضح أن غلبت الاستعارة على شعره أكسبته غموضا وتعقيدا وقف منه لأجلهما بعض نقاد عصره موقف الضد والنقيض ، وأشار إلى أن أهم ما يميز الصورة الفنية لديه: التشخيص بما في ذلك الجمادات والمعنويات، وأيضا تواؤم الأضداد المتنافرة.
أصول التجديد الفني في شعر أبي تمام
شارك في الجلسة الثانية د. فوزي عيسى أستاذ النقد بجامعة الاسكندرية بورقة عنوانها "أصول التجديد الفني في شعر أبي تمام " أما د. إبراهيم نادن فشارك بورقة بعنوان "شعر أبي تمام وأثره الفني " وأدارها د.سالم خداده. وقد استهل د. عيسى ورقته بالحديث عن أصول التجديد في شعر أبي تمام ، الذي اعتمد على روافد عدة، منها موهبته الشعرية الفذة وعبقريته وثقافته العميقة واستجابته لذوق عصره ومناخه الحضاري حيث استندت حداثته إلى وعيه بمفهوم المعاصرة واتجاهه إلى اصطناع لغة جديدة وصور مبتكرة تواكبان الحياة الحضارية الجديدة فشكلت شعره على مقدار إيقاع الزمان.
واستطرد د. عيسى بأن أبا تمام اشتهر بذكائه الحاد الذي رفده بأفكار ومعان جديدة وتضافر ذلك مع محفوظه الشعري الضخم الذي ساعده على التوسع في المعنى وإعادة عرض المعاني وصياغتها بطريقة جديدة، وعرف بمسلكه في "الاهتدام" أي هدم البناء القديم وبناء معان جديدة على أنقاضه يلتبس فهمها على أصحاب التيار المحافظ ومن انحازوا إلى شعر الأوائل.
وشبه د. عيسى أبا تمام بغواص ماهر يهبط إلى أغوار بعيدة ليقتنص فرائده ودرره يرفده في ذلك وعي عميق دقيق بخريطة الشعر العربي بجميع خطوطها وتضاريسها وألوانها وكل ما تحتويه من أضواء وظلال، فاستطاع أن يضخ دماء جديدة في الشعر العربي ويغير مجرى نهر الإبداع، ويصطنع مذهبا شعريا جديدا.
أما الورقة الثانية ناقش فيها د. إبراهيم نادن مجموعه من الأمور عن شعر أبي تمام الطائي وقال إن أبا تمام الطائي كان شاعرا عصريا مثَّل التناغم بين الوجه الحضاري للدولة العباسية ومستوى القول الشعري فيها. وأنه كان شاعرًا مجدّدًا في الشعر العربي خلال القرن الثالث، وتمثّل هذا التجديد على الخصوص في معاني الشعر وصوره وأسلوبه وجمالياته، دون أن يمس ذلك اللغة والموسيقى ومنهج القصيدة ، وأضاف بأن هذا التجديد الذي مثله شعره جعل العلماء يختلفون حوله إلى اتجاهين متناقضين في المشهد الشعري العربي، وجعلهم يبحثون عن المميزات العامة لاتجاهه في القول الشعري. وأن ذلك البحث جعلهم ينصبونه إمام مذهب شعري له سمات عامة، وتجسدت على الخصوص في الإكثار من تتبع البديع بكل ألوانه إكثارًا عرف به، بعد أن كان الشعراء قبله يتناولونه باقتصاد وبغير تكلف، والإلحاح على المعاني الدقيقة والأفكار العميقة.
أما عن سمات المذهب الشعري فأشار د. نادن إلي أنها كانت تتجاوب والوجه الحضاري للدولة الإسلامية التي توسعت رقعتها، وكثرت أقاليمها، وتعددت أجناسها، كما تزايد تشجيعها للانفتاح الثقافي على العلوم المختلفة التي لا تتعارض والشريعة الإسلامية. وبناء على ذلك لقي شعر أبي تمام الإقبال والتشجيع الفني، فكان شاعر المعتصم بالله بامتياز، وغيره من كبار رجال الدولة العباسية في أوج عظمتها ،وعن شهرته الأدبية قال بأنها لم تبق منحصرة في المشرق العربي، بل وصلت أصداؤها إلى الغرب الإسلامي عبر قنوات التواصل الثقافي المختلفة. وعن رأي الجمهور الأدبي في الغرب الإسلامي أوضح د. نادن بأنه مذهب أبي تمام الاتجاه الأكثر تعبيرًا عن الوجه الحضاري للمجتمع العربي الإسلامي بهذه الأقطار ، ولهذا السبب عنى بشعره عن طريق مظاهر مختلفة منها رواية شعره وجمعه وإقراؤه ووضع الشروح عليه، وعقد المقارنات الأدبية بينه وبين غيره من الشعراء ،مشيرا إلى أن لأبي تمام حضورا قويا حيث اتخذه أدباء الغرب الإسلامي نموذجا أدبيا اعترفوا بسلطته التوجيهية والنقدية لرسم معالم نصوصهم الأدبية حيث حضر بهذا الدور في ثنايا هذه النصوص، كما ضمنوا كثيرًا من شعره فيها، وعنوا كثيرًا بمعارضة قصائده التي ظل كثير منها يوجه تأثيره الفني على تجاربهم الأدبية إما صراحة وإما باعتباره النص الخفي، وتبقى الإشارات الفنية المختلفة داخل إنتاجاتهم دالة على ذلك التوجيه وعلى ذلك التأثير ،وختم ورقته بالقول بأن الأثر الفني لشعر أبي تمام كان من القضايا الأدبية التي واصلت الدراسات الأدبية الحديثة التنويه بجوهرها وأسلوبها وقيمتها في حركة التحديث الشعري العربي عبر التاريخ.
دور مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري احتفاء بيوبيلها الذهبي
تحدث د.محمد حسن عبد الله عن دور المؤسسة في إحياء الحركة الثقافية العربية وعملها بين الجماهير العربية، وأشار إلى سلسلة المعاجم للشعراء العرب المعاصرين (9 أجزاء) وشعراء القرنين التاسع عشر والعشرين (25 جزءًا) ومجموعات الأشعار المختارة.. وإلى مركز البابطين للترجمة، و "مركز عبدالعزيز سعود البابطين لحوار الحضارات".
وبخصوص عملها بين الجماهير أشار إلى تعدد جوائز الشعر، والنقد، لأحسن شاعر، وأحسن ديوان، وأحسن قصيدة، وأحسن كتاب في نقد الشعر. مع المحافظة على منح الجوائز، فلم تحجب عبر مائة جائزة (4 جوائز كل عام × 25 سنة = 100 جائزة) غير جائزتين.. تجنبًا للإحباط، وإثارة للمنافسة والرغبة في الإجادة. وكذلك الندوات المصاحبة للدورات، والملتقيات، التي أعطت مساحة أكبر للنقد، ولإنشاد الشعر ،يضاف إلى ذلك الترحال المستمر بين عواصم العالم، ما بين القاهرة، وفاس، والكويت، والمنامة، والعيون، وبيروت، وطهران، وقرطبة، وباريس، وبروكسل، وغيرها.
مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين تسند جوائزها وتحتفل بيوبيلها الفضي
في احتفال بهيج انتظم أثناء حفل الافتتاح ، وزعت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين جوائز الدورة الرابعة عشرة على المتميزين العرب من الشعراء في مجال القصيدة والديوان والنقد واحتفلت مؤسسة البابطين الثقافية بيوبيلها الفضي( 1989 - 2014 ) في حضور مؤسس الجائزة عبد العزيز سعود البابطين وعدد من المسؤولين والسفراء والباحثين والنقاد والشعراء العرب ، ومن بين الفائزين بالجائزة الشاعر التونسي المنصف الوهايبي الذي عبرعن شديد اعتزازه بهذا التكريم وقال : " هذه الجائزة هي تكريم لي وللشعب التونسي على ما اعتقد وللشعر المغاربي وعسى أن تفتح الباب لأصوات تونسية أخرى هي جديرة بها لا شك ." سعادة مغاربية عارمة بجائزة تونس ويرى الوهايبي أن المغزى من هذه الجائزة هو المحافظة على الشعر لا باعتباره شعرا وإنما لأنه لغة البشر الأم وخاصة العربية التي تدين للشعر بمعجمها ونحوها وتراكيبها ومجازاتها لأنها نشأت في حضنه منذ غابر الجاهلية ، وأضاف الوهايبي : " وهذا جانب احتفي به في الكتاب الشعري الذي يصدر قريبا تحت عنوان " بنات قوس قزح " وهو العمل الذي منح الجائزة وقد أضفت إليه قصائد تحتفي أساسا بالمكان العربي ( الجزيرة العربية واليمن ) وبشعراء العربية الأوائل وخاصة الجاهليين منهم في عالم يحاول أن يجمع بين الصحراء والبحر من خلال إعادة صياغة سيرة الهلاليين شعرا وعسى أن ينسج رجال الأعمال في تونس على منوال الشاعر الأستاذ عبد العزيز سعود البابطين وان يتركوا السياسة للسياسيين ، فما أحوجنا إلى إعادة الاعتبار لمنظومة الثقافة ، وعن سؤال حول الوضع الثقافي في تونس أكد محدثنا أنه ممتاز للغاية .
|
|
|
|